|
ليلة
شديدة البرودة.. سرت أنا وصديقي في هذا
الشارع القديم.. الأرض تلمع كمرآة
سوداء الشارع يكاد يخلو من المارة...
دائما ما أنظر إلى مبانيه القديمة
وكأن بها الماضي ... كأن السماء تضيء
بأرواح تحوم فوقها ... أنظر إلى هذه
الشرفات القديمة المغلقة .. وكأني
أسمع منها أصواتا صامتة ...
سألت
صديقي وبصري إلى الشرفات القديمة...
ترى من يسكن هنا الآن؟… سألته ولم
أستمع لإجابته … أريد أن أدخل إحدى
هذه العمارات… لا بد أن أحدا بالداخل…
وبجرأة لم اعتدها من نفسي دخلت أول
باب لعمارة قابلتني … ربما شجعني على
ذلك عدم وجود بواب على المدخل.. ولكن
ما إن دخلت حتى وجدته جالسا بجوار
الباب داخل المبنى .. بشرة سمراء.. نظر
إليّ نظرة باردة .. ولكنه لم يسألني
إلى أين أنت ذاهب …. هزني الموقف
ولكنى لم أقف..
سرت
بخطاي الثابتة.. إلى حيث أريد.. وكأن
هذا الموقف كان بوابة العبور .... وكأني
في عالم آخر في زمن مضى .. سكون .. بدأت
أجول بنظري داخل هذا المبنى القديم ...
جدران عالية .. سلم كبير في المنتصف...
يتفرع منه سلمان على جانبيه لأعلى أين
أنا؟؟... الإضاءة خافته ... ثابتة ... ليس
بالمبنى ألوان .... لون الماضي فقط ..
الغريب أني لا أسمع شيئا بأذني ... ولا
حتى وقع قدمي على الأرض.. ولكن الحياة
حولي من كل مكان.. ميتة.. ولكنها موجودة..
أحس بها...
بدأت
أصعد درجات هذا السلم المهيب...
الإضاءة تزداد خفوتا في أعلى... وحين
وصلت إلى نهايته.. كان عليّ أن أختر
اتجاها ...السلم الأيمن أم الأيسر...
يبدو أن النهاية واحدة ...قرار صعب ..
فقد انتهى الضوء الخافت مع نهاية
السلم الكبير ...هل أعود؟..ولماذا
أخاطر بالصعود في هذا الظلام .. لم
يستوقفني السؤال كثيرا…
وبدأت
صعود السلم الأيسر… أكاد أنصهر من
الخوف.. نبضات قلبي تزداد بشده.. لا أرى
شيئا بعيني ….......ولكن هاهي … الحياة
…رأيتها مع الضوء الأصفر المنبعث من
شقة تبعد عنى بدرجات .. صعدت .. كان
الباب مفتوحا …. شقة من الطراز القديم
….يكاد الخوف يقتلني …. وفجأة…دوى في
أذني صوت أدوات معدنية … أدوات مطبخ
… كان صوتها في نفسي كالرعد …...قلبي
يكاد يتوقف…هو آخر شيء مازال فيه
حياة هنا…
لم
يدم هذا الشعور للحظات.. حتى وجدته
واقفا أمامي…وبصوته الذي أعرفه
سألني.. - أي خدمه يا أستاذ؟….ساعتها
أحسست أن قلبي توقف بالفعل،، ولكنى
مازلت على قيد الحياة –الأستاذ نجيب
الريحاني!!!!!! – أيوه…تحت أمرك – مش
ممكن…أنت عايش؟!!! -لأ طبعا... - إزاي...ما
أنت بتكلمني أهوه!!!!! _أنا يابني
دلوقتي...جسد بلا روح.... تشرب شاي؟ –
جسد بلا روح… افتكرتك هاتقول العكس ..
ثانيا
شاي إيه؟؟.. إنت لسه بتاكل وتشرب!! -
طبعا ... الجسد هو اللي بيحتاج للأكل
والشرب .. الروح دي ما بتحتاجش لحاجة.. -بس
هي اللي بتحرك الجسم وتخليه ياكل
ويشرب...صح؟ - مين اللي قال كده...إنت
تعرف الروح دي إيه..ولا بتعملك إيه؟ -
أعرف أنها هي اللي مخليانى عايش .. -هو
إنت عايش؟!!.... -الحمد لله - يابني...ليس
من مات فاستراح بميت ...إنما الميت ميت
الأحياء.. -ما شاء الله ...حضرتك سبت
الكوميديا وحولت دراما .. -طول عمري
بجيب الكوميديا من الحياة الدرامية...
-احنا عاوزينك يا أستاذ نجيب - طب ما
أنا معاكو... -لأ...دلوقتي...عايزينك
تضحكنا على نفسنا تاني... -خلاص يابني
ما يجيش منه..
-ما
تنزل معايا يا أستاذ.. -مستحيل...خليك
إنت معايا لو عايز.. -ممكن؟؟!!! –لو
عايز ….بس ها تفضل هنا على طول ..مش ها
تخرج من باب الشقة دي .. – إزاي !!!…ده
يبقى سجن – يعني إنت بره حر؟ - إنت
صحيح مين اللي بيجبلك الأكل والشرب؟!!!
