|

سنغافورة الأكثر"عولمة" وأمريكا الـ12!
كوالالمبور–
صهيب جاسم– إسلام أون لاين/ 9-1-2001
هل
كل دول العالم سواسية في عصر
العولمة؟ وهل هناك من يتقدم الآخرين
في التكيف مع التغيرات العالمية
الجديدة؟ هذا ما حاولت دراسة
أمريكية الإجابة عنه؛ فاختارت
سنغافورة من بين دول العالم
باعتبارها أكثر دول العالم "عولمة
" و "عالمية"، بينما جاءت
الولايات المتحدة الأمريكية في
المرتبة الـ12. وكانت أولى الدول
المسلمة في القائمة ماليزيا التي
جاءت في المرتبة الـ20، فيما جاء
ترتيب إسرائيل في المركز الـ 19!.
تم
اختيار أكثر دول العالم "عولمة"
في دراسة أعدتها مجلة "فورن بولسي" السياسة الخارجية
الأمريكية الشهيرة في عددها الأخير
لشهري يناير وفبراير 2001، بالتعاون
مع شركة "إي تي كيرني"
للاستشارات، ونشرت لأول مرة
الثلاثاء ( 9/1/2001).
وجاء
ترتيب الدول العشرين التي اعتبرت
متقدمة من منظار ظواهر وتطبيقات "العولمة
والعالمية " كالتالي: (1)سنغافورة
(2) هولندا (3) السويد (4) سويسرا(5)
فنلندا (6) أيرلندة (7) النمسا (8)
بريطانيا(9) النرويج (10) كندا (11)
الدانمارك (12) أمريكا (13) إيطاليا (14)
ألمانيا (15 ) البرتغال (16) فرنسا(17)
هنغاريا (18) أسبانيا(19) إسرائيل (20)
ماليزيا.
أول
دليل للعولمة
ويقول
محررو المجلة بأن الدراسة المطولة
هي "دليل العولمة "الأول من
نوعه، وأنها تحاول قياس آثار القوى
المعقدة التي تدفع إلى مزيد من
الاتصال البشري والفكري والتكامل
الاقتصادي والسياسي، وبمقارنة
انعكاساتها على كل دولة ومقارنها
بالدول الأخرى. وتقول الدراسة: إن من
الإشكاليات التي يتصف بها الحديث عن
العولمة هو الافتقاد في العديد من
التفاصيل إلى "أرقام " لتجعل
الجدل علميًا.
وقد
جاءت الدراسة لتشجع على دراسة أبعاد
العولمة المعقدة والمتشعبة بلغة
الأرقام لا بلغة النظرات والتصورات
العامة؛ لتقتفي بذلك أثر الدراسات
التنموية والاجتماعية والاقتصادية
التي تقارن بين أحوال دول العالم في
هذه الجوانب.
وأكد
معدو الدراسة أنها لا تهدف بشكلها
هذا إلى الإجابة عن أسئلة تحاول
معرفة سلبية أو إيجابية آثار
العولمة، لكنها تحاول توفير معلومات
أكثر موضوعية لمن يشارك في الجدل حول
قضايا العولمة، كما أقر مقدمو
الدراسة بصعوبة قياس آثار العولمة
بشكل شامل في الحياة السياسية
والاجتماعية والدينية؛ حيث إن ذلك
سيقتصر على ما يمكن قياسه مثل متابعة
مصدر وهدف حركة المال العالمية التي
تقدر بـ1.5 تريليون دولار يوميًا،
ولذلك تبقى أبعاد العولمة الثقافية
والفكرية وهي الأهم محل جدل مستمر.
وتؤكد
الدراسة على أن جميع دول العالم
ستتأثر بالتغيرات التي ترتبط باسم
العولمة، فأقل دول العالم ارتباطًا
بالخارج ستجبر على التكامل مع غيرها
عندما تواجه تحديات لا تتحكم بها،
كظاهرة الدفء العالمي والتلوث
والجرائم البشرية العابرة للحدود
وانتقال الأمراض، وهذا ما يستدعي
النظر إلى ظواهر العولمة بطرق
وأساليب مختلفة، وطرح أسئلة حول ما
شاع من تصورات.
كيف
اختيرت الدول الأكثر عولمة؟
لم
تقم الدراسة بمسح لآثار وتطبيقات
العولمة في كل دول العالم ولكنها
اقتصرت على 50 دولة؛ مما قلل فائدتها
لدول العالم النامي والفقير الأخرى،
وقد حاولت الدراسة تحديد موقع كل
دولة في قطار العولمة من ناحية
الاتصال الشخصي عبر حدود تلك
الدولة، سواء كان السفر خارج البلاد
أو الاتصال الهاتفي أو الإلكتروني
أو التحويلات المالية الدولية، كما
تتبعت عدد مستخدمي شبكة الإنترنت
وعدد المواقع التي شيدت في ذلك البلد.
وفي مجال التكامل الاقتصادي تتبعت
الدراسة حركة السلع والخدمات،
واختبار تغير نسب مشاركة كل دولة في
أنشطة التجارة الدولية وحركة
الأموال من وإلى ذلك البلد .
ويقول
كاتبو الدراسة: إن الاتصال البشري
بين سكان العالم قد نما بشكل كبير في
السنوات الأخيرة؛ فعدد الذين
يسافرون يوميًا في هذا العام
يقاربون 3 ملايين مسافر مقارنة
بمليون مسافر في عام 1980، كما تضاعفت
حركة الاستثمارات قصيرة وطويلة
الأجل في خلال السنوات الخمس
الماضية ، وبسبب انخفاض تكلفة
الاتصالات الهاتفية الدولية فقد
بلغت هذه الاتصالات لأول مرة في
التاريخ البشري 100 مليار دقيقة في
عام 2000 ، فيما يُقدر عدد الذين
يستخدمون شبكة الإنترنت ويتصلون من
خلالها بـ250 مليون نسمة.
وأشارت
الدراسة بإيجاز إلى المخاوف
الثقافية والدينية من الإنترنت،
خاصة التخوف من كونها أداة للسيادة
الأمريكية أو الغربية، في الوقت
الذي يراها الآخرون وسيلة يمكن لأي
ثقافة وشعب وتيار استغلالها كما
استغلها المتظاهرون ضد منظمات
العولمة الدولية في سياتل واستراليا
وتايلاند وغيرها، أو كما يستغلها
المقاتلون الشيشانيون الذين
استفادوا من الإنترنت لإسماع
أخبارهم للعالم بلغات عديدة كما
استشهدت بذلك الدراسة.
العولمة
تباطأت وإن بدت متسارعة!
ومما
أثارته الدراسة هو أن سرعة التيار
نحو"عولمة " كاملة للأنشطة
البشرية في العالم ومع أنها تبدو
سريعة، لكنها ليست بأسرع مما كانت
عليه في السنوات التي سبقت عام 1997،
بل إنها اتجهت للتباطؤ وحتى "التقدم
زحفا " أحيانا، بالرغم من تنامي
حجم ومستوى الاتصال البشري
الإلكتروني والشخصي والهاتفي.
وتوجز
الدراسة سبب هذا التعثر إلى أن العلة
تكمن في التكامل الاقتصادي بين
الدول الصناعية والعالم النامي،
خاصة بعد ظهور عدة أزمات في جنوب شرق
آسيا و أمريكا اللاتينية و روسيا.
وهو التباطؤ الذي استمر حتى مطلع عام
2000؛ حيث بدأ تدفق الاستثمارات
الأجنبية المباشرة بالعودة تدريجيا
إلى مستواها السابق. و إن سرعة
انتشار تطبيقات العولمة سارت خلال
السنوات الثلاث الماضية بفضل
التقنيات الحديثة التي أصبحت هي
محرك موجة العولمة، بدلاً من
العوامل غير التقنية كالتبادل
التجاري وتدفق رؤوس الأموال.
الأصغر..
أكثر مغامرة!
وخلافًا
لما قد يكون شائعًا، فإن الدراسة
أكدت أن الدول المتقدمة "عولمة
" هي الدول الصغيرة سكانًا ومساحة
والتي كانت أكثر مغامرة من غيرها
بانفتاحها للعالم، بتسهيل حركة
السلع والخدمات ورؤوس الأموال غير
المتوافرة محليا وتسهيل الاتصال
البشري بين سكانها والعالم، ويأتي
عامل الموقع الجغرافي ليساعد على
دفع الدولة الأصغر حجما إلى
المقدمة، مثل هولندا التي تقدمت
بسبب تحركها في السنوات الماضية
للاستثمار في الخارج، وجذب
الاستثمارات إلى بلادها، والسويد
وسويسرا اللتين تحتضنان سوقا صغيرة
نسبيا مقارنة بعدد سكان متعلمين
تعليما متقدما، بينما تساعد النمسا
حركة السياح، وتساعد أيرلندة إقامة
كثير من سكانها خارج حدودها.
وعلى
المستوى الآسيوي والعالمي تتقدم
سنغافورة لتكون الأولى في قائمة "العولمة"؛
لتفوقها على جيرانها الآسيويين أولا
في الحركة والاتصال عبر الحدود
لسكانها. فمثلا قدرت عدد دقائق
الاتصالات الدولية للمواطن
السنغافوري بـ390 دقيقة سنويا، ثم
بقوانينها والبيئة التي هيأتها منذ
عقود للتكامل مع العالم.
وترحب
سنغافورة سنويا بعدد مستقر من
السياح يُقدر بثلاثة أضعاف سكانها،
بينما تستقبل أمريكيا سدس هذا
المعدل من السياح وأقل من ربع متوسط
الاتصالات الدولية للشخص
السنغافوري .ومع تقدمها فقد عانت
سنغافورة من الأزمة الآسيوية جزئيا
مما أخر تقدم مستويات الاستثمارات
والتجارة الدولية، وكذلك عانت من
التأخر في خصخصة المصانع الحكومية
والقيود الجزئية على الإنترنت.
ومع
توقع الدراسة أن تتراجع سنغافورة
قليلا لتتقدم دولا أخرى في قائمة
العولمة خاصة تلك التي تتبع سياسيات
مشابهة، لكنها تستبعد أن تتقدم دولا
متأخرة حاليا خلال السنوات القليلة
القادمة؛ مما يعني استمرار تقدم من
هم الرواد حاليا في عصر العولمة لعدة
سنوات قادمة.
الفارق
الرقمي حقيقة لا تنكر
وقد
أكدت الدراسة ما يقال عن الفارق
الرقمي بين الدول النامية والفقيرة
والدول الغنية أو المتقدمة تقنيا؛
فمعظم الأنشطة الإنسانية المرتبطة
بتقنيات المعلومات متركزة في العالم
الصناعي، بل إن هناك فارقا بين الدول
الصناعية نفسها، فالإنترنت منتشرة
بشكل واسع في أمريكا وكندا فهما "الأكثر
سلكية " في العالم تليها الدول
الاسكندنافية ثم دول أوروبا
الغربية، وتعتبر الدول
الاسكندنافية الأكثر توضيحا لما
يمكن أن تحدثه تطبيقات العولمة من
تغيرات في الأنشطة الإنسانية
الإنتاجية والحياتية؛ فالسويد
والنرويج وفنلندة تشهد تحولا واضحا
من القاعدة الإنتاجية الصناعية
والهندسية إلى تقنيات المعلومات
وزيادة تدفق الأموال والاستثمارات.
وتؤكد
الدراسة أهمية الاستجابة المبكرة
لكل اختراع والتحول الهام في
الأنشطة البشرية؛ فالسويد اهتمت
بنشر الهاتف بين سكانها منذ 30 عامًا،
مما جعل استوكهلم أكثر مدن العالم
"سلكية" اليوم، بينما سارعت
فنلندة بالاستجابة لاقتصاد
الإنترنت فاتخذت خطوات ثورية منذ
عام 1995؛ حتى أصبحت شركة نوكيا اليوم
ذات إنتاج يفوق الناتج المحلي
الإجمالي لفنلندة.
اختيار
خطة النهوض مشكلة!
وتشير
الدراسة إلى أن الفارق بين الدول
اليوم لم يعد صناعيا أو بين دول
نامية وأخرى صناعية فقط، ولكنه فارق
يظهر تقدما تقنيا ومعلوماتيا واسعا؛
مما يوقع الدول المتأخرة عن دول
أمريكيا الشمالية والاسكندنافية في
ورطة اختيار الخطوة الصحيحة للحاق
بهم، وباستخدام الموارد المحدودة
المتوافرة للنامية والفقيرة منهم،
وتضرب الدراسة في ذلك مثالا
بماليزيا التي أنفقت 3.6 مليارات
دولار حتى الآن على مشروعها الضخم
وهو " الممر المتفوق للوسائط
المتعددة، "في الوقت الذي ما تزال
70 % من مدارسها تفتقد لأجهزة
الكومبيوتر.
كما
تعاني الكثير من الدول النامية من
عدم انتشار البنية التحتية اللازمة
للتحول للاقتصاد المعلوماتي
الجديد، كعدم انتشار الهاتف الثابت
بين أغلبية السكان، بل إن كثيرا منها
ما تزال مشغولة بأمور أساسية
كالمياه والكهرباء! أو تلك التي
تحاول يائسة انتزاع سكانها من وحل
الفقر والجهل والمرض، ففي تشيلي
تتركز 58 من أجهزة الهاتف الثابت
والنقال في العاصمة، بينما لم ترتبط
الكونغو الديمقراطية بالإنترنت إلى
اليوم، و لا يزيد عدد مستخدمي
الإنترنت في بعض الدول الإفريقية
على مائة أو مائتين مستخدم في كل
منها!.
|