بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

قصة قصيرة
شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير

نحن نكتشفك ونعرض لإبداعاتك بالنقد والتقييم، ونفتح لك أبواب التواصل مع رعاة الإبداع في كل مكان

أرسل إبداعك 

طيفٌ ينحرفُ بشِدّة

19/05/2005

أحمد الطيب – 27 عامًا - مصر

 تلهو على الغصن

شد المقبض النحاسي لبوابة البيت، وأزاحها للخارج متأكداً من أحكام إغلاقها، وقف على عتبة المنزل الخارجية، ثم نظر بعينين هائمتين إلى الأفق الملون بضوءٍ صباحي شفاف، جذب "مؤمن" نفساً عميقاً، ملأ رئتيه بالهواء المحمل برائحة اليود، بدا وجهه أكثر إشراقةً وابتسامةً، خطى بضع خطوات يبدل قدميه واحدة حذاء الأخرى، وقف أسفل سياج التوت المصفوف أمام المنزل، شادًّا قامته، ناظراً إلى أعلى حيث أوراق التوت الزاهية، كعادته كل يوم، مد يده في جيب سرواله القطني، أخرج حفنات القمح، وضعها في كفيه، ثم وقف جامداً مثل تمثال، لم تمر سوى دقائق حتى انحدرت العصافير الرمادية اللون من فوق أشجار التوت مرفرفةً حوله، لم يتحرك رغم سعادته وهو يستشعر هـزات الأجنحة الرخوة بجوار جسده، ابتسم حين حط أول عصفور فوق يديه، شعر بدقدقات العصافير وهى تلتقط حبات القمح، حرك أنامله ببطء يتلمس الريش الناعم الصغير للأجنحة، حين انتهي كل القمح، أصدر ضحكته العالية المتقطعة، أعاد يديه إلى جيب سرواله، أكمل السير بنفس الخطوات البطيئة، يهزهز رأسه المرتكنة على رقبته النحيفة، كانت الشمس لا تزال بعيدة، ذات أشعة باردة وقد بدت في السماء وكأنها صورة منعكسة على سطح الماء، لم يسر كثيرا حتى وقف أمام أحد المنازل، شعر بنبض قلبه يتزايد، نظر إلى النافذة البيضاء في الطابق العلوي، يعلم جيداً أن من يبحث عنها لن يجدها الآن، تأمل شجرات الورد السبع التي زرعها أمام بيتها، البراعم منتشرة فوق الفروع، وبعض الورود الصغيرة نضجت بألوان حمراء وبيضاء تنشر رائحتها الجميلة تملأ المكان، أغمض عينيه منتشيا وهو يقبل إحدى الوردات البيضاء، استدار ويده مازالت مرفوعة تلوِّح، يسير مع انحناءات الطريق متباطئاً أحياناً ومتسارعًا أو متقافزاً في أحيان أخرى، ينظر في كل اتجاه متأملاً الأشجار الكثيرة المتناثرة على جانبي الطريق وأمام منازل القرية، يتذكر مع كل شجرة توت أو كافور اليوم الذي غرس فرعها الجاف، وأيامه الطويلة التي كان يعتني فيها بهذه الفروع، كل أشجار القرية يعتني بها ويزرع منها الكثير، حتى أصبحت الشوارع أشبه بحديقة كبيرة يشعر هو بأنه صاحبها، وقف أمام نفس النخلة -النخلة العتيقة -كل يوم يتأملها، النخلة الوحيدة التي لم يستطع أحد صعودها من قبل، نظر شادًّا بصره إلى أقصى السماء، تراءت له طيور صغيرة ترفرف حول " شواشيها " العالية، فكر أن هذه طيور من نوع خاص، طيور لا تهبط إلى الأرض، تحلق في السماء، وتأكل من السحب البيضاء العالية، تمنى كثيراً أن يصعد هذه النخلة، لكن النخلة طويلة وعنيدة، وساقها منحوتة ونحيلة، تتمايل حين يحاول أحد الصعود إليها، ترك النخلة العتيقة، ثم عاود المشي حتى انحدر إلى جرف النهر، تراءى الشراع الأبيض الكبير لمركب البضائع، هرول، كان الرجال قد بدأوا العمل، اقترب من رئيس العمال الذي بدا مزمجراً يشيح بيديه.

