|

الجزائر ودّعت رمضان بـ 350 قتيلاً وتستقبل العيد بالأحزان
لندن - نور الدين العويديدي - إسلام أون لاين/26-12-2000
في
الوقت الذي يستعد فيه العرب
والمسلمون في مختلف بلدانهم
لاستقبال عيد الفطر السعيد بالأفراح
ولبس الجديد، ينحصر مطمح أكثر
الجزائريين في مرور عيد هادئ لا رصاص
فيه ولا ذبح ولا مجازر. فقد ودّعت
الجزائر شهر رمضان المبارك، وتستعد
لاستقبال عيد الفطر "السعيد"
باكية دامية حزينة؛ فقد سقط نحو 350
قتيلاً من العسكريين والمدنيين
الجزائريين ضحايا العنف الأعمى في
بلد المليون ونصف المليون شهيد في
الأسابيع الثلاثة الأخيرة من الشهر
الفضيل، ولا يعرف أحد كم سيكون العدد
النهائي والحقيقي لقتلى شهر رمضان
وأيام العيد الأولى.
وانعكست
أجواء التدهور الأمني الحاد التي
عرفتها البلاد في الأسابيع القليلة
الماضية على الساحة السياسية
والاجتماعية الجزائرية بحدة؛ فقد
انتشر الرعب في الأوساط الجزائرية
وخاصة في الأرياف والقرى والمدن
الصغيرة والأحياء المعزولة،
واختلطت أجواء الرعب بجدل سياسي
وإعلامي حاد، يتهم قانون الوئام
بالتقصير، ويُحمِّل الرئيس
بوتفليقة مسؤولية كل ما يحدث في
الجزائر.
الأسلحة
النارية والسكاكين في العيد!
وفي
حين ينشغل الناس في الدول العربية
والإسلامية بملابس الأطفال في العيد
السعيد ومتطلبات العادات
الاجتماعية التي ترافق احتفالات
العيد في تلك البلاد، ينشغل
الجزائريون بالبحث عن الأسلحة
النارية والسكاكين والهراوات
لحماية أنفسهم من هول الهجمات
الإرهابية، ويرحل آخرون ليتكدسوا في
ضواحي المدن الكبرى.
أما
على الصعيد السياسي والإعلامي، فتمر
الجزائر بزوبعة عنيفة من التصريحات
والمقالات النارية في مواجهة قانون
الوئام المدني، وفي وجه الرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بوجه
التحديد. فبعد أكثر من عام ونصف
العام من التأييد الواسع للقانون
الذي مثل أملاً عريضا للجزائريين،
وبعد العجز الظاهر عن مواجهة
القانون من قبل معارضيه الذين فضّل
أغلبهم الصمت في انتظار الوقت
المناسب، أطلت أحزاب وجمعيات
ونقابات برؤوسها لتعلن مواقف قاطعة
وحادة في معارضة قانون الوئام
المدني، وسياسة الرئيس بوتفليقة في
معالجة الأزمة السياسية والأمنية
التي تتخبط فيها الجزائر.
حملة
إعلامية على الوئام والرئيس
وفي
ما يشبه الجوقة التي تعزف نفس
النغمة، خرجت معظم الصحف الجزائرية
بعناوين متشابهة إلى حد التطابق
أحيانًا على صدر صفحاتها الأولى،
تسأل بلهجة غير مألوفة "أين
الدولة؟"، وتهاجم الرئيس
بوتفليقة، وتعلن بشكل صريح وواضح
ومن دون لمسات مجاملة عن "موت
الوئام المدني" و"فشله الذريع"
أو "نهاية سياسة الوئام المدني".
ووصل
الأمر بالبعض إلى تحميل الرئيس
بوتفليقة مسؤولية جرائم الإرهاب،
واعتبار ذلك نتيجة اتفاق ضمني بين
الرئيس والجماعات المسلحة لتوفير
الأجواء المناسبة لإطلاق سراح
قياديين في الجبهة الإسلامية
للإنقاذ.
ولم
تتأخر الأحزاب والجمعيات والنقابات
الجزائرية المعارضة لقانون الوئام
المدني عن التذكير بوجودها ومواقفها.
وخرج حزب التجمع من أجل الثقافة
والديمقراطية البربري المتطرف الذي
يقوده سعيد سعدي، وحزب التجمع
الجمهوري الذي يقوده رئيس الحكومة
الجزائرية الأسبق رضا مالك؛ ليعلنا
أن نتيجة الوئام المدني كانت كارثية
على البلاد، وذلك بالرغم من أن
الحزبين قد أيدا في السابق مساعي
الرئيس بوتفليقة، ووقفا إلى جانب
قانون الوئام المدني، وشاركا في
الائتلاف الحكومي الذي شكّله الرئيس
بوتفليقة قبل نحو سنة. ويشن الحزبان
اليوم أعنف حملة على الجماعات
المسلحة، وعلى الرئيس بوتفليقة نفسه
أيضًا.
