عندما
دخلت علمت كما يعلم كل الحاضرين أنه يحتضر كان
يجتاز تلك البوابة بين الدنيا والآخرة بين
الفناء والخلود ولكن أول ما دار ببالي هل
يتألم لا أعرف ولن أعرف إلا أن أجرب بنفسي.
ماذا
يرى؟
كم
حزنت عندما رأيته... لكن لمَ حزنت؟
هل
حزنت لأنه واجبي أن أحزن!.. لا أعرف هل حزنت
لفراقه لا أعرف، لكني فعلا حزنت أما التفكير
في الكيفيات فلأتركه الآن إنه يهذي...
ماذا
يقول من يكلم (سؤال) آخر بلا إجابة وإن أجاب هو
بعد ذلك إذا لم يكن يعبر تلك البوابة
أيهما
أجمل دنياه أم آخرته؟
لو
أمسكنا بالمعنى الحرفي لما عرفنا فالدنيا أي
القليلة الصغيرة لا تساوي (شيء) حرفيا والآخرة
هي آخر كل شيء انتظر إنه يعبر يا ترى ماذا يرى
لا ولن أعرف حتى أجرب ما هذا الشعور بالانقباض؟
هل حين أجرب ستعجبني التجربة أم سأتمنى
العودة إلى تلك التي لا تساوي (شيء)؟ مهلا
بالله عليك لا تصرخ هكذا بالله لا تصرخ أنت
تمزق نياط قلبي هل يتألم فعلا أم أنه لا يعي ما
يفعل رأيت الكثيرين يعبرون دون صراخ وسمعت عن
(كثيرون) عبروها أثناء النوم.
هل
يفتعل؟... إن كان يعبر فهو لا يفتعل (شيء) قرأت
في أحد كتب الطب أن نصف صراخ المريض يكون
مفتعلا ولكنه مسافر الآن وليس مريض قد يكون
هناك بوابات عدة حتى إني أكاد أجزم أن لكل
مخلوق بوابته الخاصة حتى...
بالله
لا تصرخ تبا لي عقل لا يكف عن التفكير حتى في
أشد لحظات الحزن عيناي تنهمر دمعا ليتني
مكانك ماذا ترى أخبرني هل قال ما سمعت؟
إنه
يقول خذ بيدي أهي حقيقة تبا أريد أن أفهم لقد
كففت عن اللعن منذ زمن بعيد من هذا الذي
يستنجد به أهو أحد العابرين القدامى الذين
سبقوه أهو شيطانه في تلك المسماة دنيا أم هو
عمله ما شكله ما مدى قوته؟
ماذا
يرى؟ ماذا يسمع؟ لو أننا على انفراد لأمسكت
بتلابيبه حتى يخبرني ماذا يرى إنه ينظر في
اتجاهات شتى إذا هناك ما يراه غير ما نراه
لماذا أبكي إنه ينهي رحلته من دار إلى دار
فلماذا أبكي؟
نعم
كنت أحبه ولكني أعلم أنه مصير كل كائن حي في
الدنيا ومصيري أنا شخصيا حين يحين أجلي...
أم
أنه الجو العام من البكاء هناك من يبكون على
انفراد إنها هيبة الموت قد حلت أم أنه من
واجبنا أن نبكى (أي) ما يكون أنا أعلم أن
البكاء شيء والحزن شيء آخر فالطفل عندما يبكي
ليس لأنه حزين ليس كل (باكي) حزين وليس كل حزين
يبكي ولكني لا أملك الكف عن البكاء وهو يتساقط
كالندى قطرات قليلة لكنها تخفي وراءها (سيل)
لا أريده أن ينهمر إنه ينادي باسمي إذا هو لا
يعبر هو ميزني حمدا لله.
كم
أحتاج إليه إلى جانبي ها أنا ذا يا صديق العمر
إنه ينظر في الأشياء إنه يقول شيء قربت أذني
لأسمع.
-
ترى ............ يا صاحبي.......... لم أميز إلا هاتين
الكلمتين
-
ماذا تقول أيها العزيز
-أريدك
جانبي
-هتفت
إلى أين أنت ذاهب
صمت
طويل
-
خذني معك ولن أسأل إلى أين
-
أريدك جانبي
-
يا صاحب العمر خذ معك ما يقلل عنك مشقة السفر
وطول الطريق
إنه
يهذي ولا ألتقط كلامه
ثم
الصمت لم أعد أسمع إلا بكاء من حولي
لقد
عبر
ماذا
يرى الآن
لقد
عبر
ماذا
يفعل
لقد
عبر هل ترك آلامه مع جسده
لقد
عبر
لن
أعرف حتى أعبر البوابة
منذ
فجر الحياة ومنذ أعمل الإنسان عقله وتفكر
فيما حوله، وحكمة الخلق تؤرقه وتشغل فكره،
ومن هنا تأتي أهمية الأعمال التي تدور حول
الإنسان وحياته ورحلته، وأيضا نتاج هذه
الرحلة. ولهذا أجدني متحمسا لفكرة نص "البوابة"
للكاتب "أحمد الجبيلي"؛ فلقد تخير
الكاتب أن يرصد اللحظات الأخيرة لشخص يحتضر،
ويجتهد في تخيل وتأويل الكثير من الأشياء،
ولو أن الكاتب تخلى قليلا عن حضوره داخل العمل
وترك لبطل النص الفرصة كي يعبر عما يجول
بخاطره في تلك اللحظات الفارقة التي يعبر
فيها بوابة تفصل ما بين حياة دنيا تحمل ما
يحمله من آلام وأفراح ووجوه وشخصيات ومواقف،
وبين عالم آخر يستقبل الروح بعد أن تتحلل من
أسلاب الجسد الفاني.. لو أن الكاتب فعل هذا
لكُنا فُزنا بنص آخر لكن ولا شك سيحتل مكانا
مهما يليق بأهمية الفكرة.
وكما
أن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع أعمالا
كبيرة؛ ففكرة هذا العمل لم تغفر للكاتب عدم
توفيقه في نسج تفاصيل نص "البوابة"؛ فلقد
استخدم لغة مرتبكة بِنائيا ودلالِيا، فنجده
يقول مثلا: ".. لو أمسكنا بالمعنى الحرفي لما
عرفنا، فالدنيا أي القليلة الصغيرة لا تُساوي
شيئا... إلخ".
كما
أنه أدار حوارا مُتخَيلا لم يكن ناجحا،
وأحالنا إلى نص إنشائي يعتمد على تجاور الجمل
فقط، كما أن تجاهل الكاتب لاستخدام علامات
الترقيم أربك تلقي النص، فنجده يقول: "..ماذا
يقول من يكلم سؤال آخر بلا إجابة... إلخ".
والحق
أن هذا العمل يحتوي على فكرة جيدة، وبإمكان
الكاتب أن يصنع حبكة جيدة أيضا، لكن عليه أن
يتروى قليلا وأن يركز على التفاصيل الصغيرة
التي تعضد نصه، وأن يبحث عن لحظات قصصية تعينه
في بناء عمله، وعليه أيضا أن يتجول في بستان
القصة القصيرة ويتعرف على ثمارها الغزيرة حتى
يقف على منجزاتها عبر السنين؛ لأن ذلك سيجعله
يتخير طريق الكتابة الملائم لأفكاره ورؤاه،
ولن يتأتى له هذا إلا بالقراءة المتنوعة
والمكثفة، لا سيما ووسائل المعرفة تزداد
وتتسع حتى أصبحت في متناول الجميع في كل مكان،
وتحت أية ظروف.