- لولا أمك المريضة.

قال رئيس العمال ذلك ضاغطاً على فكيه، يتأمل "مؤمن" الذي بالكاد يحمل أجولة البضائع الصغيرة التي يوشك أن يتعثر بها، كان الوقت يمر ببطء شديد، والعمال يغنون بصوت مرتفع، والشمس في كبد السماء أصبحت ساخنة، وهو لا يزال شارداً إلى بعيد، حين مضت ساعات العمل، وقف في صف العمال يخبط بقدمه اليسرى مستعجلاً الوقت، قبل أن يمد يده ليقبض اليومية، أشار إليه رئيس العمال ألا يتأخر مرة أخرى.

عند عودته قرب منزل شجرات الورد، رآها من بعيد بملابسها النظيفة الأنيقة، وشعرها البني المنسدل فوق كتفها، سار متباطئا ووجهه تعلوه ابتسامة تملا كل قسماته، قطف نفس الوردة البيضاء التي قبّلها في الصباح، ثم ربت بأطراف أنامله فوق كتفها، التفتت في حدة، ولكنها ابتسمت حين وجدته هو، واقفاً بابتسامته البريئة كابتسامة الأطفال، مادًّا يده بوردة، أخذتها ثم وقفت صامته تتأمله وقد بدا منبهراً كأنه يراها للمرة الأولى، مد يده في جيب قميصه، أخرج ورقة صغيرة، قدمها إليها وهو لا يكف عن إشاراته السريعة المتلاحقة، تأملت الصورة التي رسمها لطفلة صغيرة تجلس بجوار النهر.

- لو كنتَ تتكلم؟!

قالت ذلك بصوت خفيض برغم أنها تدرك أنه لن يسمعها، الفتاة الصغيرة التي في الصورة تشبهها، كل صورة رسمها تشبهها، صافحته وهى تهرول ناحية أمها، التي خرجت أمام باب البيت، أغلق يده على أناملها الرقيقة سار يرفرف بذراعيه، حتى وصل إلى بيته، كانت أمه مستلقية فوق الفراش، تهلل وجهها حين رأته، جلس إلى جوارها، حرك يديه فوق رأسها الملفوف في غطاء أسود اللون، بينما أمه تنظر نظرة
حانية بعينين باسمتين، بعد أن تناول معها العشاء، استلقى على فراشه، أصدر شهقة طويلة، ثم أخرج طبشورة من خلف حامل السرير النحاسي، رسم وجهاً لفتاة، تأمله قليلاً، ثم عاد ومح
ى أجزاءً منه ليُعيد رسمها، فعل ذلك أكثر من مره وأمه تنظر إليه، كل يوم يحاول أن يرسم نفس الوجه، وفي النهاية لا يقنع بشيء فيعود ليمحوه، بعد عدة محاولات التفت إلى أمه، سألته أمه عن الفتاة التي يحاول أن يرسمها، وضع يده فوق قلبه، ثم تدحرج فوق الوسادة مغمضاً عينيه ليغيب في النوم، حملت الأم مصباح الكيروسين الموضوع فوق رف خشبي مُثبت بالحائط،أخفتت إضاءته قليلاً، ثم عادت إلى وضعها، متأملهً ابنها وهو نائم رأسه لأعلى، وفمه مفتوحٌ، مصدراً صفيراً متلاحقاً، فكرت في هذه الابتسامة المرتسمة دائماً على وجهه، لوقت طويل لم تتحرك عيناها الشاحبتان، انقبض وجهها فجأة، شعرت بثقل يُلقى فوق صدرها، سكنت قليلاً زامةً شفتيها، اعتدلت بجزعها محاولةً جذب أنفاسها القصيرة المتعثرة، أحست بالألم يتزايد أكثر من أي يوم، في وهنٍ مالت إلى أسفل، والألم يصرخ عالياً مدوياً بين أضلعها.

في منتصف هذه الليلة استيقظ "مؤمن" على وكز أصابع أمه، وجدها قد تحول لونها إلى الأصفر الباهت، كانت ترتجف، نهض مذعوراً، نظر في كل اتجاه مُربَكا، جال الحجرة الضيقة ذهاباً إياباً، كمثل طفل تائه أخذ يقلب في أشرطة الدواء الكثيرة المتناثرة فوق منضدة ملتصقة بالسرير، تعثر في إناء الماء الزجاجي الذي سقط وتهشم فوق الأرض، وقف في يأس، أنفاسه تلاحق بعضها بعضاً، هرول إلى الشارع تاركاً باب البيت موصداً، وقف على العتبة الخارجية، شعر بانقباض حين رأى كل شيء مغلفاً بظلامِ موحش، خطى سريعاً يطرق أبواب جيرانه، يطرقها بعنف وبسرعة متلاحقة، مشيراً في ذعر إلى بيته.

مضي وقت طويل، استشعر قسوته، وحين انصرف الجميع قرب الفجر، وقف إلى جوار السرير ينظر إلى أمه، كانت نائمة تقرض أسنانها وجسدها يرتجف، جلس إلى جوارها، أمسك بيدها، احتضنها بين كفيه شعر بدفء ِيتغلغل روحه، ارتكن إلى الخلف يتأملها ساكناً، طيلة أسبوع ظل جالساً إلى جوارها، يغالبه النوم قليلاً، فيقوم مفزوعاً ليطمئن إلى الجسد المستغرق في النوم والمرض، وإحدى جاراته تأتي من وقت لآخر، تعطيها الدواء وتلقي نظرة شفقة إلى الابن الذي ينهشه الخوف.

ملأ جدران الحجرة برسوم أشجار عالية وعصافير، وأطفال تلعب بينها..حتى ذلك الصباح، أشارت إليه أمه أن يعود إلى عمله، لم يستطع الحركة إلا حين ألحت عليه، نظر إلى عينيها المعلقتين به، أغمضتهما في إيماءة وابتسامة ذابلة، ترك المنزل، يسير في خطوات ثقيلة متباطئة وهو شارد، حتى حين رفرفت العصافير حوله، ركز وجهه إلى الأرض مكملاً طريقه، مر أمام منزل شجرات الورد، نظر إلى النافذة البيضاء بعينين دامعتين، كان نساء كثيرات يكنسن الأرض، عاود المشي، يزيح قدميه أمامه متابعاً بعينيه حركتيهما.

لم يكن عمال حمل البضائع قد بدأوا العمل، حين وصل "مؤمن"، لم يحاول أحد مزاحه في هذا الصباح كعادتهم معه، وهو للمرة الأولى لم يشعر بالتعب كمثل كل يوم، لم يتوقف عن العمل لحظة واحدة، يكاد لا يلتقط أنفاسه، يهرول ليضع ما يحمل، ويذهب ليأخذ غيره، ناظراً إلى الأجولة الكثيرة المكومة بجوار الشاطئ، يتمنى أن تنتهي سريعاً.

