|
أمست
بأرضك جملة الأوهام
|
|
يا
قندهار على رباك ســـلام
|
|
كيما
يكاد لأمة الإســـلام
|
|
جاء
الطغاة بقضهم وقضيضهم
|
|
أنَّى
لهم من هذه الأحــلام
|
|
أمسوا
بأرضك يبتغون غنيمة
|
|
شاهت
وجوه الكفر والأصنام
|
|
أهل
الصليب أتوا إليك شماتةً
|
|
وتحاكموا
بشريعة الأزلام
|
|
جاءوا
إليك، وقد تضاءل علمهم
|
|
إن
التمزق شرعة الإســلام
|
|
نزحوا
إليك، وقد تعالت صيحة
|
|
دون
العفاف ورِبْقَة الأرحـام
|
|
أعصابة
الأوغاد يا من عشتمُو
|
|
واجهتموها
بالصراع الدامـي
|
|
سنعيد
للتاريخ نور شريعــة
|
|
والأمن
ساد على مدى الأعوام
|
|
إن
الطهارة شرعة في ديـننا
|
|
شجن
الفؤاد وهَدْأَة النُّـــوام
|
|
قتلى
فلسطين الجريحة هيَّجوا
|
|
إن
الجهاد بنصرة العـــلام
|
|
لا
تحسبنَّ الله مخلف وعـدِه
|
|
رغم
الجنود وكثرة الأعــلام!
|
|
قد
ردَّ ربُّ العرش يوما أبرهة
|
|
نالوا
بها غضبا مدى الأيــام
|
|
عادوا
من البيت العتيق بحسرة
|
النقد
والتعليق:
الشاعرة:
منال درويش
القراءة
والتحليل:
إن
الظروف السياسية المحيطة بنا من كل
جانب تؤثر وبشكل كبير في ضمائر كل
الشعوب على وجه العموم، وتؤثر على
ضمائر شعرائنا وكُتّابنا في كافة
المجالات الأدبية؛ فنجد أنهارًا
متدفقة من الإبداعات القيمة التي
ترصد تلك المتغيرات التي حولنا
بأقلام واعية وصادقة من شأنها رصد
حركة تاريخية من خلال قلم مبدع.
والتجربة
الأدبية التي أمامنا المتمثلة في
قصيدة (قندهار) للشاعر جمال عبد
الناصر لهي أكبر شاهد على مدى تأثر
الشاعر بتلك المتغيرات، وشعوره القوي
بأن الخلاص لا بد أن يكون من خلال
شريعة إسلامية صادقة تُخرجنا من ظلمة
الذل والخضوع إلى نور اليقين
بقدراتنا على أن نسوس العالم ونقهر
الطغاة، فقط نحن محتاجون إلى العودة
إلى تلك الشريعة السمحة بكل ما فيها
من حقوق لنا وواجبات علينا تجاه ذلك
الدين القويم.
وهنا
نقف عند فكر الكاتب الذي يتحدى من
توهموا قسرًا أنهم قادرون على إخضاع
دولة الإسلام، وإذلالها في عقر دارها
بحملتهم الصليبية الغاشمة التي
أرادوا بها دحضًا لقوى الحق، متوهمين
بسط سلطتهم وسلطانهم على تلك الأمة
الإسلامية هنا في أفغانستان.. وهناك
في فلسطين، والصراع قائم، والطريق
إلى الخلاص طويل وصعب، لكنه غاية
المنال بالنسبة للكاتب؛ لذا يسترسل
الشاعر في تلك الفكرة معلنًا أن
التاريخ سيعيد لنا أمجاد الأمة
الإسلامية التي صالت وجالت شرقًا
وغربًا شمالاً وجنوبًا معلنة راية
التوحيد، ذلك الإسلام الذي جاء لينشر
الأمن والأمان بين كل الخلائق، ويمحو
عبودية النفس للنفس، ويزيل آثار
الطغيان والعدوان من فوق هامات البشر
والثكالى والمحرومين، ويقر ذلك في
آخر أبياته بأن ذلك وعد الله الكريم
لعباده المسلمين المخلصين.
الجو
العام للنص:
إن
الجو العام للنص من النوع الحماسي
الخطابي الذي يثير في النفوس الحمية
والقوة برغم بعض الاضطراب في أبيات
القصيدة صعودًا وهبوطًا، وقد ساعد
مضمون القصيدة المتمثل في الثورة على
حركة الإذلال التي تريدها القوى
الغاشمة ضد الإسلام على ظهور الشكل
العام للنص في إطار حماسي رافض لتلك
القوى.
ومن
هنا نجد أن الشاعر قد أتى ببعض
التركيبات البلاغية القديمة كي تخدم
النص، مثل "جاء الطغاة بقضهم
وقضيضهم"، والمقصود بها في النص
العدة والعتاد. ومن التركيبات
الجديدة "ربقة الأرحام".
التحليل
العروضي للنص:
نجد
أن الشاعر قد اختار بحر الكامل
للكتابة عليه، وهو مناسب جدًّا
للكتابات الشعرية الحماسية والوطنية
لما له من جرس قوي؛ حيث إن القصيدة
كلها على وزن هذا البحر (متفاعلن
متفاعلن متفاعلن)، وهذا يؤكد لنا أن
الشاعر مـلمٌ ببحور الشعر من خلال
دراسته الأكاديمية بكلية دار العلوم!
رؤية
داخلية للنص:
وبنظرة
متعمقة داخل أبيات الكاتب نجد الآتي:
يا
قندهار على رباك ســـلام
أمست بأرضك جملة الأوهام
جاء
الطغاة بقضهم وقضيضهم
كيما يكاد لأمة الإســـلام
بدأ
الشاعر قصيدته بالنداء كأسلوب خطابي
مثير للانتباه، طارحًا السلام على
روابي قندهار بأفغانستان التي
أحرقتها طواحين الوهم وأغرقها طوفان
الكابوس الصليبي القادم دون سابق
إنذار يهطل كأضغاث أحلام في ليلة
مطيرة مفعمة بالأوهام.
يستطرد
الشاعر في البيت الثاني شارحًا ماهية
"جملة الوهم" المتمثلة في الطغاة
القادمين بعدتهم وعتادهم غاية مرادهم
النيل من الإسلام والكيد له.
|
أنَّى
لهم من هذه الأحــلام
|
|
أمسوا
بأرضك يبتغون غنيمة
|
|
شاهت
وجوه الكفر والأصنام
|
|
أهل
الصليب أتوا إليك شماتةً
|
كلمة
"أمسوا" دليل على بقائهم ومكوثهم
فوق الأرض طالبين ما لا يستحقونه؛ لذا
يرد الشاعر في الشطر الثاني من البيت
متعجبا "هيهات فما هي إلا أحلام
وتنقضي"!
وأظهر
الكاتب في البيت الرابع الصورة
الحقيقية لجملة الأوهام المتمثلة في
الحملة الصليبية الجديدة كمًّا
ونوعًا وأهدافًا، وهم قادمون بكل قوة
لعلمهم تمام العلم أنه ليس هناك من
يذُود؛ لذا جاء تعبير الشماتة
مناسبًا، وظهر الوجه القبيح لعبدة
الأصنام وأنصار الكفر!!
|
وتحاكموا بشريعة الأزلام
|
|
جاءوا
إليك، وقد تضاءل علمهم
|
|
إن
التمزق شرعة الإســلام
|
|
نزحوا
إليك، وقد تعالت صيحة
|
يحاول
الشاعر أن يوضح أن القادمين (الحملة
الصليبية) يأتون على غير هدى وعلم من
خلال "وقد تضاءل علمهم"؛ ونظرًا لقصر هذا العلم فإنهم قد تحاكموا بشريعة غير شريعة الله
.
"نزحوا
إليك" تعني القدوم بكثرة من قِبل
جيوش الحملة الوهمية (الصليبية) التي
لم تجد أمامها سوى صيحة متخاذلة تنادي
بأننا في حالة التمزق لن نصنع شيئاً
للإسلام!!
|
دون
العفاف ورِبْقَة الأرحـام
|
|
أعصابة
الأوغاد يا من عشتمُو
|
|
واجهتموها
بالصراع الدامـي
|
|
سنعيد
للتاريخ نور شريعــة
|
يوجه
الشاعر كلماته في حدة إلى تلك العصابة
التي أتت على الأخضر واليابس ولا تعرف
خلقًا ولا دينًا، إننا من سيعيد نور
الحق وسيسجل هذا التاريخ الذي لم يخذل
أمتنا يومًا برغم مواجهاتكم لنا بقتل
الأبرياء وإسالة الدماء الطاهرة
بصراعكم الوهمي الذي أثرتموه!!
|
إن الطهارة شرعة في ديـننا
|
والأمن ساد على مدى الأعوام
|
|
قتلى فلسطين الجريحة هيجوا
|
شجن الفؤاد وهَدْأَة النُّـــوام
|
يبين
الشاعر في هذين البيتين أن مقصدنا من
البذل والجهاد طاهرٌ كطهارة شريعتنا،
وأنه من أساسها، وبرغم دعوى الجهاد
ونشر الإسلام بالحكمة تارة وبالسيف
تارة أخرى فإن الأمن ساد على مدار
أعوام كثيرة، ويهيج في نفس الشاعر شجن
القتلى في أرض فلسطين المحتلة، ويفقد
النوم والراحة والسكينة حزنًا وكمدًا
عليهم!
|
لا تحسبن الله مخلف
وعده |
إن الجهاد بنصرة العـــلام
|
|
قد ردَّ ربُّ العرش يوما أبرهة
|
رغم الجنود وكثرة الأعــلام!
|
|
عادوا من البيت العتيق بحسرة
|
نالوا بها غضبا مدى الأيــام
|
يقر
الشاعر في ختام القصيدة ما وعدنا الله
به من نصر وظفر على أعداء الإسلام،
ولن يتأتى هذا النصر إلا من خلال
الجهاد والبذل والفداء، موضحًا أن
الله قد حمى بيته الحرام من أبرهة
وجنوده برغم الكثرة؛ حيث عادوا
بالخزي والخذلان متحسرين؛ لأنهم
نالوا الغضب من رب العباد.
هناك
بعض الاختيارات الضعيفة في بعض
الكلمات والتي تعطي ضعفًا للصورة
الجمالية بالنص في القافية، والتي
أعتقد أن الشاعر قد قام بإدخالها لكي
تستقيم القافية كما في نالوا بها
غضبًا مدى الأيام.
وأخيرًا،
أجد أننا أمام شاعر واعد يملك أدوات
الشعر، وعليه أن يزيد من قدرته
الشعرية وتركيباته اللغوية من خلال
القراءات المتعددة للشعر العربي
الحديث والقديم؛ حتى يستطيع أن يختزل
الأساليب الشعرية الخاصة به التي
ستمثل شخصيته الشعرية دونما تقليد
لشاعر بعينه أو مرحلة شعرية بتاريخها.
|