|

انتخابات اليمن.. اتهامات بالتزوير والمتهم مجهول
صنعاء- ناصر يحيي- إسلام أون لاين.نت/24-2-2001
طوال
أربعة أيام من الانتخابات المحلية
في اليمن انقلب العرس الديمقراطي -
وفق الوصف الإعلامي الرسمي- إلى
معركة انتخابية، وتواصلت أحداثها
الدامية في أكثر من منطقة راح ضحيتها
أكثر من عشرين قتيلا وعدد أكبر من
الجرحى؛ فتحولت عملية سلمية
كالانتخابات إلى عملية دامية بمعنى
الكلمة.
و
قد اتفقت الأحزاب السياسية اليمنية
واختلفت حول تقييم ما حدث خلال
الأيام الأربعة، ولا فرق بين الحزب
الحاكم، وأحزاب المعارضة.
فقد
اتفقت جميعها على حدوث عملية تزوير
واسعة النطاق، لكنها اختلفت حول
تحديد المتهم باغتيال نزاهة
الانتخابات؛ حيث رصدت أحزاب
المعارضة عشرات من المخالفات
الانتخابية التي ارتكبها أنصار
الحزب الحاكم، اعتمادا على استغلال
إمكانيات الدولة ونفوذها المدني
والعسكري.
أما
الحزب الحاكم فقد أصدر هو الآخر
عشرات البلاغات عن قيام المعارضة (!)
بخرق الدستور والقوانين، ومنع
أنصاره من التصويت، ونهب صناديق
الاقتراع، وإحداث الفوضى في مراكز
الاقتراع، وتزوير إدارة الناخبين
الأمنية.
وما
سبق كانت الصورة الإجمالية لأجواء
يوم الاقتراع التي شهدت فوضى غير
معتادة في إجراءات سير الاقتراع،
زادت من توتر الأجواء ودفع عددا من
أحزاب المعارضة إلى الانسحاب بعد أن
سقطت أسماء مرشحيهم أو تم تبديل
رموزهم الانتخابية، بالإضافة إلى
ظهور نقص في وثائق الاقتراع أدى إلى
تأجيل الانتخابات في 126 مركزا
انتخابيا وفق إحصاء رسمي فيما قدرته
منظمات غير أهلية بأنه يفوق 150
مركزا، وبدا أن الأمور كادت تخرج عن
السيطرة بعد أن تواردت أنباء
الاحتجاجات والانسحابات ثم
الصدامات الدامية التي لونت
الانتخابات بلون الدم الأحمر، فيما
كان كثيرون يتوقعون أن تكون أكثر
بياضا مما سبق من الانتخابات.
اتهامات
متبادلة
وكالعادة
في الانتخابات اليمنية، ضمنت
الأحزاب السياسية كما هائلا من
الشكاوى والمخالفات والخروقات عبر
أجهزة الفاكسميل والإنترنت
والبيانات السياسية، وتبادلت
السلطة والمعارضة إلقاء التهم على
الطرف الآخر، وإن كان موقف السلطة
بدا ضعيفا وهي تشكو من تعرضها
لاضطهاد المعارضة ومحاولتها منع
الحزب الحاكم من تحقيق فوز كاسح،
وفيما
طالب الاشتراكيون وأنصارهم بإعادة
الانتخابات تحت إشراف هيئة محايدة
طالب الحزب الحاكم بالتحقيق مع
أحزاب المعارضة وخاصة الإصلاح، بسبب
مسئوليتهم مما حدث من فوضى وخروقات
قانونية، وتبادل الطرفان إصدار
بيانات تضمنت الخروقات والممارسات
غير القانونية التي ارتكبت في معظم
المحافظات اليمنية دون استثناء.
ويشير
المراقبون إلى أن الحزب الحاكم في
اليمن اتبع أسلوبا ماكرا كالعادة في
مواجهة اتهامات المعارضة في
الانتخابات أو غيرها؛ فهو يعيد
إنتاج تلك الاتهامات بعد عكس
معانيها، أو يبادر هو بإلقاء
الاتهامات في حوادث القتل، وهو
أسلوب نجح عام 93-1994 في مواجهة الحزب
الاشتراكي الحاكم آنذاك، لكن تكرار
الأسلوب نفسه مع المعارضة لا يقنع
كثيرين؛ نظرا لمعرفة الرأي العام
اليمني بحقائق القوة والإمكانيات
المذهلة والسيطرة الكاملة للحزب
الحاكم على مقدرات الأمور في اليمن،
وأن كان هذا الأسلوب ينجح مؤقتا في
إثارة بلبلة سياسية وإعلامية سرعان
ما تتكشف حقيقتها بعد ظهور الحقائق،
كما
لاحظ المتابعون أن هذا الأسلوب قد
أضر من حيث لا يدري الحزب الحاكم
بمصداقية الاستفتاء والانتخابات،
بعد أن اتفق الجميع على حدوث عملية
تزوير واسعة النطاق في بياناتهم
وأخبارهم طوال أيام الاقتراع.
منافسة
الإسلاميين للموتمر الشعبي
وبعيدا
عما جرى من مخالفات لا شك فيها، فقد
أظهرت حمى المنافسة والنتائج
الأولية للاقتراع أن المواجهة
الحقيقية جرت بين حزب المؤتمر
الشعبي الحاكم وبين حزب الإصلاح
الإسلامي، ويمكن تشبيه هذه المواجهة
بما يحدث عند اصطدام عملاقين، الحزب
الحاكم بإمكانياته الضخمة مدعوما
بالآلة المدنية والعسكرية للدولة،
وحزب الإصلاح الإسلامي بتواجده
الشعبي العميق والقوي الذي اكتسب
خبرة كبيرة في إدارة حملته
الانتخابية بعد عشرين عاما خاض
خلالها مجموعة من المنافسات
الانتخابية لم تتوفر لفترة بما فيها
الحزب الحاكم نفسه، وتؤكد أيام
الفرز ومجرياتها أن يواجه الحزبان
بعضهما بضراوة واحتمال كبيرين، كما
أنهما يتقاسمان الفوز في محافظات
ولكل منهما ويتعادلان في الأخرى.
والصمود
الكبير الذي يبديه الإسلاميون في
هذه الانتخابات ليس غريبا على
تاريخهم، لكن ما يزيد في عزيمتهم أن
هذه الانتخابات تعد بالنسبة لهم
فرصة رد اعتبار لما حدث في
الانتخابات النيابية 1997 التي واجهوا
خلالها الآلة الاعلامية للحزب
الحاكم بمفردهم وبعد مقاطعة الاحزاب
الاشتراكية، وعلى الرغم من أنهم
حافظوا على مقاعدهم في البرلمان
وضاعفوا الأصوات الشعبية التي حصلوا
عليها بنسبة 100% فإن الأغلبية
الساحقة التي حصل عليها الحزب
الحاكم اعتبرت هزيمة سياسية
للإسلاميين، تعرضوا بعدها لحملة
سياسية وإعلامية هدفت إلى تقويض
ثقتهم بأنفسهم وشعبيتهم والإيحاء
بأن حاجة الدولة لهم في مواجهة
الاشتراكيين هي التي كانت تتيح لهم
فرصة الفوز في الانتخابات وأن هذه
الحاجة قد انتهت بهزيمة الحزب
الاشتراكي عام 1994،
ولكن
مجريات الانتخابات المحلية قلبت كل
الظنون عن انتهاء زمن الإسلاميين
وأكدت أنهم الرقم الصعب الذي لا يمكن
تجاهله وتجاوزه، وأنهم موجودون في
كل منطقة في اليمن بصورة منظمة عكست
نجاحهم في تجاوز الحواجز النفسية
التي صنعها خصومهم خلال سنوات
الأربع الماضية.
أما
الحزب الحاكم فبالرغم من الإمكانيات
الهائلة التي يمتلكها، فإن وضعه لا
يمكن قياسه بوضع الأحزاب الحاكمة في
دول عربية أخرى لا تكاد توجد أمامها
معارضة قوية، ولذلك فإن المؤتمر
الشعبي الموجود في كل مكان ما يزال
يعيش بهاجس الأحزاب العربية الحاكمة
التي ترى أن وجود المعارضة هو (منحة)
منها، كما يدل إصراره على استخدام
إمكانيات الدولة ونفوذها
وإجبارالعسكريين على التصويت
لمصلحتها أن الأغلبية التي يتمتع
بها ليست من ذلك النوع الذي يستطيع
الصمود في انتخابات حرة نزيهة.
وفي
هذا السياق يؤخذ على الحزب الحاكم
أنه منع المعارضة للتعديلات
الدستورية من استخدام وسائل الإعلام
الرسمية لبيان رأيها، وسخرها في
المقابل للإشادة بهذه التعديلات
وبيان محاسنها وإيجابياتها.
|