يقول
الشاعر والناقد/ مدحت العراقي:
أخي
الفاضل الحبيب د. حسن، حبيب إلينا أن تديم
الكتابة إلى النادي؛ فأنت -دون أدنى مجاملة-
تكتب باقتدار كبير دونما تكلف، وتنتقي
الموضوع كما ينتقى طيب الثمر، وتسل الأفكار
كما تسل السيوف فتبرق لامعة؛ فلا تحرمنا
وأصدقاءنا من فرائدك الثمينة، وتعال نستمتع
بتحليل قصيدتك...
أولا:
الوزن العروضي:
القصيدة
من بحر الكامل التام (ثلاث تفعيلات في كل شطر)...
العروض
(التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول) صحيحة (مُتَفَاْعِلُنْ
///0//0) في الأبيات (2، 3، 5، 6، 10، 11)، ومضمرة (مُتْفَاعِلُنْ
أو مُسْتَفْعِلُنْ /5/5//5) في بقية الأبيات...
والضرب
(التفعيلة الأخيرة في الشطر الثاني ـ آخر
تفعيلات البيت) مضمر (والإضمار: تسكين الثاني
المتحرك)، مقطوع (والقطع: حذف آخر الوتد
المجموع (//0) وتسكين ما قبله).. لتصير تفعيلة
الضرب مضمرة مقطوعة (مُتْفَاْعِلْ أو
مُسْتَفْعِلْ /0/0/0)...
ولا
أدري إن كان الشاعر تعمد تغيير الضرب في البيت
الأول أم جاء ذلك سهوا...
وتبديل
شطرتي البيت الأول يحل هذه المشكلة؛ ويصير
الضرب في كل القصيدة مضمرا مقطوعا؛ لتكون هذه
أول قصيدة محكمة الوزن تماما -بكل معنى الكلمة-
على صفحات النادي، وإن كانت أحد عشر بيتا فقط...
ثانيا:
اللغة:
-
يقول الشاعر: "رَجَّ البحور":
كلمة
(رَجَّ) لم ترد في القرآن إلا مرتين في آية
واحدة، في قوله تعالى {إذا رُجَّتِ الأرض
رَجَّا} (الواقعة: 4).
قال
ابن منظور في لسان العرب، مادة (رجج): "والرَّجُّ
تحريكك شيئا كحائط إِذا حركته، ومنه
الرَّجْرَجَةُ، قال الله تعالى: {إِذا
رُجَّتِ الأَرضُ رَجًّا} معنى رُجَّتْ:
حُرِّكَتْ حركة شديدة، وزُلْزِلَتْ،
والرَجْرَجَةُ: الاضطراب، وارْتَجَّ البحر
وغيره: اضطرب".
وإن
كنت أرى أن الرج لا يكون إلا للجوامد كالأرض
أو الحائط أو الباب.. وما شابه ذلك؛ بغرض
تكسيرها أو تفتيتها إلى أجزاء، ولا يأتي
للمائع إلا على سبيل الاستعارة...
واستخدامك الرَّج مع البحر على سبيل الاستعارة بليغ جدا؛ لأنه من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، ورد في الحديث الشريف: "من ركب البحر حين يَرْتَجّ..."، وليت شعراءنا يلتمسون الحكمة وسامق اللغة في القرآن والسنة، فهما نبع اللغة الثر الذي لا يغيض أبدا...
ثالثا:
الصور والتعبيرات الفنية:
-
يقول الشاعر: "رج البحور وهيج الأوزانا"
والبحور
والأوزان في البيت الأول؛ بحور الشعر وأوزانه
جسدها الشاعر فصارت ترتج وتهتاج لهول الخبر
وعظم المصيبة...
-
يقول الشاعر: "الفجر المهيب"
وَوَصْفُ
الفجرِ بالمهيب وَصْفٌ رقيق؛ فالهَيْبةُ:
المَهابةُ وهي الإِجلالُ والمَخافة -كما جاء
في لسان العرب (مادة: هيب)- والفجر رغم جماله
الساحر فإنه يحمل في طياته مستقبلا منتظرا،
لا ندري ما يحمل لنا، فنهابه ولكن هيبة
المُؤَمِّلِ المُتفائل، كالمتميز الذي ينتظر
نتيجة الامتحان، يهابها ولكنه متفائل...
والشاعر
يصف الفجر وصفا عاما؛ ولو كان يصف الفجر الذي
اغتيل فيه الإمام الشهيد أحمد ياسين لكان
وصفه هذا أقل مما يتطلبه الموقف، فلقد كان
رهيبًا كئيبًا فظيعًا شنيعًا مرعبًا، وكيف لا
وقد اغتيل الأمل الذي رفع عن الأمة يأسها
واستسلامها...
-
يقول الشاعر: "ياسين يا نبض النبي محمد":
النبض
دليل الحياة الظاهر، ونبضك ملازم لك لا تنفصم
عنه ولا ينفصم عنك؛ من هنا تجيء روعة هذه
الصورة، فياسين يبدو وكأنه قطعة من نبينا صلى
الله عليه وسلم، ليس قطعة من قدم حبيبنا صلى
الله عليه وسلم أو يده -على شرفهما-، وليس قطعة
من قلبه صلى الله عليه وسلم -على جلاله-، ولكنه
دليل الحياة الدامغ الذي لا يسمعه أحد إلا
ويقر لصاحبه بالحياة، نعم هو حي صلى الله عليه
وسلم باتباعنا سنته، وكل مستن بسنته صلى الله
عليه وسلم فهو نبضه ودليل حياته؛ ذلك أنه صلى
الله عليه وسلم حيٌّ بيننا بسنته وسيرته،
وكيف يموت من أحيا الله به الأرض، ورحم به
العالمين، وهدى به الثقلين، وأضاء به جنبات
الكون، وشفعه في العاصين.. ما مات من هذه
سيرته، وتلك سنته...
نعم
فاضت روحه الطاهرة صلى الله عليه وسلم، ووسد
الثرى، لكنه يَرُدُّ السلام على من يُسَلِّمُ
عليه، ويتوسل به عند الله، ويتقرب به، ولا
تقبل صلاة العبد بغير الصلاة والسلام عليه؛
فاللهم اقطع لسان من قال: "إنما هو رجل ميت،
لا يملك الدفاع عن نفسه"، وشل اللهم يد من
أساء إليه كتابة أو رسما، وانتقم لحبيبك
ومصطفاك صلى الله عليه وسلم، واجعلنا اللهم
نبضا حيا من نبض رحمتك المهداة صلى الله عليه
وسلم...
-
يقول الشاعر: "يا آية نزلت علينا الآن":
كان
ياسين آية في الضعف الجسدي الظاهر، وآية في
قوة العزيمة وعلو الهمة، وآية في تربية
النفوس وتغييرها، وآية في الإيمان، وآية في
التضحية، وآية حتى في استشهاده...
نعم
كان آية أراد الله بها أن يبعث الأمة من
وهدتها، وتفيق من غفوتها، وتنهض من كبوتها،
ولكن جرت سنة الله أن يُصَدِّقَ -آيات الله-
ناس، ويُكَذِّبَهَا آخرون...
-
يقول الشاعر: "وسمعت قلبك.. يعزف الإيمانا":
جميل
أن يعزف القلب لحن الإيمان، وجميل أن يتجاوب
الكون كله مع هذا اللحن؛ فالكون بشجره وحجره
يؤمن بالله ويذكره، ولا يجحد الله إلا الطغاة
المتجبرون، ولكن ربك يملي للظالم حتى إذا
أخذه أخذة لم يفلته {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ
القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.
وفي
الصورة هنا "القلب يعزف الإيمان": تشخيص...:
-
يقول الشاعر: "ثار اليقين على الظنون..
بمهجتي":
وفيها
تجسيد؛ حيث جسد (اليقين، والظنون) وهما
معنويان، وجعل أحدهما يثور على الآخر، ليس
هذا فحسب بل دارت هذه المعركة بمهجة الشاعر،
وكأن مهجته ساحة قتال ثار فيها الحق على
الباطل وتعاركا، حتى انتصر اليقين (الحق)...
-
يقول الشاعر: "وتزاحمت في أبحري.. أوجاعها":
فيها تجسيد أيضا...
-
يقول الشاعر: "اصعد سحابا وانهمر.. مثل
الندى"..
يا
سيدي.. أولا: السحاب لا يصعد وإنما يسير..
والندى لا ينهمر وإنما يتساقط رويدا...
إنما
أردت القول: إن مقتل الشيخ ليس شرًّا وإنما هو
خير كبير، كالغيث الذي ينزل من السماء فيروي
الأرض لتنبت بإذن ربها خيرا كثيرا.. فكرة جيدة
ولكن خانك التعبير...
-
والقصيدة تعج بالحركة (رج، هيج، أشرقت،
معرجا، تزاحمت، تفجرت، اصعد، انهمر) والصوت (خبر،
نبض، آية، قرآن، يعزف، ألحان) واللون في
القصيدة كله من الطبيعة (الفجر، السماء،
الشمس، أبحر، سحاب، ندى، نبات، زهر، بستان).
والثلاثة
-الحركة والصوت واللون- لا تخرج عن كونها
أسماء (الصوت واللون) أو أفعال أو مشتقات (الحركة)،
والمتعارف عليه عادة أن الأسماء تدل على
الثبات، لكنها جاءت في القصيدة متحركة (نبض،
ألحان، قرآن، ندى، فجر، سحاب)، ويدل هذا على
انتقاء الشاعر كلماته بعناية...
والأفعال
تدل دائما على الحركة (رَجَّ، هَيَّجَ،
تَفَجَّرَ)، كما تضيف المشتقات دلالات تعمق
الحركة والزمن، وتؤكد الحدثية المرتبطة
بالزمن في ثنايا القصيدة، ومن أمثلتها: اسما
المفعول (مُعَرِّجاً، مهيب)، واسم الزمان (الآن)
وأسماء المكان (الأوطان، البستان، فوق).