في عودته قرب منزل شجرات الورد، لاحظ حركة كثيرة لرجال غرباء متجمعين، حين لم يجد فتاته واقفة، عاود المشي في خطوات متسارعة، وصورة أمه تداعب خياله، أزاح باب البيت، خطى نحو الحجرة حيث ترقد أمه، وجدها ساكنة بعينين مفتوحتين، وجسد متهدل، اقترب منها، هزهزها ولكنها ظلت ساكنة، أصدر صرخة رعب مدوية، صرخة أخافت الأطفال المرسومين على الحائط، ثم جلس يبكي متشنجاً دون أن يشعر بشيء، والدموع تنحدر من عينيه حارة وغزيرة، حين أفاق كانت الدار مليئة بنساء متشحات سواداً، وقف مشدوهاً، شعر بأنه غريب عن المكان، انحنى على وجنة أمه يقبلها، أحكم الغطاء حولها مثلما يفعل حين يتركها نائمة، ثم استدار وهو يصدر ضحكة هسترية ممزقة، ترك البيت، تكاد قدماه تتعثران وهو يخطو، أمام منزل محبوبته، كان زحاماً شديداً وأضواء بارقة تضئ وتطفئ في وهج متوحد، اخترق الصفوف، وقف لبرهة، رأى فتاته الجميلة التي كان يزرع لها شوارع القرية بالورد والأشجار، في رداء أبيض زاهٍ، ورجلاً غريباً في ملابس سوداء ممسكاً بيدها، انحنى، جلس بجوار قدميها، أخرج صورة من جيبه، صورة امرأة عجوز حزينة، حين لم تمد يدها لتأخذ الصورة، نظر إلى عينيها، رأت الفتاه الدموع تنهمر من عينيه، كادت أن تمد يدها لتمسح دموعه، ولكن أيدٍ كثيرة كانت تسحبه إلى الخارج، وهو يبدو ملتصقاً بالأرض، حين أصبح بعيداً شعر بأن كل شىء يدور، أحس بأنه وحيد في هذه الأرض، خطى يهرول مثل مجنون، وصل إلى النخلة العتيقة، نظر إلى قمتها العالية، كان قرص الشمس يرقد إلى جوارها في رداء الشفق الدموي، احتضن النخلة ظل يصعد ممسكاً بجزعها النحيف الناعم، يتمايل مع انحناءات النخلة وهو يبتعد ويبتعد، حتى وصل إلى قمة ساقها، نظر إلى القرية من أعلى، كانت بعيدة بمنازلها القديمة، وشوارعها الخضراء، ظل متشبثاً بالنخلة، حتى حين كانت تتمايل بعنف، سكن مكانه فوق النخلة العالية، وسط الطيور التي لا تهبط إلى الأرض، تطير في السماء، وتأكل من السحاب الأبيض البعيد، شعر بأجزائه جميعاً تتراخى، وسكينةٍ قد غلفت روحه، حين انزلقت قدماه وسقط من أعلى النخلة، أغمض عينيه، محتفظا بابتسامة مرتسمة فوق وجهه، يرى وجه أمه يبتسم له خلف جفنيه، وصورة قديمة قد رسمها، صورة طفلة صغيرة تجلس بجوار النهر...

النقد والتعليق:

يقول الناقد والأديب محمد جبريل**:

القصة تبين عن موهبة لافتة، وأظن أنه قد سبقتها محاولات أخرى للكاتب، وهو يعدُ بأعمال أكثر نضجًا.

أجاد الكاتب اختيار اللحظة القصصية.

وهو لا يلجأ إلى المتاح المألوف، وإنما يعنى بفنية القصة بخصائصها المختلفة: التيمة، السرد، اللغة الفنية، إلخ..

أما السردُ فيتسم بوجدانية شفيفة.

اللغة القصصية بسيطة وسهلة، وتتسم بفنية واضحة.

فقط أرجو أن يتخلص الكاتب من أخطائه اللغوية، فرغم أنها طفيفة فإن وجودها لا يليق بمستوى عمله.

أتمنى له المزيد من الإنتاج المتميز.

اقرأ أيضا:


**الروائي المصري المعروف محمد جبريل، حائز على جائزة الدولة التقديرية في النقد الأدبي.


شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير
أرسل إبداعك

شارك بنقدك وتعليقك

mawaheb@iolteam.com

نادي المبدعين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع