|

الحجر أسرع من الإنترنت لنقل أخبار الانتفاضة!
فلسطين
- القاهرة
– إسلام أون لاين/20-1-2001
تحوّلت
الأحجار وجداران المباني إلى سطح
شاشة كمبيوتر تنقل أخبار الانتفاضة
أو التطورات السياسية بين أكبر عدد
ممكن من الناس وبأيسر السبل، بشكل
أسرع من مواقع الكمبيوتر نفسها؛
فأينما سرت في أي مدينة أو قرية
فلسطينية فستكتشف خلال مشوار قصير
قد لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، أن
هناك SITE (موقع بلغة الكمبيوتر) لكل
جبهة أو فصيل سياسي أو لمن أراد.. على
الجدران.
ومن
خلال تلك المواقع – كما تقول صحيفة
الأهرام المصرية السبت 20-1-2001 - يمكن
أن تتعرف على خريطة المواقف
السياسية لمختلف الحركات والفصائل
الفلسطينية عبر البيانات التي تُكتب
على جدران هذه البناية أو تلك
المنازل كلها على السواء، فلا فرق
بين دار جديدة أو قديمة، فخمة أو دون
ذلك.
خذ
عندك مثلاً، هذه جبهة تقول: "المجد
لجنرالات الحجارة.. والخزي لعشاق
المكاتب والكراسي..."، وجبهة أخرى
كتبت: "مصير الشعوب تقرره عزائم
الثائرين الأحرار، ومصير
المتخاذلين والخونة إلى مزابل
التاريخ"، ورابعة تنصح: "احذروا
الموت الطبيعي.. لا تمت إلا بين زخات
الرصاص".. وخامسة لقصيدة أمل دنفل
الشهيرة: "لا تصالح ولو قلّدوك
الذهب...".
وبعض
الشعارات تهاجم قرارات السلطة
الفلسطينية أو موقفًا لها بطريقة
غير مباشرة مثل التنديد باتفاقيات
أوسلو أو مباحثات كامب ديفيد، أو
تتضمن تحذيرًا من التفريط في القدس
أو قضية اللاجئين، أو تحمل تساؤلات
مؤلمة من نوع: إلى متى نعيش في
المخيمات؟".
ووسائل
الكتابة رخيصة وبسيطة ولا تكلف أكثر
من عبوة "سبراي" بأي لون، إلا أن
المفضل هو الأحمر وفق مقتضيات
المرحلة، ويقوم بالمهمة أصحاب خطوط
جيدة يقررون أحيانًا زيادة الجرعة
الإعلامية برسم لوحات فنية لافتة
للنظر تبدو مثل جداريات عملاقة،
ومعظمها كان في الآونة الأخيرة
لمشهد استشهاد "محمد الدرة"
الفاجع بين أحضان والده.
وكانت
عقوبة كتابة الشعارات على الجدران
قبل أوسلو هي السجن، لكن الأمر مختلف
الآن لدرجة أنه لو اصطفت جدران
البنايات الفلسطينية إلى جانب بعضها
البعض لبدت مثل "منشور سياسي"
هائل.
إنها
وسيلة شديدة الفعالية في التسخين
السياسي، لكنها في أغلب الأحيان
تبدو مثل صفحة وفيات.. فكل حركة
فلسطينية تنعي شهيدها عبر الجدران،
وكذلك يفعل الرفاق والجيران فيما
يشبه عندنا في ريف مصر ما يكتب على
الجدران للترحيب بالعائدين من
العمرة أو الحج، فهذه فتح مثلاً تنعي
شهيدها الرفيق "رمزي بياتنة"
عضو اتحاد الطلبة الثانويين.
وهذه
أخرى كتب عناصرها: "نم يا رفيق
العمر.. فالرفاق على الدرب سائرون"
وتلك تقول: "قتلوك خوفًا.. قتلوك
غدرًا وحقدًا.. سلام عليك يا ياسين".
وقد
تطور استخدام الجدران في "البث
السياسي" للحركات الفلسطينية على
مدى تاريخ القضية، في مجتمع يعاني
كبتًا هائلاً وفقرًا شديدًا في
وسائل النضال.. بالتالي كان لا بد من
استخدام المتاح، وليس هناك أيسر من
الحجارة للرشق أو للكتابة عليها.
مؤسسة
الجنازة!
لكن
ثمة وسيلة إعلامية أخرى أكثر قدرة
على الشحن المعنوي وتغذية المشاعر
وتداول البيانات واستعراض المواقف
والقوى أيضا .. هي "مؤسسة الجنازة"!
نعم
الجنازة.. فقد تحول هذا الطقس الحزين
على مدى الأشهر الثلاثة الماضية إلى
مناسبة إعلامية هائلة التأثير تستمد
قوتها وسطوتها من طبيعتها الخاصة
والأجواء المحيطة بها وما تفجّره في
العادة من طاقات غضب وحزن؛ لذلك تسعى
مختلف الفصائل الفلسطينية إلى
استغلالها للترويج لمواقفها
السياسية حسب ظرف المرحلة أو لإثبات
الوجود. ويتم ذلك عبر إعلامها
وشعاراتها التي ترددها مجموعة معينة
من الشباب، داخل الجنازة التي تتحول
في هذا السياق إلى مزيج من أجواء
المظاهرات السياسية والمسيرات
الاحتجاجية.
ولا
بد أن تسمع عشرات يرددون هتافات من
نوع: "ما في خوف.. ما في خوف.. الحجر
صار كلاشينكوف"، أو "في شهيد..
في جريح .. علينا واجب بالتأكيد ما
ننسي أهل الفقيد"، أو " دم
الشهداء غالي غالي.. مش بضاعة مش
تسالي"، أو "احمل حجر.. ولع نار..
مابدهاشي انتظار.. نحن أصحاب القرار..
هي انتفاضة وانتصار".
أجواء
محمومة هي إذن لا يمكن لزائر غريب أن
يتخيل أنها جنازة لولا جسد الشهيد
الطاهر المُسَجّى فوق لوحة خشبية
وهو في المقدمة يرفعه مشيعون، ويبدو
من وجهه المكشوف وكأنه في غفوة قصيرة..
لكن وحدها أمه تعرف أنه راح ولن يعود..
وبسهولة يمكن معرفتها من عينيها
الحمراوين ودموعها الساخنة التي
تنهمر بغزارة كلما تردد اسم الشهيد..
فتتحول إلى صيد ثمين لمصوري شبكات
التلفزيون العالمية.
|