|

مسلمو بلجيكا قطعوا ربع قرن للتمتع بالحرية الدينية
فيينا-
قدس برس- إسلام أون لاين/6-12-2000
بالرغم
من أن الدستور البلجيكي قد كفل
الحرية الدينية للمواطنين في
الدولة، كما أن الدولة تلتزم بتغطية
رواتب القائمين على الشؤون الدينية،
استناداً إلى المباحثات التي جرت
عام 1830 بين الكاثوليك والليبراليين..
إلا أن الاعتراف المبدئي بالدين
الإسلامي في بلجيكا جاء بعد
الاعتراف بالأديان الأخرى بنحو قرن
كامل؛ وذلك على إثر ازدياد الوجود
الإسلامي في هذه البلاد بفعل
الهجرة، إذ يبلغ عدد المسلمين
حالياً أكثر من ثلث مليون شخص،
معظمهم من المغاربة والأتراك.
فبينما
تم الاعتراف بالكاثوليكية
والبروتستانتية منذ عام 1789،
والاعتراف بالديانة اليهودية عام 1808،
والكنيسة الإنجيلية عام 1875.. تم
الاعتراف المبدئي بالدين الإسلامي
عام 1974، ثم الكنيسة الأرثوذكسية عام
1985.
أما
فحوى القانون المتعلق بالمسلمين
فتتمثل في الاعتراف بالإدارات التي
تتولى رعاية الشؤون الدينية لمعتنقي
الدين الإسلامي، وما يترتب على
الدولة من التزامات نحوها جراء ذلك.
ورغم
الطابع العلماني لبلجيكا، فإنّ مبدأ
إنفاق الدولة على الشؤون الدينية
ومنحها امتيازات للإدارات التي ترعى
المجموعات الدينية، يعني بشكل قاطع
أنّ الأمر يتعلق بعلمانية قاصرة
ومحدودة النطاق. وتترك هذه الحقيقة
انعكاساتها على مؤسسات القضاء التي
عليها أن تراعي مبادئ الحرية
الدينية والحق في الممارسة الحرة
للدين دون إخلال بالقانون، دون أن
يعني ذلك إلغاء شاملاً للصفة
العلمانية العامة للدولة.
وسبق
أن تدخلت السلطات البلجيكية لنقض
قرارات مؤسسات مدنية، بعد أن تبين
أنها تتعارض مع سلطة المؤسسات
الدينية المنصوص عليها دستورياً،
ففي أواخر عام 1985 نقض المجلس الحكومي
قراراً أصدرته وزارة التربية، طردت
بموجبه معلمة دين كاثوليكي من
الخدمة في المدارس العامة
الابتدائية، بناء على نفس الخلفية.
وفي المقابل فقد ألغت محكمة
الاستئناف قراراً دينياً يعاقب
موظفاً في إحدى الهيئات الكنسية دون
أن يمنحه حق الاعتراض.
وجاء
قرار المحكمة استناداً إلى المادة
السادسة من الفقرة الأولى من
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان
والحريات الأساسية، التي تكفل حق
العامة في الاعتراض على القرارات
التي تمسها.
قرار
ملكي بالاعتراف بهم
وكان
الثالث من مايو 1978 قد شهد صدور قرار
ملكي يتعلق بتنظيم اللجان المكلفة
بإدارة الجماعة الدينية الإسلامية
في بلجيكا. وجاء القرار في شقِّه
الأول ليتطرق إلى اللجان المكلفة
بالشؤون الإدارية للمسلمين، وتناول
الشق الثاني مسألة الموازنة المالية
لهذه اللجان.
وينص
القرار على أنّ "الاعتراف بجماعة
ما من المسلمين يمثل إذناً لها بأن
تشكل لجنة مكلفة بتسيير مصالحها
المادية في المجال الديني، وكذلك في
تمثيلها في علاقاتها مع السلطة
المدنية".
ويُشار
إلى أنّ الخصوصية التي تمتاز بها
الديانة الإسلامية عن الطوائف
المسيحية، والمتمثلة بعدم وجود سلطة
تمارس التمثيل الديني الكامل، قد
أوجدت إرباكاً نسبياً في عدد من
الدول الأوروبية التي تعاملت مع ملف
الاعتراف بالإسلام؛ فالقوانين
المصممة في الأصل لكي تتعامل مع
النموذج الكنسي الذي يقتضي ضماناً
لحقوق وامتيازات "الهياكل
المادية التمثيلية" للسلطات
الكنسية من جانب، والحقوق العبادية
والتطبيقية الروحانية من جانب آخر..
يصعب إسقاطها بالكامل على الحالة
الإسلامية التي لا تتعامل مع "هياكل
وسلطات" في الأصل؛ وقد أدى ذلك إلى
ربط الاعتراف بالدين الإسلامي بشكل
عام باستحداث مؤسسات تمثل مجموع
المسلمين في القطر الأوروبي المعنيّ
تتمتع بالاستقلالية الداخلية.
ورغم
المزايا التي يجنيها المسلمون جراء
هذا التشكيل الإداري، فإنّ التعثر
في استكمال هذه الخطوة التمثيلية
لأسباب موضوعية يبدو كفيلاً بقطع
الطريق على حصول المسلمين في بعض
المجتمعات الأوروبية على حقوقهم
الكاملة، التي تكفلها بعض الدساتير
بصفة مبدئية.
وفي
تطور إضافي.. أوصى قرار ملكي بلجيكي
صادر في 16 نوفمبر 1990 بتشكيل "مجلس
حكماء لتنظيم العبادة الإسلامية في
بلجيكا"، تكون له صفة مؤقتة. وقد
جاء قرار وزارة العدل الصادر في
الثالث من يوليو1996 ليلغي ذلك المجلس
ويقضي بالاعتراف بـ"هيئة تنفيذية
للمسلمين في بلجيكا"، تتولى البت
في مسألة تمثيل المسلمين في البلاد.
ومع
مطلع عام 1998 أكدت وزارة العدل في
قرارها الملكي أنّ "الهيئة
التنفيذية تتولى كافة الاحتياجات
اللازمة لترتيب الانتخابات في
التجمعات الإسلامية في بلجيكا، من
أجل اقتراح هيئة تمثيلية للعبادة
الإسلامية"، كما في القرار الصادر
آنذاك، والذي كان بمثابة منعطف
إيجابي هو الأبرز من نوعه على طريق
الاعتراف الكامل بالوجود الإسلامي
في البلاد.
وفي
الثالث عشر من ديسمبر 1998 كان
المسلمون في بلجيكا يدشنون عهداً
جديداً في تاريخهم، عندما انتخبوا
للمرة الأولى هيئة ممثلة لهم، بعد أن
استكمل المكتب التنفيذي المؤقت
للمجلس الإسلامي الأعلى الترتيبات
اللازمة لذلك، ووجه ملك بلجيكا
دعوته للمسلمين للمشاركة في
الاقتراع المباشر لاختيار ممثليهم.
التصويت
في الانتخابات
وبعد
ربع قرن من انطلاق قطار الاعتراف
بدينهم، قام المسلمون في بلجيكا
بالإدلاء بأصواتهم من خلال مائة
وثلاثين مركزاً للاقتراع، أقيمت
معظمها داخل المساجد المنتشرة في
عموم البلاد. ومع اختيار أعضاء
الجمعية العمومية التي تدوم دورتها
لمدة عشر سنوات، تم اجتياز الخطوة
الأهم المفضية إلى الانتخاب الداخلي
لأعضاء "الهيئة التنفيذية لمسلمي
بلجيكا" من بين أعضاء الجمعية
العمومية، وذلك لمدة خمس سنوات.
أما
أبرز مكاسب الأقلية الإسلامية في
بلجيكا فتتمثل في إسباغ صفة
الاعتراف الشامل على تدريس الدين
الإسلامي في المدارس العامة
البلجيكية، وما ينضوي تحت ذلك من
شؤون المناهج والمعلمين والتنظيم
الإداري. وتسوية الأوضاع القانونية
للأئمة في المساجد، إلى جانب منح
امتيازات اجتماعية للمسلمين في
مؤسسات الرعاية الصحية والسجون
والجيش، بالإضافة إلى التعبير
المباشر عن تطلعات الأقلية المسلمة
ومواقفها إزاء قضايا الساعة، مقابل
السلطات ووسائل الإعلام ومؤسسات
المجتمع المدني.
جدير
بالذكر أن القانون البلجيكي يعترف
بستة مجموعات دينية، هي: الكنائس
الكاثوليكية، والبروتستانتية،
والإنجيلية، والأرثوذكسية،
بالإضافة إلى الإسلام، واليهودية.
|