|

الحرب القذرة في الجزائر.. شهادة ضابط
باريس-إسلام أون لاين.نت/9-2-2001
اتهم
ضابط سابق بالجيش الجزائري القادة
العسكريين في بلاده بالضلوع في
مجازر ضد الجماعات الإسلامية التي
تقاتل الدولة منذ مطلع التسعينيات،
مشيرًا إلى أن هذه المجازر لم
تقتصر على ما أسموه بالإرهابيين بل
استهدفت استئصال التيار الإسلامي
كله في البلاد.
جاء
ذلك في كتاب صدر حديثًا في باريس
ويحمل عنوان "الحرب القذرة"،
وتنبع أهمية هذا الكتاب من أن كاتبه
حبيب سعيدية -اللاجئ حاليا لدى فرنسا-كان
ضابطا في صفوف الوحدات الخاصة للجيش
الجزائري طيلة الفترة التي يتناولها
الكتاب أي بين عامي 1992 و2000.
ويبدأ
الضابط السابق كتابه بالتعريف
بنفسه؛ حيث ولد العام 1969 في تبسة
التي تبعد حوالي 650 كيلومترًا شرقي
الجزائر، ويشرح أسباب التحاقه
بالجيش. ثم ينتقل بعد ذلك لرصد
التحولات التي عرفها المجتمع
الجزائري وصعود الإسلاميين وأولى
اللقاءات التي كانت تجري بين وزير
الدفاع السابق خالد نزار والشيخ
عباس مدني (مؤسس الجبهة) وكان ذلك في
خلال هجوم "عاصفة الصحراء" ضد
القوات العراقية في الكويت.
أما أول احتكاك له مع المجازر فيعيده
سعيدية إلى مارس 1993 حيث كان يستعد
للنوم عندما ناداه النقيب داود وكان
برفقة العماد فوضيل شريف، نائب قائد
قوات المكافحة، والعقيد جبار، مدير
المركز العسكري للتفتيش في البليدة،
"وطلبا مني أن أرافق مع وحدتي
مجموعة من مساعدي الضباط ووحدات
كوماندوز، وكان بعضهم يرتدي الزي
المدني، ويحمل خناجر وقنابل، الأمر
الذي كان يقربهم جدا من مجموعات
الإرهابيين، وذهبنا في مهمة خاصة
جدا.. وأثناء عودتنا كان في الطريق
حاجز للحرس الجمهوري، لكن القادة
العسكريين كانوا أعطونا الأوامر
بعدم الخضوع لأي تفتيش، وبالفعل
فبعد أن تبادلنا تأدية التحية تركنا
الحاجز نمر دون تفتيش، وعند الواحدة
والنصف فجرا كنا عائدين من المهمة،
التي كانت وحدتي تُؤَمِّن الحماية
لها في منطقة دوار الزعترية المعروف
أهلها بأنهم مقربون من الجبهة
الإسلامية للإنقاذ، وفُوجئت بمساعد
ضابط كان تحت إمرتي يرفع بوجهي سكينا
مخضبا بالدماء، وفي اليوم التالي
كانت عناوين الصحف تتحدث عن مجزرة
ليلية جرت في قرية الزعترية، وقضى
فيها أكثر من 12 شخصًا نحبهم".
ويقول الكاتب، الضابط السابق، في
سياق إحدى رواياته عن المجازر التي
حفل بها الكتاب، كيف أنه كان مرة
بالقرب من وحدة خاصة وقعت في كمين
للإسلاميين، وحين أراد التدخل وعرض
أن يهب لمساعدة رفاقه جاءه عبر جهاز
اللاسلكي صوت "فوزي"، وهو الاسم
العسكري للجنرال محمد العماري، الذي
بات خصوصا بعد استقالة نزار الرجل
الأول في المؤسسة العسكرية،
بالفرنسية قائلا "إني آمر كل
الوحدات بالبقاء في مراكزها بانتظار
تعليمات أخرى... وعند منتصف الليل
عندما حصلنا على الإذن وجدنا ما
يروعنا: 8 قتلى من صفوف وحدة الجيش،
بينما الإسلاميون كانوا قد نجحوا في
الابتعاد" وبعد فترة ذهبوا لتطويق
قرية قريبة من بليدة كان فيها
إسلاميون، وجاءهم أمر فوضيل شريف
يقول: "ينبغي ألا تأخذوا
الإرهابيين أحياء، اقضوا عليهم
جميعا، اقتلوهم واقتلوا كل من
يدعمهم، فلسنا هنا لمكافحة
الإرهابيين فقط وإنما كل الإسلاميين".
بل
إن سعيدية ينقل عن العماري عبارة
شهيرة في صفوف الجيش تقول: "إن
الإسلاميين يريدون الصعود إلى
الجنة، فنرسلهم إذًا إلى هناك
سريعا، لا أريد سجناء، أريدهم جميعا
قتلى".
ويقول
الضابط السابق سعيدية "إني رأيت
زملاء لي من الجيش يحرقون صبيا في
الخامسة عشرة من عمره وهو على قيد
الحياة، ورأيت جنودا مقنعين بثياب
إرهابيين يقتلون مدنيين، ورأيت
عقداء في الجيش يذبحون بدم بارد
أناسا لمجرد الاشتباه بهم، كما
شاهدت بأم عيني ضُباطا يعذبون
إسلاميين حتى الموت". لا بل يؤكد
أن العماري كان يضع رؤوس الإرهابيين
على طاولته بعد أن يتم قطع رؤوسهم
بناء على أوامره.
وعلى
هذا النحو تتعدد روايات الكتاب
وأسماء الضباط المكلفين بالوحدات
الخاصة والعمليات، وتتعدد أخبار
المجازر. ولا تقتصر الاتهامات حول
المجازر وقتلى المدنيين على الجنرال
العماري، وإنما تطول أيضا جنرالات
آخرين من توفيق مدين ومحمد تواتي،
المعروف بلقب المخ، وسليم سعدي
ومجاهد…
مصداقية
الكتاب
ويرى
المراقبون أن كتاب سعيدية هو الأكثر
مصداقية بين كل ما قيل وما كتب
سابقا، وذلك وفقاً لتعليق القاضي
الإيطالي فرديناندو إيمبوسيماتو
الذي وضع مقدمة الكتاب. فالقاضي
المذكور، وهو نائب وسناتور سابق،
الرئيس الفخري للمحكمة العليا
للجنايات في إيطاليا، متخصص في
ملفات المافيا والإرهاب وحقوق
الإنسان في العالم، يقول: "إن
مصداقية الكتاب تكمن في أمرين:
أولهما "أن الناشر (دار ديكوفيريت)
تحققت من كل الوقائع التي سردها
الضابط السابق قبل نشرها، وثانيهما
أن ما يقوله سعيدية يطابق التقارير
التي استغرقت سنوات، والتي قدمها
مراقبون محايدون وعلماء اجتماع
ومؤرخون وصحافيون والمنظمات
المدافعة عن حقوق الإنسان".
وكانت محكمة باريس قد أصدرت الخميس
الماضي قرارها بالسماح بنشر الكتاب
بعد دعوى تقدم بها صحفي جزائري يقول
إن دار النشر اتفقت معه لكتابة أقوال
الضابط، ثم تراجعت عن الاتفاق.
يذكر
أن صحيفة "لوموند" المستقلة
والواسعة لم تتردد في وضع الكتاب على
"مانشيت" صفحتها الأولى يوم
الخميس تحت عنوان يقول: "الحرب
القذرة للجيش الجزائري"، كما نشرت
آراء لعدد من المثقفين الفرنسيين،
وبينهم مسؤولون سابقون تؤكد على
ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع
الجزائر؛ لكي تتوقف فرنسا عن دعم
الجيش بذريعة مكافحة الإرهاب، والذي
قضى على كل المعارضة في البلاد".
|