|
الجرح لا يشفيـه بيت قصيدتـي |
والداء أعظـم من دواء لساني |
|
هـم يسالون: ألا تحس بجرحنـا! |
إنا قضينا العمر فـي أحـزان |
|
وطئ اليهود بلادنا في غفلـة |
لمـا تلاشـت وطـأة الصلبـان |
|
بلفـور واعدهـم وأوفى وعـده |
فتحققت للحاقديـن أماني |
|
هزوا النفـوس أهانوا كلَّ كرامة |
لم يـرفقـوا بالشيخ والصبيـان |
|
طعنوا الحبـالى والأجنةُ مزقت |
بخناجر الأحقاد والأضغـان |
|
وهنا المسـاجد حطمـوا جـدرانها |
غيض بهـم حتى على الجـدران |
|
يا شـاعـر الإحساس أثخن جرحنـا |
ونراك تلهـو في زمان فاني |
|
تصف الحبيبـة هائما في ودهـا |
وهناك نادى القدس لا تنسـانـي |
|
يا شاعر الإحساس كيف تـركتَنَـا |
والقدس من ظلم اليهود يعاني! |
*************
|
كـلا وكـلا مـا نسيت وإنما |
جفَّ اللسان وفـاضت العينـانِ |
|
الله يشهد كم بكيت لأجـله |
إن لـم تروني فهو كان يرانـي |
|
ألم بكم وأشدُ منه أصابني |
شطـَـرَ الفـؤادَ وهزَّ كـلَّ كياني |
|
ويـزيد من ألمي بأنـي غـاضب |
ويـداي لا تـرمي حصـى الميدان |
|
أنا كـم حلمت بأن أكون مجـاهـدا |
وأردد التكبيـر مع إخوانـي |
|
أنا كم حلمت بأن أقود كتائبا |
للثأر تسحق رأس كل جبـان |
|
أنا كم حلمت بأن أصلي ركعـة |
في المسجد الأقصى بلا استئذان |
|
لكنكـم خلف الحصون وبيننا |
سـد بنته أصابع الشيطان |
|
لا حول لي أو قوة فتعيـد لـي |
وطنـا كريما ضاع من أوطـاني |
|
تلك الأحاسيس التـي في داخلي |
أمل وعجز واشتعـال ثـوان |
|
جرَّعتموني الحزنَ فوق صبابتـي |
وغرستمُ الأشواك في الوجدان |
|
إن كان شعري يُرجع القدس الذي |
قد ضاع بيـن الكفر والطغيـان |
|
سأظل أكتب بالـدمـاء قصائـدي |
حتى يجف الدمع في الأجـفان |
النقد
والتعليق:
النقد
والتعليق: الشاعر: عبد الرافع مجاهد
كان
الجاحظ يفضل اللفظ على المعنى، ويرى
أن المعاني مطروحة للعربي والعجمي،
ولكن الفضل يرجع للفظ والصياغة، وكان
آخرون يفضلون المعنى على اللفظ، أما
عبد القاهر فقد فضل النظم، وسأذكر لك
قصة قصيرة لبيان ذلك، وللتعليق على
قصيدتك أيضا.
كان
أبو عمرو بن العلاء خارجا من المسجد؛
إذ سمع سائلا ينشد:
لا
تحسبن الموت موت البلى****إنما الموت
سؤال الرجال
كلاهما
موت ولكن ذا****أشد من ذاك على كل حال
فأعجب
أبو عمرو بالبيتين، وأمر غلامه أن
يأتي بالدواية والقرطاس ليكتبهما،
فرأى الجاحظ ذلك فتهكم بأبي عمرو،
وقال: ليس بشاعر، ولولا أنني أخشى أن
أدخل في الغيب لقلت إنه لن يولد له
شاعر، ثم ذكر المفاضلة التي ذكرتها لك
بين اللفظ والمعنى.
وعلى
وجهة نظر ابن العلاء فقصيدتك شعر جيد
يستحق التدوين كما كان أبو عمرو يدون
شعر العرب حتى كان له بيت مملوء من
السقف إلى الأرض بأشعار الجاهليين،
أنت يا وليد تملك أدوات الشعر من حيث
الوزن والقافية، وتستطيع أيضا أن
تصوغ عباراتك صياغة محكمة بحيث نرى
لفظا رنانا، ومعنى قويا، ولكنك في
الوزن والقافية أكثر إتقانا بحيث لم
يختل منك الوزن إلا مرة واحدة عند
قولك:
هزوا
النفـوس أهانوا كل كرامـة
لـم يرفقـوا بالشيـخ والصبيان
فقد
انكسر الكامل في التفعيلة الثانية من
الشطر الأول، وهذه هي السقطة الوحيدة
في الوزن؛ فأنت تمتلك رصانة الوزن
العروضي، ولا ينفلت منك، وهذا معناه
أن الموسيقى في أحد شكليها تواتيك،
وتسلم لك قيادها، وتستطيع أن تشدو في
أنغام متناسقة لا عوج فيها، ولكنك في
الصياغة تتعثر أكثر من مرة؛ ففي البيت
الثاني تقول:
هم
يسألون: ألا تحس بجـرحنا؟
إنـا قضينا العمـر فـي أحزان
ومثل
ذلك يتكرر في قولك:
غيض
بهـم حتـى علـى الجـدران
فهذان
تعبيران لم تحكم صياغتهما، إلى ذلك
فإن المعاني الأخرى في القصيدة هي
معانٍ عادية مثل "نادى القدس لا
تنساني" (وفيه خطأ لغوي؛ فالصواب هو
لا تنسني)، أيضا "القدس من ظلم
اليهود يعاني"،
أنا
كم حلمت بأن أصلي ركعة
في المسجد الأقصى بلا استئذان..
هذه
تعد مقالة صحفية لكنها موزونة، ويمكن
أن نسميها نظما؛ ولذلك يجب أن تفرق
بين النظم والشعر.
الخيال
والصورة والمعنى النادر المبتدع الذي
نرى فيه قولا جديدا والصياغة المحكمة
هذا هو الشعر إذا نظمته في أوزان
صحيحة وقوافٍ مستقيمة.
وأنت
تصور وقد أخرجت بعض معانيك في صور
جديدة لا بأس بها، مثل قولك:
سد
بنته أصابع الشيطان
وغرستم الأشواك في الوجدان
إذن
فأنت تملك من الأدوات ما تستطيع به أن
تكتب الشعر، وتوفي بعناصر القصيدة
الجيدة، وما عليك إلا أن تتعايش مع
تجربتك أكثر، وتتأنى حتى تنضج
إبداعاتك، وأحب أن أقول لك: إن كل شاعر
هو صانع، ولعلك سمعت عن الحوليات
حينما كان الشاعر يعمل في قصيدته حولا
كاملا قبل أن يخرجها، ومدرسة زهير
وكعب، أما حديث الناس عن الارتجال
ففيه الكثير من المبالغة؛ فالطبع في
الإبداع لا يتنافى مع الإعادة
والتعديل في العمل، ولكن العيب في
التصنع الذي يؤدي إلى السماجة
والتفاهة، كما وصلنا من عصور
الانحطاط الأدبي.
وفقك
الله ورعاك.
|