بوتفليقة
هل تحالف مع الإرهاب؟
وقد
وصل الأمر بالهاشمي الشريف الأمين
العام للحركة الاجتماعية
الديمقراطية "الحزب الشيوعي
سابقًا"، وهو أحد أبرز معارضي
قانون الوئام المدني منذ إعلانه قبل
عام ونصف، لاتهام الرئيس بوتفليقة
بالمسؤولية عن أعمال العنف، التي
ضربت الجزائر في الفترة الأخيرة.
وقال
الشريف في تجمعات شعبية في كل من مدن
وهران ومستغانم وعين تموشنت: "إن
المجازر الأخيرة هي نتيجة اتفاق
ضمني بين الرئيس والجماعات المسلحة؛
لفك الحصار عن بوتفليقة، وتمكينه من
إطلاق سراح علي بلحاج "نائب رئيس
الجبهة الإسلامية للإنقاذ"،
وإعادة الاعتبار "للفيس" في
إشارة لجبهة الإنقاذ.
وخرج
التجمع الوطني الديمقراطي -أكبر حزب
ممثل في البرلمان الجزائري بغرفتيه-
ليعلن أنه لم يعد يعترف بقانون
الوئام المدني منذ نهاية مهلته
المحددة بتاريخ يوم 13 يناير من العام
الماضي، وذلك بالرغم من أن التجمع هو
في العادة الحزب المدافع عن السلطة
الجزائرية بامتياز، وأحد خزانتها
التقليدية التي تلجأ إليها في وقت
الشدائد.
وأما
الاتحاد العام للعمال الجزائريين -وهو
أحد القوى الاجتماعية المؤثرة بشدة
في الساحة الجزائرية- فخرج قبل أيام
في أجواء العودة القوية لأعمال
العنف، ليعلن أنه تخلى بشكل تام عن
تأييده للرئيس عبد العزيز بوتفليقة،
وليؤكد أن تأييده لمسعى الرئيس لا
يعني تأييده لسياسته التي قادت
البلاد من جديد للهاوية، وأعادت
إليها الإرهاب بعد تخليص المؤسسة
العسكرية للجزائر منه. وتشن جماعات
الدفاع عن ضحايا الإرهاب حملات
محمومة ومنسقة في الهجوم على الرئيس
بوتفليقة وعلى قانون الوئام المدني،
وتتهمه بتدمير البلاد وتهييئها
لعودة الأصولية والظلامية.
بصمات
الجيش ورحيل بوتفليقة
ويرى
محللون أن حدة الهجمات على الرئيس
بوتفليقة والمطالبة الصريحة
والواضحة برحيله عن السلطة من قبل
أحزاب وجمعيات دعمته في حملته
الانتخابية قبل نحو عام ونصف العام،
تعني أن أيام الرئيس بوتفليقة في
السلطة أضحت قصيرة أكثر مما يتصور
الكثيرون.
ويذكّر
هؤلاء المحللون بحملات إعلامية
شعواء على الرئيس السابق اليمين
زروال ومستشاره وعضده الأيمن
الجنرال محمد بتشين في صائفة عام 1998،
وهي الحملة التي انتهت باستقالة كل
من بتشين والرئيس زروال.
ويستبعد
هؤلاء المحللون أن تكون الحملة على
الرئيس بوتفليقة بريئة أو من بنات
أفكار تلك الأحزاب والجمعيات
والنقابات والصحف الجزائرية.
ويقولون: إنهم يجدون بصمات المؤسسة
العسكرية خلف تلك الحملة المتقنة
والمنسقة ضد الرئيس وضد قانون
الوئام المدني.
ويرى
هؤلاء المحللون أن قادة المؤسسة
العسكرية قد وجدوا في عمليات
الإرهاب التي عادت بقوة للجزائر
الفرصة المناسبة ليكيلوا لبوتفليقة
الصاع صاعين، وهو الذي شنف آذان
الجزائريين طيلة فترة حكمه بالهجوم
الكاسح على قادة تلك المؤسسة،
ووصفهم بأشنع الأوصاف من "المافيا
المالية والسياسية" إلى "المسؤولين
عن دمار البلاد" إلى "الإرهابيين
الحقيقيين الذين يجدهم الإنسان حيث
لا يتوقع وجودهم".
ويرى
هؤلاء المحللون أيضًا أن مرحلة
التفاهم و"الصبر المتبادل" بين
الجنرالات والرئيس بوتفليقة قد
انتهت، وأن لعبة عض الأصابع قد بدأت
تظهر بشكل مكشوف، وأن بوتفليقة
سيكون الضحية القادم ليلتحق بمن
سبقه من رؤساء ومسؤولين؛ فقد عرفت
الجزائر في ثمانية أعوام فقط خمسة
رؤساء دولة وثماني رؤساء حكومة.
وربما يرى قادة المؤسسة العسكرية أن
أوان الرئيس السادس قد جاء لتتميز
الجزائر بتداول غير مسبوق على
السلطة، ولكنه تداول يتم بإرادة
قادة الجيش.
|