_عم بيومي البواب الله يستره - آه...الراجل
الأسمر اللي تحت..؟؟ - أيوه..
وأثناء
حديثي .. نظرت داخل إحدى الغرف ..مكتب
عليه مجموعة من الكتب المتراصة وبعض
الجرائد... وبجواره شرفة مغلقة... ها هي
الفرصة.. الشرفات التي كنت انظر إليها
من الخارج سوف أنظر منها إلى الخارج....وبدون
استئذان.. توجهت لأفتح الشرفة - أستاذ
نجيب:..رايح فين؟ - بعد إذنك هافتح
البلكونة.. -إياك... - ليه بس..ثانية
واحدة.. باب الشرفة مغلق بشدة ... أغلقه
الزمن.. بقوة وحزم جذبت الباب....فتحت
الشرفة...ولكن الجزء الآخر من الباب
هوى في الشارع ... الخشب قديم لم يتحمل..
وقبل
أن أنظر إلى الشارع التفت إلى الأستاذ
نجيب قائلا - معلش أصل ال...ولم أكمل
لأني لم أجده أمامي... أستاذ نجيب ...أستاذ
نجيب...إنت رحت فين؟…أستاذ نجيب، وإذا
بصديقى يجذبنى من ذراعى قائلا –
أستاذ نجيب إيه ..إنت اتهبلت …العربية
كانت ها تخبطك.. نظرت إلى صديقي بذهول…إيه
ده..!!………………….أنا لسه في عماد
الدين!!!.. لأ… دا احنا في العباسية
دلوقتي.. اصحى يابني..
لم
أكد أفيق من ذهولي …حتى التفت إلى صوت
تجمهر …تجمع كبير…حادثة توجهت
مباشرة نحوهم...صوت التمتمات يعلو
تدريجيا في أذني ...لا حول الله يا رب -
فيه إيه؟ الراجل كان ماشي في أمان
الله وقعت عليه درفة بلكونة … زاغ
بصري من الكلمة… اندفعت داخل دائرة
الناس كالمجنون… جثة مغطاة .. أثار
الدماء على الغطاء…مات…. وبجواره
درفة البلكونة…نعم هي.. لا أكاد أصدق
نفسي….وبصوت مرتجف …سألت.. _عرفتوا هو
مين؟؟ التفت وأنا أرتعش وكأني أبحث عن
الجواب بعيني وليس بأذني... وإذا بعم
بيومي البواب يبكى ويقول: الله يرحمك
يا أستاذ نجيب.
النقد والتعليق:
الأديبة
عزة سلطان
فانتازيا
الواقع، أو هو واقع الفانتازيا أيًا
كانت المسميات فلا أحد ينكر أن هذه
الفانتازيا تأسرنا، وأن نرى أنفسنا
مكان الغير، ورحيل العقل في رحلة
ميتافيزيقية يشهد التفاصيل السابقة
للحدث ثم يرتد لصاحبه ليشهد نتيجة
الحدث، هي طريقة في السرد تعجب
الكثير، لكنها تحتاج إلى خيال كبير،
وامتلاك القاص لأدواته بشكل جيد.
لكن
القاص في هذا العمل قاموسه اللغوي ليس
ثريا بالدرجة الكافية، والثراء الذي
ننشده ليس له طريق أوضح ولا أسهل من
تنمية قراءاتك يا أحمد، كما ننصحك
بالتقليل من الاستخدام المطرد لأدوات
التشبيه مما أفقد النص كثيرًا من
بلاغته.. كذلك نود لو التفت مبدعونا
الشباب إلى أهمية علامات الترقيم،
فهي هامة جدًا في النص النثري والقصص؛
حيث ترشد القارئ لرؤية المبدع نحو
قراءة نصه" انتهى تعليق الأديبة
عزة سلطان
وأود
أن أشير بالنسبة لقضية علامات
الترقيم، فهي إحدى الوسائل الفنية
التي يهملها كثير من المبدعين الشباب
رغم أنها تثري العمل بما لا تستطيعه
وسيلة أخرى، وعلامات الترقيم لغة
أخرى موازية للغة الحروف والكلمات
وتستطيع هذه اللغة إن أجيد استخدامها
أن تُحلِّق بالنص في أجواء جديدة
وُتكسبه معاني وأفكارا لا يمكن
للأديب توصيلها بلغة الحروف
والكلمات، ولعل من أحد أبرز من
استخدمها في الأعمال القصصية
والروائية هو الأديب إحسان عبد
القدوس.. فقد كان يستخدم النقاط
المتتالية مثلا إذا أراد أن يطلق عنان
خيال القارئ في تجسيد وصف معين أو
مشاعر بذاتها.. وعلامات التعجب مثلا
تضفي على النص مشاعر الدهشة والتعجب
أحيانا أفضل من كثير من الكلمات
والجمل؛ فلنجرب أن نستخدمها بمهارة
وحرفية ولنرَ...
المحرر
|