[an error occurred while processing this directive]
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

قصة قصيرة
شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير

نحن نكتشفك ونعرض لإبداعاتك بالنقد والتقييم، ونفتح لك أبواب التواصل مع رعاة الإبداع في كل مكان

أرسل إبداعك 

مناجاة ابنة إلى والدها

16/02/2003

روان فرحات – فلسطين

إلى أبي القابع في مكان الزمن فيه يمر كسلحفاة والمكان تحده جدران:

من أين أبدأ يا نزف القلب، يا وجعا يمتد؟ خانتني الأحرف والكلمات، فوقفت حائرة مع قلمي العاجز أستنجد "قبس" من نور يقودني لأكتب إليك أبي أينما كنت في مجدّو، عوفر، أو عسقلان فأنت الأقرب من نفسي إلى نفسي، كلامك كل ما يستوطن ذاكرتي ويلصق في مخيلتي، ظلك يتصدر أوراقي، يرتسم على ملامح الوقت فتبدو تقاطيعه واضحة بكل أوجاعه حنانه وآهاته.

أكتب إليك وأنا الآن أبلغ السابعة عشرة من عمري، ما زال الحزن منها يقتات، أكتب إليك وأنت قابع في تلك الزنزانة الحقيرة التي تصارع وتضارب في قوتها خيوط الشمس، حيث لا معنى للحرية هناك، أكتب إليك وأنا أذكر ذلك المساء شديد الرطوبة من أيام الشتاء الباكية والعاصفة، عندما رحلت عنا دون أن تودعنا حتى قبل أن ترسم قبلة صغيرة على جبين أخي الصغير، أذكر تلك اللحظة عندما رحلت عنا ورحل فرحي فبكت بسماتي وسقط الضباب على أيامي وانهمر الثلج فوق صدري وتجلدت نبضاتي، عندها ضعت في دروب بلا أرصفة، عندها سقطت أمامي جميع المعادلات.

أكتب إليك وكلي شوق "أن" إلى ذراعيك لتمسح عن وجهي "تعب" ما زلت غير قادرة على تحمله، ولتمسح من عيوني دمعي ودمع أمي وإخوتي الصغار، أكتب إليك "حروف" ممزقة وكلمات مبعثرة "وجمل" غير مكتملة، أكتب إليك بدمي الأحمر وعظمي الذي لم يشتد بعد، أكتب إليك والأمل نصب عيني أن أراك من جديد، أكتب إليك وأنا أجهل الوقت عندك: فهل هو الصباح وفنجان القهوة والجريدة، أم هو المساء وأنت تداعب إخوتي الصغار، لعله الظلام الهادئ وصوت الجلاد ينبح: قم جاء وقت العدد!!

أبي إن كنت قلقا علينا فلتطمئن:

فنحن كما عهدتنا، قلوبنا الصغيرة ما زالت قادرة "علة" أن تغمر العالم حبا للحياة، وعقولنا متمردة على الظلم تأبى الاستسلام، تعلم أنه لا توجد ثورة بلا خسائر ولا تنجح انتفاضة بلا شهداء، نحن كما عهدتنا ننبش في الأعماق بين الجزر المجهولة عن الوجود الذي لا يضيع، نحلم بالحرية التي تتلاطم أمواجها مع المستحيل؛ لتخلق تلك اللحظة قبل ميلادها، لحظة الانتصار، نحلم بلقائك من جديد فها نحن نحترق انتظارا، تتحرك عقارب الساعة والزمن في سكون، وكأنّ العالم جمد وكفّ عن الحركة عندما رحلت عنّا، نحلم بلقائك فما أجمل اللقاء بعد الفراق، أشتاق لذراعك تطوقني آه كم أشتاق للعناق، في تلك اللحظة سأعلن أن لعبة الأقدار التي عصفت بنا من حيث لا ندري قد انتهت، نحلم نعم نحلم لأن الأماني حياة والاستسلام عدم، نبكي أحيانا لأن الدموع قطرات ندى تغسل الألم والحزن من قلوبنا.

أبي ما زلت أشعر أن ملايين الكلمات تصول وتجول في عالمي المخزول تنتظر وقت الإفراج عن معانيها، ولا أزال أؤمن أن المسافات بين ما قلت وما لم أقل كبيرة احتوت عبرها العمر الباكي لأيامه والقلب المدمى بأحزانه.

أبي ما زلت أحتفظ لك في ذاكرتي بالكثير، فالقلم عاجز عن إخراج خبايا الصدور، فكم هي واسعة عطاياك: حبك، وعظك، حنانك، وإرشادك، كلّها أصبحت كريات في دمي ونبضات في عروقي، نعم أحرف كلماتك أصبحت كخيوط الشمس الدافئة التي انغرست في ضلوعي ولن تغرب أبدا مفجرة براكين حب للحياة وحرب على الطغاة.

قال ابن تميمة رحمه الله: "المحبوس من حبس عن ربه والمأسور من أسره هواه" فأنتم أبي ورغم القيود "أحرارا"؛ لأنكم موصولون بالله وسجّانوكم عبيد أذلاء.

أخيرا أبي تحية حب وإكبار وإباء أبعثها لك ولكل الأسرى، أنتم الذين لم توهن عزائمهم السجون، فكنتم رجالا في زمن قلّ فيه الرجال، تحية لكم جميعا أنتم الذّين لم يهادن جوعهم جلادا ولم تصافح أيديهم سفاحا، أنتم الذّين تدفعون ضريبة حريتنا، أنتم الذّين أعمارهم تحترق، فكنتم مشعلا من نور ينير لنا الطريق ومشعلا من نار على من يعتدي، تحية لكم أسود فلسطين أنتم الذين أضأتم عتمة الزنازين ولم تركعوا.

أبي أبعث بهذه الكلمات لك ولمن عندك، ولا أبالي رفض سجّان لها فهي كلمات لسعتها عقارب الزّمن وطوتها ذاكرة الحَزَن، وحان لها أن تخرج وتجتاز كل الحدود.

ابنتك المحبة لدينها والعاشقة لوطنها.

النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست عماد مطاوع

في لغة شعرية متقنة البناء والتركيب، قدمت لنا روان فرحات لوحة قصصية جيدة، إطارها رسالة حب لوالد قام بدوره تجاه وطنه وقضيته فكان مآله السجن من قبل معتدين غاشمين.

منذ البداية نلحظ حميمية شديدة يتسع بها النص فتقول روان: "من أين أبدأ يا نزف القلب ويا وجعا يمتد؟ خانتني الأحرف والكلمات، فوقفت حائرة مع قلمي العاجز أستنجد قبس من نور يقودني لكتب إليك".

وهذا النص يقف بين القصة القصيرة واللوحة القصصية، وإن غلب عليه تقنيات اللوحة القصصية، ولهذا أصبح مقبولا وجود الجمل البلاغية والتكرار السردي لنفس المعنى مثل:

"أكتب إليك وكلي شوق .... إلخ".

"أكتب إليك حروفا ممزقة ....."

"أكتب إليك بدمي الأحمر ..."

إلى آخر هذا الاستطراد الذي لا يقدم شيئا إضافيا للقصة، لكنه يضفي حالة شجنية ما، خاصة وهناك بعض السذاجة في تناول أمور صغيرة مثل قولها: "أكتب إليك بدمي الأحمر"، وكأننا ننتظر لونا آخر للدم مثلا، لكنها سعت خلف بلاغة ما، فطغت هذه البلاغة على لغة القص، وحولت مسار العمل لناحية أخرى غير القصة القصيرة الخالصة.

والكاتبة تمتلك ناصية اللغة، كما تمتلك  قدرة عالية على رسم صورة وإن لم تقدم لنا صورا كاملة رغم انسياقها خلف التشكيل اللغوي فقط.

وهي تمتلك بذرة جيدة عليها رعايتها، ولا ينقصها سوى التركيز على اللحظات القصصية، وتصفية عملها من كل الزوائد السردية البلاغية، هذا إذا كانت تسعى لكتابة قصة قصيرة خالصة بمعناها وعالمها وشروطها، لكن ما تكتبه من لوحات، لون متواجد، وله محترفو كتابته، وعليها أن تحدد مسار كتابتها، لتجود فيه، وتمسك أدواته كلية.

اقرأ أيضًا:


شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير
أرسل إبداعك

شارك بنقدك وتعليقك

mawaheb@iolteam.com

نادي المبدعين