بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أرسل إبداعك      -       دليل المواقع الثقافية

قصة قصيرة 

شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي| جرافيك |كاريكاتير

حــامـد

26/01/2006

محمد العجلة – 40 عامًا - فلسطين

مالت أم محمد على زميلتها ندى – مبتسمة وهي ترتب الملفات المتراكمة على مكتبها- وقالت:

-مضت ساعة على دوامنا في الشركة دون أن نمزح مع حامد. أين هو؟

-أكيد في غرفة المدير، يلمعها

-تقصدين أن العيد اقترب ويطمع في عيدية منه

-مسكين، كل عيد ينتظر منه عيدية أو هدية دون جدوى

-يجب أن يتصرف هكذا.. وراءه أم وزوجة وثلاثة أطفال، وراتبه بالكاد يكفي

-سأنادي عليه ليصنع لنا كأساً من الشاي أفضل لنا وله

-صحيح

أتى فور سماعه النداء، وقال لها

-تفضلي يا ستي.

-ما لك يا حامد مشغول لهذه الدرجة؟

-بعد قليل سيأتي المدير، وكما تعرفون لا يحب أن يراني بدون عمل

-نريد أن نشرب شاياً

-حاضر

صنع الشاي على عجل وجاء به. قالت له ندى: "هل أزف لك بشرى يا حامد؟ المدير اتصل وقال إنه لن يحضر اليوم إلى الشركة، سيسافر إلى تل أبيب لمقابلة تجار إسرائيليين وقد يمكث هناك يومين ثم يعود إلى غزة".. بانت على محيّاه ابتسامة خفيفة وجلس على مقعد مجاور لهما. قالت له ندى:

-ألا تريد يا حامد أن تعود للدراسة في الجامعة؟

-هذا الموضوع انتهى يا ندى، فلديّ أسرة كبيرة وأنا مضطر للعمل ليل نهار لإعالتهم

-والله خسارة يا حامد على مستقبلك وكنت أيام المدرسة من الأوائل. هل ستبقى تعمل في خدمة أمثال هذا المدير وغيره

-المهم عندي الآن أسرتي. وإنشاء الله سأعلم أبنائي وأجعلهم يحققون ما كنت أتمناه لنفسي. ولا تنس أنني اضطررت لترك الجامعة وأنا في السنة الأولى فقط وإكمال الدراسة يحتاج إلى وقت طويل ومال.

***

بعد انتهاء دوامه في الشركة الساعة الثالثة بعد الظهر يوميًّا يتوجه حامد إلى عمله الآخر يمضي فيه ما يقرب من ساعتين قبل أن يعود إلى بيته.. ثلاثة منازل جميلة متباعدة عن بعضها يقوم حامد بتنظيفها وتشذيب حدائقها وأي أعمال أخرى تطلب منه، لكل منزل يومان في الأسبوع، ولا يشعر بالراحة إلا في بيت "أبو أحمد".

أم أحمد تعامله كأحد أبنائها وتصر دائماً على أن يبدأ عمله عندهم بتناول طعام الغداء، وأحفادها لا يتركونه وحده –طيلة ساعات عمله-من حبهم فيه.

***

مع رحيل ضوء النهار، وفي طريق عودته إلى البيت يمر بأناس كثيرين يعرفونه ويعرف بعضهم، يحيونه ويمازحونه. ينادي عليه أبو سمير بائع الفلافل:

-تعالى يا حامد، قل لنا ما هي أخبارك

-الحمد لله يا عمي أبو "سمير" بخير

-اجلس يا حامد لأعد لك ساندويتش من الفلافل

-لا لا، شكراً، شبعان والله، أنا مستعجل، مشتاق لأولادي، لم أرهم منذ عدة أيام إلا وهم نائمون.

تدخل في الحديث الحاج أبو سهيل

-اجلس معنا قليلاً يا حامد.. والله اشتقنا لك

-وأنا مشتاق لكم لكنني تأخرت وتعبان

-يا رجل اجلس، نريد أن نسمع منك أخبار البلد قبل أن نقوم للصلاة

يجلس معهم، ويطلب أبو سمير من الأجير أن يصنع شاياً للجميع، ثم يبدءون في استنزاف حامد، قصة وراء قصة، يتضاحكون ويعلقون على ما يسمعونه، يتسلون، إلى أن يتمكن حامد -وبعد إلحاح شديد- من الانصراف.

***

يفتح باب بيته وفي نفسه أمنية: أن يستقبله أطفاله متهللين بقدومه، واحد يتشعبطه وآخر ينطنط من الفرحة وثالث يفتح الكيس الذي يحمله وهكذا.. لكن البيت هادئ، إنهم نائمون. زوجته منهمكة في أعمال البيت وأمه مشغولة في صلاتها وتسبيحها وتنتظر عودته للاطمئنان عليه، تدعو له ليل نهار "حبيبي يا حامد منذ طفولتك والشقاء يحيط بك، حينما طلقني والدك كنت في السادسة من عمرك، وحينما وجدوه مقتولاً في ظروف لا نعلم عنها شيئاً حتى الآن كنت لا تزال في الثامنة، وأنا كابدت الأمرين من أجل تعويضك بالحنان والرعاية عن اليتم وكلام الناس عن والدك، وها أنت تجاوزت الثلاثين وأنت من تعب لتعب أكثر، الله يحميك يا ابني". يجلس حامد منهكاً عند والدته وتنضم زوجته إليهما، يتحدثون عن الأولاد ومتطلبات الحياة وصعوبة الحصول على لقمة العيش، يتناولون العشاء ويستسلم حامد لنوم عميق.

***

ذات يوم قالت ندى لزميلتها أم محمد –وكان حامد ساعتها عند المدير في غرفته-

-هناك موضوع أقلقني منذ عدة أيام

-خير إن شاء الله. ما هو؟

-يتعلق بحامد

-قولي ماذا هنالك

-قال لي إن الكابتن دان ضابط المخابرات الإسرائيلي المسئول عن منطقتهم استدعاه لمكتبه في الشهر الأخير عدة مرات، وطلب منه أن يتعاون معهم قائلاً له إنه محبوب من الناس ولا يمكن أن يشك فيه أحد وبإمكانه الحصول على المعلومات بسهولة لكثرة معارفه.

-وما الجديد في ذلك. المخابرات الإسرائيلية لا تترك أحداً من الشعب إلا وتستدعيه وتعرض عليه التعاون معهم منذ أن احتلوا بلادنا قبل خمسة عشر عاماً

-لكن حامد بات قلقاً

-لماذا القلق، ماذا يفعل حتى يقلق؟

-وهل يخفى عليك أساليب المخابرات خاصة لشخص يعيل أسرة كبيرة؟

-أنا سأتحدث معه في هذا الموضوع

-ماذا ستقولين له؟

-ربما يريدون أن يلعبوا في أعصابه على وتر موضوع أبيه، مستغلين في ذلك ذاكرة الناس التي ما فتئت تتذكر الأحداث السيئة

قطع خروج المدير كلامهما. انتظرت أم محمد مغادرته للشركة فنادت على حامد.

***

في محل الفلافل، يقف أبو سمير يصدر الأوامر لأجيره ويتفحص زبائنه ويرد التحيات عليهم. وجهه غير باسم هذه المرة، وكأن باله مشغول. نظر إلى الحاج أبو سهيل واقترب منه وهمس في أذنه:

-هذا المسكين فضح نفسه وهو يتحدث لكل من هب ودب عن قصته مع المخابرات

-تقصد حامد؟

-طبعاً؟ ومن غيره

-موضوعه يا أبا سمير أصبح غير مريح

-لماذا؟

-دائماً خائف وقلق، وكما ترى بات يتجنب المرور من أمام محلك ومن أمام الناس الذين يعرفهم

-لا تنس أن المخابرات هددته في آخر مرة بقطع رزقه وأوهموه بأن الشعب يقول عنه أنه متعاون معهم خاصة بعد أن حبسوه يومين ثم أخرجوه من السجن بهذه السرعة للتشكيك فيه

-والله أنا خائف أن يكونوا ضحكوا عليه

-لا لا.. لا يمكن يا حاج، حامد رغم ظروفه أصيل لأنه تربية والدته وأنت تعرف من والدته.

***

مدير الشركة يفكر في آخر لقاء له مع الكابتن دان، أخذ يستعيد أقواله الأخيرة "اسمع يا حضرة المدير، إذا لم تطرد حامد فعلى شركتك السلام، وأنت أكثر شخص يعرف ماذا أعني بأقوالي".. دخل حامد وهو يحمل له فنجان قهوة، فبادره المدير بسؤاله:

-سمعت أنك تعمل عملاً آخر بعد انتهاء دوامك في الشركة.

-صحيح. كنت أذهب للعمل في ثلاثة بيوت والآن لم يتبق إلا بيت أبو أحمد، أذهب إليه مرتين في الأسبوع، وأحاول أن أجد بيوتاً أخرى لأن الوضع صعب ومصاريف البيت كثيرة وحتى الآن لم أستطع تلبية متطلبات المدارس لأولادي

-كفى كفى يا حامد، أنا سألتك سؤالاً صغيراً. لا أريد أن أسمع قصص. فقط أريد أن أقول لك اعمل حسابك على أن يكون يوم غد آخر يوم لك هنا، لأن الوضع في الشركة تعبان.

***

اقتربت منه والدته وقالت له بحنان:

-الرزق على الله يا ولدي. لا تقتل نفسك من الحزن. مضى عليك أكثر من أسبوع ولم تخرج من البيت.

-يا أمي، ما يحزنني ليس فقط موضوع الرزق وإنما نظرات الناس لي وتصرفهم معي على أساس أنني متعاون مع المخابرات، أكاد أصاب بالجنون.

-يا حامد هذا وهم في نفسك.. لا يوجد أحد في كل البلد يشك فيك

-لو كان كلامك صحيحاً فلماذا يتجنبونني هكذا

-قم يا حبيبي، ودعك من كل هذا، خذ الأولاد واخرج بهم، تمشوا في البلد، وسوف تتأكد أن الناس يحبونك يا حامد، اترك الوساوس.

***

تحامل على وهنه وعمل بنصيحة والدته وخرج مع أولاده. حاول بشكل عفوي أن يتجنب رؤية معارفه ما أمكن ذلك. شعر بارتياح وهو يرى الشوارع من جديد. خطر له أن يذهب إلى بيت "أبو أحمد" فقد اشتاق لهم.

ارتفعت معنويات حامد كثيراً من الحفاوة التي لاقاها فالجميع في بيت "أبو أحمد" يحبونه، وها هي أم أحمد أقسمت أن يتناول وأولاده طعام الغداء، وأن يكملوا بقية يومهم عندهم. وكانت فرحته كبيرة حينما أحضرت له الأجر الذي يتقاضاه منهم وكأنه لم يتغيب عنهم عدة مرات. تبددت ظنونه فيهم وعادت إليه ثقته بنفسه.

قفلوا عائدين إلى بيتهم عند حلول المساء. ورغب أن يمر على محل "أبو سمير" بعد طول غياب. لم يصدق نفسه وهو يرى "أبو سمير" يهرول ليحتضنه ويعاتبه على هذا الانقطاع. لاحظ حامد تصرفاً غريباً من الحاج أبو سهيل فقد أدار وجهه عن حامد وخرج من المحل بسرعة دون أن ينبس ببنت شفة، وفهم أبو سمير ما يدور بخلد حامد فاقتحم عليه تفكيره بمجاملته والسؤال عن وضعه، وأصرّ أن يجلس وأبناؤه ليأكلوا ساندويتشات.

قبل وصوله إلى البيت، توقفت سيارة بالقرب منه وصدرت من داخلها أصوات غليظة متداخلة لشخصين لا يعرفهما "حامد يا جاسوس سيقتلك الشعب قريباً يا خائن" وقبل أن يفيق من صدمته كانت السيارة قد اختفت عن الأنظار.

***

جلست إلى جانبه زوجته ووالدته لمواساته بعد أن روى الأطفال المرتبكون ما سمعوه ورأوه. زوجته تغالب دموعاً تسيل على وجنتيها. قالت له أمه "هؤلاء أولاد حرام يا بني. إياك أن تنكسر يا حامد ولو من أجل أولادك، أكيد أن هؤلاء الأشخاص مدفوعين من المخابرات".

ربط حامد أمر السيارة والأشخاص الذين بداخلها باستدعاء المخابرات له غداً صباحاً. شعر بالإرهاق وبالرغبة في النوم.

***

كان ليلاً طويلاً ثقيلاً وبطيئاً. حامد يفكر، ماذا عليه أن يفعل. تنقل بنظراته بين أولاده النائمين وأخذ يحدث نفسه "ما ذنب هؤلاء الأطفال، كيف سيعيشون حياتهم ومستقبلهم وهم يسمعون أن أباهم خائن. وأمي وزوجتي الصابرتان أكيد أنهما تسمعان الكثير من الإشاعات التي ملأت البلد عني وتتظاهران باللامبالاة أمامي. لابد أن أفعل شيئاً من أجلهم. لن أذهب غداً إلى المخابرات لن أتيح لهم الفرصة لتنفيذ ما يخططون له، هم يريدون إثارة الشبهات حولي والضغط عليّ حتى أوافق في النهاية على ما يطلبونه مني. لن يحدث هذا. لن أترك أبنائي يعانون ما عانيته في حياتي. ولن أجلب معاناة جديدة لوالدتي ولن تكون زوجتي زوجة خائن. إن أسرتي تستحق أفضل من ذلك.. سأجعلهم يرفعون رؤوسهم".

***

لم يكن هناك ما يدل على أنه كان فجراً غير عاديّ.. قوافل العمال الذاهبين للعمل في المدن والقرى والبلدات الإسرائيلية، المحلات والبسطات، بائعو الخضار، دوريات الجنود الراجلة والراكبة.. كلها في حركتها اليومية الاعتيادية مع بدء استيقاظ الشوارع من نومها.

وحده كان حامد غير عاديّ.. ينتظر هدفه قبل انبلاج ضوء الصباح عند زاوية شارع لا يبعد كثيراً عن محل فلافل "أبو سمير".. منطقة يعرفها حامد شبراً شبراً وبيتاً بيتاً تماماً كما يعرف ما الذي يهدف إليه الكابتن دان من مساومته.

لم يثنه شيء عن المضي قدماً فيما عزم عليه، ولا حتى صورة أبنائه وأمه وزوجته التي لم تفارق مخيلته، فما سيفعله هو من أجلهم ومستقبلهم، ولو علم طريقاً آخر يضمن لهم به حياة كريمة لاختاره.

وفيما كان الخيط الأبيض من الفجر يقهر الخيط الأسود، والصبح بدأ يتنفس، انطلق حامد كالسهم.. تلون الأفق بالأحمر القاني واكتست الأرض بحلة خضراء.

***

تدافع الناس للصلاة على جنازة حامد في مسجد الحيّ، وما إن فرغوا حتى تزاحموا على حمل النعش.. كباراً وصغاراً.. حزن، دموع، صراخ، ندم، دهشة.. الجنازة تكبر وتكبر.. الشوارع خلت –على غير عادتها- من الجنود الإسرائيليين، الحاكم العسكري وثلة من المخابرات والجنود يراقبون باستغراب ما يحدث من تلة بعيدة تشرف على المشهد.. المحلات أغلقت أبوابها.. تلاميذ المدارس انضموا إلى المشيعين وهم يهتفون ويحملون الأعلام.. أمه وزوجته تسيران خلف الجنازة وقد أحاط بهما الأقارب والأصدقاء لمواساتهما، وطفلاه الكبيران لم يفارقا مقدمة النعش تارة يبكون وأخرى ينادون عليه وثالثة يهتفون بالروح بالدم نفديك يا بابا، بالروح بالدم نفديك يا شهيد.

الجنازة تقترب من المقبرة، وأعداد المشيعين في تزايد، والهتافات المدوية تهز أرجاء المدينة، والذين يعتلون التلة لا زالوا يراقبون ما يحدث في اندهاش غير مصدقين عيونهم.


النقد والتعليق

يقول الناقد والكاتب/ إبراهيم عادل:

تحمل قصص استشهاد إخواننا الفلسطينيين كل يوم زادًا لا ينضب لخيال الكتاب والأدباء لتصوير حياة هؤلاء الأبطال، وما يعانونه في سبيل الحصول على حقهم، ومواجهة أعدائهم، والسعي لتحرير الأرض المحتلة..

وفي قصة (حامد) صورة واقعية لبطل تراجيدي، قادته ظروف الحياة، ومعاناته إلى بذل نفسه شهيدًا في سبيل الله، ولكن لماذا؟؟ لماذا ذهب حامد وقدم نفسه ( استشهاديًّا)، هل لأنه يريد أن ينتقم مما فعله به اليهود؟، هل لأنه يطلب رضا الله والجنة؟ هل لأنه يريد أن يذيقهم مما ذاقوا منه أيامًا طويلة؟؟، تطرح القصة بعدًا آخر جديدًا ومختلفًا بالكلية، فيما أرى لهذا الاستشهادي، الذي يكاد يكون (انتحاريًّا) هنا، لأنه يهرب من واقع مطاردات الناس له، واتهامهم إياه بالعمالة، ويرد عليهم جميعًا بأن يقدم نفسه وروحه وحياته، دليلاً على براءته من تهمة لا تطيقها نفسه كتلك التهمة..

ربما يحسب للصحفي القاص (محمد سعد) هذا في إطار قصته، أنه طرح بعدًا جديدًا في مسألة الشهداء، وأن الفلسطينيين ليسوا مثاليين مثلاً، وكذلك طرح في القصة عدة جوانب من حياة ذلك البطل المغلوب على أمره، (حامد) الذي يحبه الناس، ولكنهم لا يلبثون أن يعكروا صفو حياته الهادئة بتلك الشائعات التي حاكوها من حوله!

القصة بين السرد والحوار:

قسم كاتبنا قصته إلى مقاطع قصيرة، حاول أن يعرض في كل مقطع صورة -ولو مصغرة- أو جانبًا من جوانب حياة بطله، وأجاد في رسم أبعادها، (14) مقطعًا جاءت فيه القصة، تحاول أن ترسم صورة تفصيلية لحياة ذلك العامل البسيط، ومحاولة اليهود السعي لتجنيده، ثم مكافحته لذلك الأمر بالاستشهاد فيما بعد، وقد حرص الكاتب حرصًا ملحوظًا أن ينوع طريقة عرضه لجوانب حياة بطله بين الحوار بين شخصيات أخرى في القصة، وبين السرد، الذي جاء فيه الراوي الخارجي (العليم) قاصًا للأحداث: في المقاطع الأربعة الأولى رسم الكاتب يوم ذلك العامل ببساطة ما بين عمله في المكتب، وعمله خارجه، حتى عودته لأولاده، وإن كان قد استفاض في الحوار بطريقة بدت غير منطقية في حديث زميلتيه في العمل، وكأنه يريدنا أن نعرف تفاصيل حياة ذلك البطل من خلال ذلك الحوار!! وفي الحقيقة أن القصة القصيرة غير مطالبة بذلك، إذا كان يمكن -في نظري- الاستعاضة عن عرض التفاصيل (وخاصة تلك التي وردت في الحوارات الجانبية) بالتركيز أكثر على بؤرة الحدث، وهي التي تكشفت (من خلال أكثر من حوار) في المقاطع: 5 و6 على التوالي، ثم أتت لحظة التصاعد في الأحداث في المقطع 7، 8: ثم ردود الأفعال بعد ذلك 9، 10، 11، وقد كان السرد في تلك المشاهد مطولاً بعض الشيء، حتى أن لحظة الختام، أو لحظة التنوير في القصة تم تقسيمها إلى 3 مقاطع: بدأت بالتفكير، ثم القرار الحاسم بالانتحار، والغريب أنه على الرغم من أن القاص يهتم في كل المقاطع السابقة بالتفاصيل (في الحوار أو السرد) إلا أن لحظة التنوير عنده هي (الوحيدة) التي جاءت مختزلة جدًّا، وصاغها بجملة واحدة قصيرة:

(وفيما كان الخيط الأبيض من الفجر يقهر الخيط الأسود، والصبح بدأ يتنفس، انطلق حامد كالسهم... تلون الأفق بالأحمر القاني واكتست الأرض بحلة خضراء).

ولست بلائمٍ على القاص براعته في اختزال المشهد على هذا النحو، إذ إن ذلك من حقه متى أراد، ولكن ما آخذه عليه هو الإطالة في وصف كل ما حول ذلك الشهيد، قبل الاستشهاد، وبعده، حتى أن المقطع الأخير -فيما أرى- يحمل قصة جديدة، أو نواة أخرى للعمل، إذ حمل تصوير المشهد بالكامل، وردود الأفعال عليه.

بقي إذن أن أذكر أن الكاتب أجاد في رسم شخصيته، بل قد أقول بالغ في رسمها ووصف الجو / الأجواء المحيطة به، ذلك الوصف الذي تحتاجه الرواية أكثر من القصة، كما أن لغته جاءت سليمة قادرة على وصف المشاعر، وتحمل الكثير من وعي القاص بما يسرد.

وإذا كنا ذكرنا للقاص أن فكرته تعد جديدة، من حيث تناول الاستشهادي برؤية جديدة مختلفة، فإن ذلك لا ينفي أنه مطالب فعلاً بالتكثيف -المطلب الأساسي للقصة- والعناية أكثر بالتركيز على المشهد الأساسي في القصـة.. ولا زلنا ننتظر المزيد..

اقرأ أيضا:


شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير
أرسل إبداعك

شارك بنقدك وتعليقك

mawaheb@iolteam.com

نادي المبدعين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع