بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

قصة قصيرة
شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير

نحن نكتشفك ونعرض لإبداعاتك بالنقد والتقييم، ونفتح لك أبواب التواصل مع رعاة الإبداع في كل مكان

أرسل إبداعك 

وردتان وأشواك.. كفاح أم

24/07/2002

منى عبد الهادي - 24 عامًا - أمريكا

بنيتي..

ها قد جرت بنا الأيام.. أكملت أعوامًا خمسة مرت بحلوها ومرها، ولطالما فكرت أن أكتب لك هذه الكلمات رغم أني أعلم أنك لا تعرفين القراءة بعد، ولكن سيأتي اليوم الذي تكون فيه هذه الذكريات صفحات من الذاكرة، فأحسست أن من واجبي أن أطلعك عليها لا، أعرف ماذا أقول وماذا أكتب؟ وأنا أحس أن السطور سلاسل تقيد قلبي وأغلال تثقل كاهلي، سنوات خمس مرت مليئة بالورد العطر والشوك الدامي، ولكن لا بد لك أن تعرفي قصة أمك وأبيك وصراعهما من أجلك.. إليك يا ابنتي قصة "وردتان وأشواك".

ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي قالت لي فيه الطبيبة الكشميرية:

مبروووك.. أشهر معدودة وسيكون بين يديك مولود في لون الزهر، وعينين بلون ريش الطاووس . وكنت أسعد إنسانة وأنا أعد الأيام والليالي إلى أن يأتي مولودي..

ولم يكن يعكر علي صفو سعادتي بالحمل إلا إحساسي أن الطفل قد تأخر في الحركة، فلم تتحركي يا ابنتي إلى أن صرت في الشهر السادس، وكنت أطمئن نفسي وأقول لعلَّ ذلك يعني طفلاً هادئًا بإذن الله ودعوت الله تعالى: اللهم إني أسألك حملاً سهلاً، وولادة سهلة، وتربية سهلة..

ومرت الأشهر محملة بالآمال والأحلام والأمنيات.. كنت أنظر إلى نفسي وأقول لزوجي: لقد بدأ طفلنا يعبر عن نفسه، وقد شغل حيزًا في أحشائي..

كنت كثيرًا ما أكلمك وأنت في رحمي كما لو كنت شخصًا ماثلاً أمام عيني يسمع ويجيب، كنت أشاركك أفراحي وأحزاني.. كنت أشتكي إليك مرارة الغربة التي أعيشها.. فلقد تركت بلادي وأحبتي منذ زمن بعيد.. كنت أحلم باليوم الذي سأضمك فيه إلى صدري  أرضعك اللبن والحنان، وأنظر الأمل في عينيك، والرجاء في قلبي المتلهف لطفل صالح بإذن الله تعالى..

وجاء اليوم المنتظر، وبكيت من الفرحة، وأسميتك اسمًا رائعًا يحمل الأمل والإشراق  في غدك.. واتصلت بأمي أبشرها بالوردة التي يسَّر الله سبحانه ولادتها والتي سمعت أول ما  سمعت كلمات التمجيد لله: الله أكبر.. الله أكبر..

ومرت الأيام وعلى ثقلها وصعوبتها في غربتي كنت سعيدة، فطالما أحببت الأطفال وعشقت ريحتهم، كنت أقول لوالدك في بداية زواجنا: أريد اثني عشر طفلاً، وكنت أرى الضحكة تتراقص في عينيه وأنا أقول له ذلك..

ومر عامان.. كنت خلالها أمًا لأول مرة بدون تجربة وبدون أم تنصحني أو خالة ترشدني، ولكن يسَّر الله تعالى أمري، وكنت أبذل ما بوسعي لأطبق ما أقرأه في كتب علم النفس وكتب تربية الطفل.

كان يشغلني هم في قلبي وأنا أرى ابنتي تكبر عمرًا، ولكن لا تتطور كأقرانها.. وما زلت أذكر ذلك الشجار الذي صار بيني وبين مديرة الروضة التي كنت تذهبين إليها، كنت أقول لها:

أريد أن أنقل ابنتي إلى غرفة الأطفال الذين في عمرها، فكانت تقول لي بطريقة مؤدبة وباردة: لكن ابنتك لم تمشِ بعد، وتلك الغرفة تحوي الأطفال الذين تمكنوا من المشي بمهارة..

وأذكر أن دمعة طفرت من مقلتي وأنا أحاول أن أتماسك وأتشجع أمام كلماتها..

وهل تعرفين يا مهجة قلبي.. عندما مشيت طارت الطيور مغردة في قلبي.. مشيت أول مرة من بين أقدامي إلى والدك الذي كان ينتظرك فاتحًا ذراعيه.. يا الله مشت وردتي، ومع مشيتها غسلت كثيرًا من أحزاني وهمومي.. ولكن.. لم تكن قدراتك العضلية هي كل همي.. كان كل شيء يبعث على الخوف..

الكلمات القلائل التي تحصلت عليها بلسان مكسر: ماما وبابا وباب ودب ولعبة وآيس كريم.. فقدتها بغمضة عين دون مقدمات ودون أسباب.. ولكن بعد شهور عدة اكتسبتها من جديد وحمدت الله.

ربما صوت أمي وهو يأتيني عبر الأثير على حق، ربما هي الغربة وتعدد الألسنة من حولك.. هناك كثير من الأمور التي ما زالت عالقة في ذهني، ذكريات طرية لم تيبسها السنين.. من أفراح ممزوجة بالدموع، وأوراد برية مليئة بالأشواك.. من أناس لا يتفهمون معاناتي، ويكتفون بمص شفاههم وتوزيع نصائح باردة..

ولكن كان هناك أمل في قلبي أن كل الأمر هو مجرد حلم أو كابوس وسأصحو منه خلال فترة من الزمن.. وحاولت أن أنسى..

وجاء مولودي الثاني.. ابنتي الثانية التي طالما دعوت رب العباد ألا يبتليني فيها كما ابتلاني في الأولى، ومنذ اليوم الأول علمت أن أمنيتي لم تتحقق. لقد كانت أختك تبكي الساعات الطوال، وقد تستمر بالبكاء لمدة ثلاث ساعات متواصلة من غير أن يفيد الرفع والهز.. والأطباء يقولون لي:

لا تقلقي مغص وسيزول.. ما أشد حمقهم.. ألم يروا أنها كانت ترفض حضني وتتشنج كلما ألقمتها صدري.. ألم يروا أنها لم تكن لتنظر في عيني.. ألم يروا أنها كانت طفلة لا ككل الأطفال.. كانت أحاجي وألغاز لم يكن لنا أن نفك طلاسمها في تلك الفترة.

ولكن.. بعد أن مرت السنوات الأربع من عمرك الميمون كان لا بد لنا أن نتحرك، كان لا بد أن نجد الإجابة لأسئلتنا: لماذا لا تتكلم ابنتنا إلا بالمفردات؟ ولماذا تسحبني من يدي وتشير إلى شيء ما كلما أرادت شيئًا؟ ولماذا ترتمي أرضًا كلما رأت ظلّ إنسان؟ لماذا الخوف من المجتمع والرعب من الأطفال؟.. لماذا تضحك وتبكي من غير سبب معلوم؟.. ولماذا تحرك أيديها وتهز رأسها في حركات سخيفة بليدة لا معنى لها؟.. لماذا؟ ولماذا؟...

وأخيرًا.. جاءنا الجواب على كل سؤال طرحنا، جاءنا خنجر قتل كل أحلامنا: إنه مرض التوحد!!

كيف يحصل هذا؟ ولماذا؟ وماذا أفعل؟ وما المخرج وكابوس التوحد يلازم الطفل طوال حياته؟ هذا الوحش الكريه الذي جاء وأخذ ابنتيّ من أحضاني، ولفني بوشاح أسود مليء بالخوف، والرعب، والحزن، واليأس.

كيف أنظر إلى المستقبل والتوحد قد أمسك بابنتي الأولى ثم الثانية؟!.. كيف أبتسم والأسى قد شلَّ عروقي؟!.. كيف أحلم من جديد والأمل قد خرج من قلبي وإلى الأبد؟ دموع سكبتها وما زلت أسكبها حتى اليوم، وأنا أطفئ شمعاتك الخمسة.. فأنت لا تعرفين إطفاء الشموع!!

ضحكات مجنونة تتراقص على شفتي وأنا أذكر الأمنية التي كنت أرددها: أريد اثني عشر طفلاً..

بنيتي.. لا تحزني مما قد جرى ويجري فالأقدار بيد الله عز وجل يفعل ما يشاء، ولا تبكي فأنت هدية من الرحمن ملأت حياتي بالأفراح، وإن كان فيها الكثير من الهموم، وهل الحياة إلا دمعة وابتسامة؟! فالورد ذو الشوك يهذب ويشذب.. والدموع لآلئ تزين طريقي.. رغم الشوك لن أتوقف عن الحلم.. لن يوقفني أحد.. فحلمي في قلبي وقلبي بين إصبعي الرحمن يقلبه كيفما يشاء.


النقد والتعليق:

د . عبد الخالق العف : "وردتان وأشواك" عنوان دال مشع يعني الكثير من الإيحاءات والدلالات قبل الولوج في أتون السرد وتداعيات الدراما القصصية.

إن تركيز هذه القصة على شخصية محورية هي الأم التي تخوض تجربة إنجاب طفلتين معاقتين نفسيًّا من سمات القصة القصيرة، مع الانتباه إلى الشعور المتسق المتنامي من أولها حتى نهايتها.. هذه القصة لم تنته بعد، وهي نهاية مفتوحة على كل التأويلات والتوقعات التي ينتجها القارئ.

وقد غلب الوصف السردي للأحداث على التحولات الدرامية المتلاحقة المكثفة وهو ما يسمَّى القصة القصيرة، فحارت في قالب خواطر وجدانية يصوغها حوار داخلي مع النفس دون الاهتمام بتنوع الأحداث وإبراز عنصر الإثارة والتشويق، وخلف المفاجآت المدهشة، ولعلَّ الموقف النفسي العام للراوي -الأم- قد فرض تركيزًا لا إراديًّا على بؤرة انفعالها، والإحساس المر بالإعاقة، وتوترًا شعوريًّا هو من أهم العناصر البنائية للقصة القصيرة، وسواء كان هذا الحدث واقعيًّا أو متخيلاً فإنه يحمل في ذاته الكثير من المشاعر الإنسانية المتأججة رغم أن الحبكة متراخية الترابط، بمعنى ضعف التماسك البنيوي لعقدة القصة تأزمًا وانفراجًا تشويقًا ودهشة.

إن من أهم عناصر القصة القصيرة الفكرة أو المضمون أو المغزى، وقد قدمت لنا هذه القصة مضمونًا وجدانيًّا جيدًا يهز كيان القارئ مع هذه الأم المبتلاة الصابرة، قال الله سبحانه:

"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ".

والأم صابرة على ألم الغربة، وأحاسيس الحنين إلى الوطن، وعذابات الشتات، وصابرة كذلك على إنجاب طفلتين مصابتين بمرض التوحد، وكنت أود أن تهيمن على مضامين النص سياقات إيمانية وعقائدية تهون عندها كل مصائب الدنيا عدا مصيبة الدين، وتصبح نعمًا يؤجر الإنسان عليها إذا احتسبها لله تبارك وتعالى.

إن المصائب ما تعدت دينه        نعمٌ ولو صعبت عليه قليلا

وما أصدق تعبير أفصح من نطق بالضاد سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط".

وقد راقَ لي تذكير الراوي في القصة بأن الأقدار بيد الله يفعل ما يشاء، والأطفال هدية من الرحمن.

عمومًا هذه محاولة جادة ناضجة لكتابة قصة قصيرة ذات بُعد إنساني هام، وقد تكاملت فيها عناصر السرد: الفكرة – الشخصيات – الزمان – المكان – الحبكة – الأحداث، وسلامة التراكيب اللغوية.

نتمنى للقاصة المبتدئة كل التوفيق والسداد، ونشكر لها تواصلها مع نادي المبدعين، ونرجو أن تتحفنا بالمزيد من الإشراقات الإبداعية المتميزة.

اقرأ أيضًا:


شعر | شعر بالعامية | قصة قصيرة |خط عربي | فوتوغرافيا | فن تشكيلي | جرافيك |كاريكاتير
أرسل إبداعك

شارك بنقدك وتعليقك

mawaheb@iolteam.com

نادي المبدعين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع