|
إيمان صدقي خضر / ندى
الحسن – مخيم البداوي بلبنان**
|
"ما بدنا رز مسوّس... بدنا
نرجع عالبارد" بهذا الهتاف استقبلني
الأطفال النازحون عند مدخل مدرسة نهر
الأردن في مخيم البداوي، بعدما تركوا
بيوتهم في نهر البارد غصبا، بحثا عما
ينتظرهم من مستقبل مجهول، ووعود وهمية من
مختلف الجهات.
يافطات علقت، تنادي بالعودة
إلى مخيم البارد عند المدخل، ونساء يغسلن
أغراض أسرهن البسيطة، ويملأن المياه
التي ربما ستكون الأمل الوحيد لإعانتهم
على استمرار الحياة.
في الطابق الأول من المبنى
المؤلف من أربعة طوابق، كانت العائلات
متراكمة في غرف؛ في الغرفة الأولى ما
يزيد على أربعين شخصًا، وإلى جانبها غرفة
أصغر مساحة فيها ثلاث عائلات، عدد
أفرادهم حوالي واحد وعشرين فردًا، وبقية
الغرف بنفس الحال إن لم تكن أسوأ حالا من
ما قبلها.
تحكي الحاجة "أم سعيد"
عن رمضان الذي سيهلُّ على الأمة
الإسلامية بعد أيام، وما إذا كانوا قد
استلموا من الجهات المسئولة ما يعينهم
على صيام هذا الشهر الكريم من مؤن، فكان
ردها غير متوقع: "ما قيمة الكلام؟"،
بادرتني "أم سعيد" رافضة أن تشرح
الوضع المعيشي المأساوي الذي تعيشه الآن
وينتظرها في رمضان.
بنات نهر البارد.. من
لهن؟
إلا أن السيدة "مها وهبي"،
اقتربت مني بالمقعد التي كانت تجلس عليه،
وأخذت تشرح لي الوضع المنتظر، قائلة: "يختلف
رمضان عن أي رمضان مرّ علينا سابقا،
حياتنا صعبة جدا، وتعيسة هنا، وقبل
الكلام عن قدوم رمضان، أريد أن أحكي لكِ
وضع النساء والبنات هنا؛ الشباب يضعن قطع
كرتون، وينمن تحت في ملعب المدرسة، حتى
لا يناموا في نفس الغرفة التي ينام فيها
البنات من عائلات مختلفة، ولك أن تتخيلي
كيف لهن أن يستحممن بوجود شباب في نفس
المكان، فعلى سبيل المثال؛ أي بنت هنا
تريد أن تدخل الحمام ليلا، يصطحبها أخوها
بمختلف الطوابق وصولا إلى حمامات
المدرسة"، أما عن وضع كبيرات السن من
النساء، فتضيف: "النساء العجائز،
وضعهن قاسٍ جدًّا، فهنا يوجد سيدة لا
تستطيع المشي لم تستطع أن تنزل لتستحم
منذ أربعة أشهر، ونحن نضطر أن نضع لها
حفاظات أطفال لعجزها عن القدرة عن النزول
والصعود إلى الحمام الموجود بطابق مختلف".
إفطار رمضان بنهر البارد
تستأنف الأخت مها كلامها
قائلة: "والآن رمضان قادم، كيف سنطبخ
الطعام؟، وأين سنطبخ طعامنا؟، الأكل
الذي يأتينا جاهز لا يوصف؛ فهو عبارة عن
كعكة بتمر، وطبق أرز، وفريكة، ولوبياء،
منذ 4 أشهر لم يتغير، ويصلنا فوق بعضه
البعض، والعشاء عبارة عن سندويتش يأتي
حامضا".
قاطعتها حاجة عرفتني على
نفسها باسم "أم كريّم"، قائلة: "حياتنا
مأساة، حياتنا رعب، نحيا في المدارس حياة
لا يتحملها أحد، أليس المسلم أخو المسلم،
والمؤمن أخو المؤمن، حرام ما يرتكب
بحقنا، ستون عام نحيا مستقلين في مخيمنا،
سكنا أول مجيئنا من فلسطين في بيوت من
القصب، ثم بنينا بيوتا من اللبن، وبعدها
بيوت زينكو، إلى أن طورنا أنفسنا، وبنينا
بيوتنا، وأصبح لنا تجارتنا، استفاد منها
اللبنانيون مثلما استفدنا منهم ها نحن،
خرجنا ولنا عند من يرفضون عودتنا ديون،
وعشنا معهم في سلام، تحملنا ما لا يتحمله
أحد حتى أسسنا لنفسنا وضعا مقبولا، كانت
المرأة منا تلد ليلا، وتقوم صباحا لتعجن،
وتخبز، لكي تسير هذه الحياة، تخفيفا عن
رجالنا وأطفالنا كي نعيش بكرامة، وهم لا
يرحموننا لا يرضون لنا الكرامة".
نداء أم سعيد.. هل من
مجيب؟
فجأة قررت "أم سعيد" أن
تقطع صمتها قائلة: "إذا كان فيهم ضمير،
لا يتركوننا نمضي رمضان هنا، هذا حرام!"،
صرخت سيدة أخرى كانت تجلس بالقرب من أم
سعيد، تدعى "بدرية عبد الرحيم"،
قائلة: "سنعود إلى مخيمنا لنقضي رمضان
هناك، والله إن لم يعيدونا، سنذهب نحن
النساء نفدي أولادنا ورجالنا ودعوهم
يقتلوننا".
وأخرجت "أم كريّم"
طنجرة طعام، ومقلاة، يغطيهما الصدأ،
أرسلت للاجئين من النرويج، وقالت لي هذه
هي أوعية طعام الحيوانات التي أرسلوها
لنا، بالإضافة إلى موقد غاز صغير يهب،
ولا يشتعل لندبر أحوالنا بها، أعيدونا
إلى مخيمنا، نحن ضد التوطين والتهجير،
نريد فقط أن نعود إلى البارد، أو ليردونا
إلى فلسطين ونسامحهم على ما فعلوه بنا،
إن شاء الله لن نموت!"، هكذا أنهت بدرية
كلامها والدموع تملأ أعينها.
أما "أم وسيم" فقالت:
"شبابنا قاعدون دون عمل، وضعنا لا يرضي
مسلمًا، الأمراض تملأ المكان، نستحم تحت
في الطابق الأرضي، جميعا نساء ورجالا، لا
ماء في الطوابق، نريد أن نعود إلى مخيمنا
في رمضان، كيف يجمع أحدنا عائلته على
مائدة رمضان في غرفة مكتظة بأربعين شخصا؟!،
وأين الطعام؟!، الشباب عاطلون عن العمل
منذ نكبة البارد، حرام والله ما يجري
حرام نريد العودة إلى مخيمنا".
أوضاع طلبة البارد
أما الشباب الجامعي، فعلى
عكس المفترض من استعداد لعامه الدراسي
الجديد، قالت لنا "مريم ديب"، طالبة
جامعية بمجال العلوم الاجتماعية: "أريد
أن ألقي الضوء على مشكلة أخرى مهمة ترتبت
على تهجيرنا هنا، فلقد خسرت أنا ومن معي
من شباب جامعي من أهل البارد عامهم
الدراسي، حتى الدورة الثانية، لن أستطيع
أن ألتحق بها، فلقد حاول أهلي أن
يستأجروا بيتا صغيرا في محيط جامعتي،
ولكنهم لم يتمكنوا".
وبانتهاء جولتي، وتحديدًا
عند الخروج من المدرسة، كان هناك شبان
ونساء وأطفال يهتفون، وينددون بوضعهم،
رافضين للتوطين أو التهجير، ومطالبين
بالعودة إلى مخيمهم "نهر البارد".
مدارس الأنروا
وحول إخلاء المدارس، وبداية
العام الدراسي الجديد، كان لنا هذا
الحوار مع أ.خليل هنداوي، الذي أخبرنا أن
المطروح الآن بشكل مبدئي، يخص صفوف
الشهادات الثانوية والمتوسطة؛ فصفوف
الشهادة المتوسطة يداومون في مدرستي رفح
والمدية التابعة للأونروا في طرابلس،
وصفوف الشهادة الثانوية يداومون في
مدرسة اللد التابعة للأونروا في طرابلس،
وأن يكون موعد الدوام في 13 من تشرين الأول.
أما عن إخلاء المدارس التي
يتواجد فيها النازحون، سواء في مخيم
البداوي، أو في بعض مدارس طرابلس، فمن
جهته أكد هنداوي أن الدولة قد طلبت إخلاء
مدارسها في 17 أيلول، لاستلامها في 20
أيلول بطرابلس.
وأضاف: "في حال إخلاء
المدارس، سيكون طلاب البارد والبداوي،
المسجلين بالقسم الابتدائي في مدارس
البداوي، على أن يكون هناك من دوريتين
إلى ثلاث دوريات، وفي حال إعادة النازحين
إلى أطراف المخيم، سيكون هناك مدارس
جاهزة على غرار البيوت الجاهزة في مجموعة
أراض استأجرتها الأنروا".
أحلام للبارد
وبسؤال أحد مديري واحدة من
مدارس الأونروا عن نسبة الرسوب والنجاح
في الشهادة المتوسطة والثانوية في العام
الماضي الذي شهد دمار المخيم، أكد أن
نسبة النجاح بين طلاب الشهادات الثانوية
مرتفعة؛ لأنهم كانوا قد أنهوا عامهم
الدراسي وقت بدء المعارك، بينما طلاب
الشهادة المتوسطة الذين لم ينهوا العام
الدراسي عند بداية هذه الخلافات، فكانت
نسبة الرسوب بينهم عالية جدًّا، وترجع
بالتأكيد إلى ظروفهم الصعبة التي
عاشوها، والتي منعتهم من استكمال عامهم
الدراسي.
وكانت المسئولة الإعلامية
لوكالة الغوث، هدى الترك، قد أعلنت عن
نية تأجير أرض حول المخيم لإقامة مدارس
جاهزة، وبيوت جاهزة، وعرفنا أن قطعة أرض
من الأراضي مقدمة من شخص فلسطيني،
يمتلكها، ولكن من الواضح أنه قد سجلها
قانونيا باسم قريب له لبناني الجنسية،
تجنبا لاختراق القوانين اللبنانية التي
تمنع الفلسطيني من تملك الأراضي بلبنان،
وأعلنت الترك تقديم 600 دولار لكل فرد،
ليستأجر شقة لمدة ثلاثة أشهر.
ولكن يبقى في النهاية الوضع
الحاضر والمستقبل لأهالي البارد مجهول
تمامًا، فسواء كان طالبا أو أبا أو أما،
يبقى مصيرهم في علم الغيب حتى الآن،
ويبقى حلم الرجوع إلى الوطن، أو حتى
المخيم بعيد المنال..
اقرأ أيضا:
* تقرير
وارد من أحد المتطوعين بصفحة شباب النت،
والتي تلقيناها عبر بريد
صفحتنا الإلكتروني.
** متطوعون
مقيمون بلبنان، مشاركون بحملة "مخيم
نهر البارد.. حي على التطوع" بصفحة "شباب
النت.. غير مجتمعك بالتطوع".
|