|

توحيد "لغة" محطات الإذاعة والتلفزيون الصينية
كوالالمبور-
صهيب جاسم- إسلام أون لاين/10-1-2001
بدأت
الصين منذ الأول من يناير الجاري فرض
تشريع جديد يتعلق باللغة القومية
العامة، ويهدف لتثبيت اللغة الرسمية
ويشجع على التحدث بها، ويقضي
القانون بمنع المذيعين في محطات
الإذاعة والتلفزيون من التحدث بغير
"اللغة المندرينية" المعتمدة
بلهجة العاصمة بكين، ويمنع القانون
الجديد مذيعي ومقدمي البرامج في
العشرات من المحطات من الاستعانة
بأي لغة أخرى أو حتى لهجة أخرى
مقاربة للغة المندرينية. ويفرض
القانون الجديد عقوبة على كل من
ينتهك أحكامه.
وكان
القانون الذي أقرته الحكومة الصينية
في أكتوبر 2000 وبدأ تنفيذه قبل أيام،
قد فُرض ليكون أداة أخرى للمحافظة
على تماسك الدولة الصينية الكبيرة
مساحة وسكانًا، والتي تحتضن أكثر من
50 جماعة عرقية وإثنية، تتحدث فيما
بينها بأكثر من 75 لغة مختلفة ولهجات
أخرى كثيرة.
ويعبر
القانون عن القلق الذي تشعر به
الحكومة المركزية من تنامي الهويات
الإقليمية والعرقية والدينية ومن
التأثير الأجنبي بفعل تزايد الاتصال
البشري والاقتصادي بين سكانها
والخارج، ويحاول القانون تثبيت
الهوية القومية الواحدة للصين
بالرغم من كل التحولات في السياسات
الاقتصادية.
غير
أن خبراء الشئون الصينية يتخوفون من
أن ذلك سيخلق نوعًا جديدًا من
المعارضة والعصيان يضاف إلى أشكال
المعارضة الدينية والعرقية
السابقة، ويكون مرتبطًا بالمعارضة
على أساس اللغة للحكومة في بكين
وخاصة في المناطق الجنوبية الساحلية
التي انتعشت اقتصاديًّا في العقد
الأخير، والذي يتحدث أهلها الأغنى
في الصين بلهجات كانتونية وأخرى
محلية غير اللهجة المندرينية
الرسمية.
سياسات
متجددة منذ 50 عامًا
يذكر
أن هذا القانون ليس جديدًا على
الساحة الصينية؛ فهناك قوانين
مشابهة نفذت منذ ظهور الثورة
الشيوعية قبل أكثر من نصف قرن،
واستهدف قادة الحزب الشيوعي من هذه
السياسات تقوية مركزية الحكم
الصيني، وتسهيل حكم أكثر من مليار
وربع من البشر. وبالرغم من أن لغة
قومية "الهان" الصينية قد بقيت
لمدة قرون مضت في مركز الصدارة، فإن
لهجاتها الثماني تطورت بشكل جعل
اللغويين يعتبرونها أحيانًا لغات
مختلفة؛ لأن لكل منها لهجاتها
المحلية التابعة لها.
ففي
عام 1950 أعلنت قيادة الحزب الشيوعي
عدة سياسيات ومبادرات سعت إلى تعميم
لهجة بكين المندرينية؛ لتكون الأبرز
من بين لهجات اللغة الصينية، ولتكون
لغة الكتابة الرسمية المعروفة
بسهولتها مقارنة بكتابة اللهجات
الأخرى.
ولكن
مع انفتاح الصين منذ بداية
الثمانينيات وتزايد الاتصال
بالخارج، وخاصة مع بداية التسعينيات
شاعت اللهجة الكانتونية الجنوبية
التي يتحدث بها سكان السواحل
الذهبية التجارية ورجال الأعمال
والمصنعون في هونغ كونغ وغواندونغ.
وليس
من المستغرب أن يستخدم مذيع أو كاتب
ألفاظًا من اللهجة الكانتونية، وهو
يتحدث المندرينية، كما أن الكتابة
المندرينية معروفة لدى الكثير من
سكان هونغ كونغ وتايوان أيضًا؛ مما
ساعد على شيوع وتداخل اللهجتين أو
اللغتين وتأثر سيادة اللغة
المندرينية.
تخوف
من التفاوت الاقتصادي
ومما
يزيد من قلق بكين هو الفارق
الاقتصادي بين هونغ كونغ ومدن
السواحل الجنوبية الغنية، وهي
الأكثر اتصالاً بالعالم وبين
الأقاليم الداخلية الأقل قوة من
الناحية السياسية والاقتصادية
والتعليمية؛ مما يثير اهتمام بكين
بتوازن القوى السياسية بين سكان
الداخل البعيدين عن الساحل وبين
سكان السواحل المتصلين بالعامل
الأجنبي التجاري والثقافي وحتى
اللغوي.
وفي
المجالات الأخرى وبالإضافة إلى
محاولة فرض نفوذ اللغة المندرينية
على الجنوبيين، فإنها تشن حملة لضرب
سلوكيات الفساد المالي بين قيادات
الحزب الشيوعي، خاصة مع تزايد
استقلالية الجنوب الغني عن العاصمة
بكين، ولفرض بكين كعاصمة لغوية أيضا
وليست عاصمة سياسية فحسب.
وستواجه
الصين صعوبات في فرض اللغة
المندرينية على متحدثي الكانتونية
كما واجهت صعوبات في كبح جماح الفساد
المالي بين مسئوليهم وأغنيائهم، ففي
المجال القانوني اغتيل العديد من
المحققين الحكوميين الذين كانوا
يحاكمون عددًا من هؤلاء في العام
الماضي.
وتقول
التحليلات بأن بكين قد تنجح في
سياستها هذه لكنها قد تواجه معارضة
وتكتلاً بين سكان أقاليم الجنوب على
أساس لغوي، خاصة وأن اللغة هي أهم ما
يميز الثقافات الصينية عن بعضها
البعض، إضافة إلى الفوارق الدينية
بين سكان التبت والمسلمين الأيجور
في شمال غرب البلاد وأتباع طائفة
فالون غونغ. فعندما تقمع الحكومة
جماعة عرقية أو دينية معينة، فإنه من
النادر جدًّا أن يلقى هؤلاء تعاطف
الآخرين، ولكن دائرة المخالفين "لغويًا"
ستتسع لتشمل أوسع دائرة سكانية لم
تشملها دائرة الدين أو العرق سابقًا.
وكما
يقول أحد المحللين الأجانب: فإن
الجميع سيتوحد في تعاطفه ومشاعره
على الأقل؛ لأن الجميع سيكون مذنبًا
عندما لا يتحدث اللغة المندرينية
الرسمية، كما أن المعارضة اللغوية
بشكلها الجديد ستكون وسيلة سهلة
لتجميع كل طبقات الشعب من باعة
الشوارع وإلى كبار التجار الدوليين،
ويتوقع بعض الكتاب أن يكون لذلك أثر
سلبي على الحكم الشيوعي والحكومة
المركزية إذا لم يفرض القانون بتدرج.
|