|

فقراء "بورتو الليجرى" يواجهون أغنياء دافوس
دافوس-
وكالات- إسلام أون لاين/ 29-1-2001
تفاقمت
حدة التناقضات بين مؤيدي العولمة
ومناضليها؛ هذا ما أكدته مواقف
الأطراف المشاركة في المؤتمرين
المتنافسين عبر جانبي الأطلسي:
المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد
في منتجع دافوس السويسري، والمنتدى
الاجتماعي العالمي المنعقد في مدينة
"بورتو الليجرى" البرازيلية.
فعلى
صعيد دافوس أكد أغنياء العالم في
خلال اليومين الماضيين اتهامات
فقرائه لهم بأنهم غير مستعدين لسماع
أية وجهات نظر تخالفهم الرأي، وأنهم
ماضون في خططهم الرامية إلى إضفاء
المزيد من الليبرالية على النظام
الاقتصادي العالمي على الرغم من
آثارها السلبية على شرائح كبيرة من
الناس عندما منعوا بقوة رجال الشرطة
مئات المحتجين من الوصول إلى دافوس؛
حيث يعقدون منتداهم الاقتصادي
العالمي في قصر مؤتمرات، حولوه إلى
ما يشبه ثكنة عسكرية؛ مما دفع ببعض
المتظاهرين إلى إرسال الرد من مدينة
زيورخ المجاورة؛ حيث قاموا بإحراق
سيارات وتكسير واجهات محال، ودخلوا
في اشتباكات عنيفة مع الشرطة.
في
غضون ذلك حاول فقراء "بورتو
الليجرى" أن يواجهوا العولمة التي
يفرضها منتدى دافوس بعدد من
القرارات الهامة؛ فقد أعرب
المشاركون في المنتدى الاجتماعي
العالمي المنعقد في بورتو الليجرى
عن رغبتهم في إنشاء صندوق عالمي
للتعويض عن نهب الدول الغنية لدول
العالم الثالث، ونددوا بقواعد
التجارة الدولية القائمة، واقترحوا
إقامة حواجز كمؤشرات للمسؤولية
الاجتماعية، وفرض احترام القواعد
التي تمنع إغراق الأسواق.
وقال
رئيس لجنة إلغاء ديون العالم الثالث
إريك توسان: إن مهمة صندوق التعويض
الذي اقترح إنشاءه ستكون تعويض "النهب
المزمن جدًّا في دول العالم الثالث".
وقال خلال مناقشة بعنوان "نظام
مالي من أجل المساواة بين الدول":
إن الصندوق سيخضع لإشراف الأمم
المتحدة، وليس للبنك الدولي وصندوق
النقد الدولي، وسيتم توفير أمواله
من عائدات رسم "توبين" الذي
يقتطع من العمليات المالية على حد ما
طالب عدد كبير من المشاركين.
وفي
المقابل، اعتبر المشاركون في
المناقشة أن فكرة إنشاء "بنك
للفقراء" التي سبق واقترحتها
منظمات غير حكومية ممثلة في المنتدى
"غير واقعية". وقال هؤلاء
الخبراء: إن قيمة ديون الدول النامية
بلغت أربعة أضعافها في 20 سنة،
وارتفعت من 520 مليار دولار في العام
1980 إلى 2070 مليار دولار في 2000، في حين
أن هذه الدول سددت 3350 مليار دولار
خلال هذه الفترة، أي ستة أضعاف ديون
العام 1980، كما أوضح أريك توسان.
وأشار
الخبراء إلى أنه في حالة إذا كان من
الضروري تخفيض حجم ديون الدول
النامية أو حتى إلغاؤها وتطبيق رسم
"توبين"؛ فلا هذا ولا ذاك
سيسمحان بتسوية مشاكل هذه الدول،
خصوصا وأن عائدات هذا الرسم لن تكون
كافية لمنع التجاذبات.
وقد
أدى التنديد العنيف بـ"الدكتاتورية
الشاملة" من قِبَل رئيس البرلمان
الكوبي ريكاردو ألاركون إلى إشعال
حماسة حقيقية لدى جمهور المنتدى
الذي كان يلوح بالأعلام الكوبية
مشدودًا بكلام الخطيب الذي ندد "بالكذبة
الكبيرة التي تقول: إن اليد المخفية
للسوق يمكن أن تغدق السعادة والرخاء".
وخصص
ألاركون الذي دُعِيَ إلى ترؤس جلسة
مناقشة حول "دور الدولة الأمة"،
القسم الأساسي من مداخلته لشجب "الغطرسة
الأمريكية"، متهكما من "مهزلة"
الانتخابات الأمريكية التي اعتبرها
"تزويرا فاضحا" أدى إلى وصول
حكومة "تفتقر إلى الشرعية" كما
قال.
وأدان
ألاركون السباق الجديد إلى التسلح
الذي تقوم به الولايات المتحدة التي
"تحتاج لاختراع النزاعات من أجل
ديمومتها". وأضاف أن كل ذلك من أجل
"إغناء المجمع العسكري الصناعي"
على حساب السياسات الاجتماعية. ووسط
عاصفة من التصفيق، دعا المسؤول
الكوبي إلى تطبيق "اشتراكية
متعددة الأوجه وغير عقائدية".
وقال: إن "المستقبل سيكون
اشتراكيًّا أو لا يكون".
من
جهته أشار عالِم الاجتماع مايكل
لووي إلى ضرورة إنشاء "الدولية
للمقاومة" في مواجهة "الهيمنة
الكونية للإمبراطورية الأمريكية".
وأورد اسم حركة "زاباتا" في
تشياباس في المكسيك وحركة "مَن لا
مرقد لهم في البرازيل" كأمثلة على
حركات المقاومة على المستويات
المحلية والقومية والدولية.
وحول
اقتراح فرض رسوم على عمليات
المضاربات المالية اعتبر لووي أن
المسألة لا تتعلق بأن تسهم الدول
الغنية بقسطها لمصلحة الدول الفقيرة.
وأضاف: "إني أفضل على ذلك التشبه
بروبن هود، أي الأخذ من الأغنياء
لإعطاء الفقراء".
وبعد
أن ذكر أنه بين 1980 و1990 سجلت دول
الجنوب عجزا في التجارة الخارجية
بقيمة 45 مليار دولار في مقابل فائض
للدول الصناعية يُقدَّر بـ80 مليار
دولار، طالب المسؤول عن العلاقات
الدولية في نقابة العمال الوحيدة
البرازيلية كجيلد جايكوبسن بـ"خطة
مارشال شمال جنوب تسمح للجنوب
بالتعامل مع الشمال".
وأوضح
أن "الشركات الدولية تسيطر على
ثلثي التجارة الدولية، وهي تستفيد
من حاجة الدول النامية للتصدير
لاستغلال اليد العاملة فيها بالضغط
على الرواتب وحق العمل"، ودعا دول
أمريكا اللاتينية إلى "رفضهم
اتفاقًا للتبادل الحر في القارة
الأمريكية" وإلى "تعبئة واسعة
النطاق ضد اتفاق التبادل الحر في
القارة الأمريكية في السادس والسابع
من نيسان المقبل (إبريل) خلال اجتماع
وزراء الصناعة والتجارة للقارة"
في بوينوس أيريس في الأرجنتين. وقال
"ستكون سياتل جنوبية" في إشارة
إلى التظاهرات المعادية لمنظمة
التجارة العالمية في كانون الأول (ديسمبر
1999).
ودعا
الناطق باسم جمعية الصناعيين
البرازيليين من أجل المواطنة، التي
شاركت في تنظيم المنتدى، أوديد
غراجو، إلى تحمل "المؤسسات
مسؤولية اجتماعية" (البيئة وحقوق
العمل) واقترح وضع "مؤشرات
للمسؤولية الاجتماعية" ضمن
القواعد الدولية تتيح "إقامة
دعاوى دولية ضد الشركات التي لا
تحترمها".
وقال
رئيس معهد الزراعة والتجارة في
مينيسوتا الأمريكي مارك ريتشي: "يجب
إرغام الدول على تطبيق القواعد التي
تحظر إغراق الأسواق بالبضائع وهي
موجودة أصلا فضلا عن اعتماد "قواعد
جديدة من أجل تجارة منصفة توفر
عائدات جيدة للمنتجين وتحترم البيئة
والأقليات وتحظر الاستعباد".
دافوس
أما
على صعيد منتدى دافوس؛ فقد استخدمت
الشرطة المجهزة بمعدات مكافحة
الشغب، أمس الأول-27-1-2001 سيارات
وحواجز حديدية لتطويق حوالي 300 شاب
من المناهضين للعولمة تمكنوا من
التسلل عبر الطوق الأمني المفروض
على دافوس، وتظاهروا في شوارعها
المغطاة بالثلوج، ورفع المتظاهرون
ومعظمهم من السويسريين الناطقين
بالألمانية لافتات كُتب عليها
بالإنكليزية والألمانية "دمروا
المنتدى"، و"دافوس تحترق"، و"المال
والسلطة والربح تدمر العالم".
وتقدم
المتظاهرون إلى مسافة حوالي 500 متر
من مقر المؤتمر؛ حيث يجتمع منذ
الخميس ممثلو النخبة السياسية
والاقتصادية في العالم، وبينهم 30
رئيس دولة وحكومة وحوالي 80 وزيرا.
واستخدمت الشرطة خراطيم المياه
لمنعهم من التقدم أكثر. ورشق بعض
المتظاهرين أفراد الشرطة بكرات
الثلج قبل أن يتراجع الحشد عائدا إلى
محطة القطار حيث اجتمعوا في البداية.
وشكلت
التظاهرة تحديا للسلطات المحلية في
دافوس التي حظرت التظاهرات السبت
27-1-2001 وقررت فرض تدابير أمنية لا
سابق لها عبر نشر المئات من عناصر
الشرطة والجنود في المدينة. وردت
الشرطة مئات الأشخاص الذين يُشتبه
أن لديهم نية لإثارة اضطراب في
دافوس، وصادرت قنابل حارقة، ومكبرات
صوت، وأدوات أخرى.
وفي
زوريخ، قال مصدر في الشرطة: إن حوالي
800 إلى ألف ناشط مناهض للعولمة
تظاهروا أمس الأول، وقاموا بحرق
سيارات، وتكسير واجهات محال بعد أن
فشل نصفهم في الوصول إلى دافوس.
وبدأت المواجهات بين المتظاهرين
والشرطة في محيط محطة زوريخ،
واستعانت قوى الأمن بخراطيم المياه
والقنابل المسيلة للدموع والرصاصات
المطاطية لتفريقهم.
ورد
المتظاهرون بقذف رجال الشرطة
بالحجارة والزجاجات. وقام بعضهم
بقلب بعض السيارات وإشعال النار
فيها، كما أحرقوا شاحنات وتسببوا
بأضرار في مواقف للحافلات. وردد
المتظاهرون شعارات ضد العولمة،
ورفعوا لافتات كُتب عليها "الأغنياء
يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا".
وقال
المتحدث باسم الشرطة هانس بيتر أمس:
إن 121 متظاهرًا أُوقفوا أمس الأول
خلال تظاهرة زوريخ، موضحًا أن 35
شخصًا لا يزالون موقوفين لدى الشرطة
مساء أمس. وأشار إلى أن الشرطة تتهم
الموقوفين بشكل خاص بالتعرض للنظام
العام والمشاركة في تظاهرة غير مرخص
لها. وقد أُصيب ثلاثة من عناصر الأمن
بجروح طفيفة. وأعلن متحدث باسم
التنسيق المعادي لمنظمة التجارة
العالمية وقوع عشرات الجرحى على
الأرجح بين المتظاهرين، نقل اثنان
منهم إلى المستشفى بعد إصابتهما
بجروح بالغة في العينين. وأشارت
حصيلة مؤقتة للشرطة إلى أن أضرار
التظاهرة تقدر بعشرات الآلاف من
الفرنكات السويسرية. وقد تظاهر
سلميًّا أمس نحو خمسين شخصا في وسط
زيوريخ مطالبين بالإفراج عن كل
المتظاهرين الموقوفين.
وفي
بيرن، تظاهر حوالي مائة معارض
للمنتدى قاطعين المواصلات على أحد
جسور العاصمة السويسرية، وأوقعوا
أضرارا ببعض السيارات بفعل رشق
الحجارة والزجاجات. وقد أثير موضوع
تظاهرات دافوس وزوريخ خلال اجتماعات
المنتدى الاقتصادي في وقت كان فيه
قادة العالم يصفون كيف فشلت العولمة
في تحقيق أماني الفقراء.
إصلاح
أحوال الفقراء
وقد
دعا رئيس جنوب أفريقيا ثامبو مبيكي
المشاركين في دافوس إلى إصلاح
المؤسسات الدولية لحماية الفقراء،
وقال: "عندما يتحدث الناس عن
العولمة ما نراه هو عالم منقسم إلى
اثنين. هناك خطأ بنيوي في الفقر. أحد
جوانب هذا الخطأ هم الأقوياء
والأغنياء، أما الجوانب الأخرى فهي
الضعف والفقر".
وقال
الأمين العام للأمم المتحدة كوفي
عنان في كلمة ألقاها أمام المنتدى:
"إن العالم الفقير يحتاج إلى حصة
أفضل من الاقتصاد العالمي، لكن إنها
ليست الحالة التي يرغب فيها معظم
الناس في القضاء على العولمة. إنها
الحالة التي يطمحون فيها إلى حياة
مختلفة وأفضل من التي لديهم اليوم".
ودعا عنان الدول الغنية لتكون "أكثر
كرمًا" في إلغاء ديون الدول
النامية وإلى زيادة المساعدات
الرسمية لها، وإلى فتح أسواقها "بالكامل"
أمام منتجات الدول الفقيرة.
وأصابت
حالة الهوس التي يعاني منها قطاع
شركات الإنترنت المستثمرين
المشاركين في منتدى دافوس بصداع
حاد، إلا أنهم اتفقوا على التروي
والصبر في المستقبل وترك شركاتهم
العاملة في هذا المجال تنمو نموًّا
طبيعيًّا.
ويضم
هذا المنتدى العديد من المستثمرين
الذين كان ينظر إليهم في منتدى العام
الماضي على أنهم لا يقهرون. إلا أن
هؤلاء أفاقوا على الواقع بعد أن هبطت
أسهم شركات التكنولوجيا بما يصل إلى
95 في المائة خلال الأشهر العشرة
الماضية. ويعترف معظم هؤلاء
المستثمرين الآن بأنهم كانوا يعيشون
في الخيال.
وألقى
صندوق النقد الدولي ظلالا جديدة على
الآفاق الاقتصادية العالمية بعد أن
أعلن خفضًا كبيرًا في توقعاته
المتعلقة بالنمو عام 2001 بسبب
التباطؤ الكبير المرتقب في النشاط
الاقتصادي الأميركي. وقال مساعد
المدير العام لصندوق النقد ستانلي
فيشر خلال جلسة نقاشات في دافوس أمس
الأول: "من الواضح أن وتيرة النمو
الاقتصادي العالمي أصبحت أكثر
بطئًا، وأن توقعاتنا ستخفض بشكل
ملحوظ إلى حدود 3.5 في المائة".
ودافع
مسؤولون كبار في التجارة العالمية
عن النظام التجاري المتعدد الأطراف
في مقابل النزعة الحالية لتوقيع
اتفاقات تجارية إقليمية. وأعلن نائب
وزير الخارجية الياباني يوشيجي
نوغامي أن اتفاقات من هذا القبيل قد
تتحول عائقا؛ لأن تحرير التجارة
العالمية سيتم آنذاك بشكل فوضوي.
وقال
نوغامي أمام إحدى مجموعات الحوار:
"لا يمكن بناء منزل بحجارة ذات
أشكال مختلفة"، مضيفا أن منظمة
التجارة العالمية وحدها يمكنها
تقديم "الخطة الشاملة والقوانين
التقنية".
واعتبر
وزير التجارة والصناعة الجنوب
أفريقي أليك اروين أن الخطر الأساسي
في هذه الاتفاقات الإقليمية هو أنها
تخلق تعقيدات جديدة، وقال: "في
الوضع المعقد يصبح الأقوى أوفر حظاً
من الأضعف". وقد شجع فشل أعضاء
المنظمة العالمية للتجارة في مؤتمر
سياتل في كانون الأول 1999 في اعتماد
سلسلة من المفاوضات التجارية
المتعددة الأطراف، بعض الدول على
البحث عن تحالفات ثنائية وإقليمية
للتبادل الحر أو تعزيز القائم منها.
|