|

بخارى.. الفقيه يخلع السلطان
خاص-وكالة جيهان-إسلام أون لاين/ 4-12-2000
"يرفع
الله الذين أمنوا منكم والذين أُتوا
العلم درجات" آية ذكرت في القرآن
الكريم، تجدها حقيقة ناصعة في
التاريخ الإسلامي، فصاحب العلم أو
الفقيه كان هو أهم شخص في المدن
الإسلامية.. أهم من السلطان ذاته.
وتاريخ
بلاد ما وراء النهرين في آسيا الوسطى
حافل بهذه الحقيقة وبحقائق أخرى؛
فقد خرج من تلك البلاد أهم علماء
المسلمين قاطبة وهو الإمام البخاري.
يقول
رحالة إنجليزي يدعى "أنتوني
جنكنسون" تجول في آسيا الوسطى
ممثلا لشركة تجارية روسية عام 1558: إن
بلاد ما وراء النهر في تلك الفترة
كانت تحت حكم الشعبانيين أحد أفرع
أحفاد جنكيزخان الذين اتَّخذوا من
بخارى عاصمة لهم.
ويصف
جنكنسون حال العلماء "شيوخ
الإسلام" في بخارى بأنهم كانوا
أقوى فئة في المدينة وكانوا يتلقون
احتراما من الناس أكثر من الخان (الملك)
نفسه، حيث يملكون صلاحية خلعه!.
كما
لا يخفي جنكنسون حيرته من اتساع رقعة
المدينة، ويبدي إعجابه الشديد بصورة
خاصة بجمال وعظمة الحمامات والمساجد.
ويذكّر
جنكنسون الناس بأن الرعية هناك
ولعون بأمرين هما: الدين والتجارة.
كما يبدي هذا السائح إعجابه بالموقف
الصارم تجاه السارقين والمجرمين.
ويروي قصة نهبه على طريق بخارى من
قبل قطاع الطرق، وكيف أن الملك ما
لبث أن قبض عليهم جميعا وأعدمهم وعلق
جثثهم على باب القصر كي يكونوا عبرة
لغيرهم (جزاء الفساد في الأرض). كما
يتحدث الرحالة عن النشاط التجاري
الكبير لدى مختلف الفئات في بخارى.
بخارى
وحكم الإستراخانيين
أما
عن أوضاع هذه البلاد في القرن السابع
عشر فقد كانت في تلك الفترة تحكم من
قِبل الإستراخانيين الذين أعلنوا عن
انتسابهم إلى جنكيز خان، واتخذوا من
بخارى عاصمة لهم، كي يجعلوا سيادتهم
عليها مشروعة.
ومن
أهم المعلومات حول هذه المنطقة في
تلك الفترة ما قدمه المستشرق "فلوريو
بينيفيني" الذي أرسله القيصر بطرس
الأكبر إلى "أبي الفيض خان"
الحاكم الإستراخاني في بخارى
لإتقانه اللغتين التركية
والفارسية، وعندما ضاع الكتاب الذي
يأمره بالعودة اضطر للبقاء في خانية
بخارى مدة أربع سنوات.
وذكر
في رسائله إلى القيصر الروسي
معلومات مفصلة عن الوضع الاقتصادي
والتجاري والقوة العسكرية
والعلاقات السياسية داخليا
وخارجيا، بالإضافة إلى إنتاج الذهب
والتشريفات الدبلوماسية في إمارة
إستراخان.
أما
رأيه في الحاكم الإستراخاني فلم يكن
إيجابيًا أبدًا؛ فقد أودع شؤون
إدارة البلاد كلها إلى أيدي أمراء
يتناحرون فيما بينهم، وأسلم نفسه
إلى حالة من الدعة والرخاء والسفه
واللهو والشراب. ولم يكن وضع الجيش
جيدا. أما الحياة التجارية فمتطورة..
لكن هذا المستشرق لم يتحدث عن القيم
الثقافية والحياة الدينية هناك.
وبعد
عشرات السنين من "بينيفيني"
وبالتحديد في عام 1774 وقع الضابط
الروسي "فيليب يفريموف" في أسر
قُطّاع الطرق من القازاق فباعوه
رقيقًا في سوق بخارى.
وانتقل
حكم البلاد اعتبارا من أواسط القرن
الثامن عشر إلى يد "المانغيت"
الذين ينحدرون من أصل تركي، ولكنهم
ليسوا من نسل جنكيزخان، حيث أبقوا
بخارى عاصمة لهم. وكان هذا الضابط
الروسي الرقيق من نصيب حاكم البلاد
"دانيال بك أتاليق".
يقول
يفريموف في مذكراته: إن أتاليق كان
يصطحبه في كثير من الحروب. ومع أن
مذكرات هذا الروسي ليست كثيرة لكنها
تصور مختلف جوانب الحياة في تلك
الفترة. وتطلعنا هذه المذكرات على
الزي الذي يرتديه الناس وأعراف
الناس وعاداتهم في المأكل والمشرب،
بالإضافة إلى طبائعهم الأخرى.
أما
البارون "فون ميندورف" الضابط
الذي أرسلته رئاسة الأركان العامة
الروسية إلى بخارى عام 1820 فيصف شعب
بخارى بأنه لا يهتم بغير الدين
والتجارة.
ووقعت
بخارى اعتباراً من عام 1868 في قبضة
الروس الذين عاملوها كمحمية روسية.
وبقيت بخارى تحت الحكم الرمزي
لأمراء المانغيت حتى عام 1920 وتحولت
في تلك السنة إلى "جمهورية بخارى
الشعبية" وزالت بعدها الإمارة من
الوجود.
سمرقند..
دمّرها جنكيز وعَمّرها تيمورلنك
ويصور
الرحالة الأفريقي المسلم "ابن
بطوطة" سمرقند وبخارى في القرن
الرابع عشر الميلادي بأنهما في حالة
خراب؛ حيث يقول: إن جنكيزخان دمرهما
في الفترة بين 1210 و1221.
والمصادر
التاريخية التي كتبت في هذه الفترة
تؤكد على أن الوديان الكائنة في ما
وراء النهر نُهبت على الدوام وخربت
من قبل أحفاد جنكيزخان، وخاصة
الجاغاتاي والإيلخانيين في القرن
الثالث عشر بكامله.
غير
أن الرحالة الأسباني "روي
جونزاليس دو كلافيو" الذي أرسله
هنري الثالث ملك قشتالة عام 1404 إلى
تيمورلنك ملك سمرقند آنذاك لعقد
تحالف معه ضد العثمانيين، يقول: إن
الخراب الذي خلّفه جنكيزخان تحول
إلى عمار وبنايات فارهة على يد
تيمورلنك الذي جعلها عاصمة له،
تملؤها الحدائق الجميلة الرائعة
والقصور الفخمة.
ويصور
دو كلافيو مقر تيمور والتشريفات من
حوله ويصفها بالعظيمة الرائعة.
ويضيف أن تيمور قد استقدم من البلدان
التي احتلها آلاف الفنانين وأصحاب
المهن لإعمار سمرقند، لكنه لا يكاد
يتطرق إلى سكان المدينة وطراز
الحياة فيها.
ومعروف
أن سمرقند وقعت -مثلها مثل بخارى -
اعتباراً من عام 1868 في قبضة الروس
التي ضموها عنوة إلى بلادهم.
|