|
من حرب إلى حرب، ومن معاناة إلى أخرى يعيش الآلاف من الأطفال في العالم العربي حياة قاسية، فمن آلام العدوان الإسرائيلي ضد أطفال لبنان وفلسطين، إلى ضحايا الاحتلال الأمريكي للعراق، بات الطفل العربي يبحث عن مستقبله في عمق المأساة، إنه ضحية لعدم الاستقرار السياسي.
طبقًا لليونيسيف "صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة" فإن القصف الإسرائيلي على لبنان خلال حرب يوليو/ تموز 2006 أدى إلى تدمير حوالي 50 مدرسة وإتلاف ما يصل إلى 300 مدرسة أخرى، وتحولت آلاف المنازل إلى أنقاض، وقتل ألف مدني خلال الحرب، ثلثهم من الأطفال، هذا بخلاف مليون قنبلة عنقودية "طبقًا لنشرة منظمة العفو الدولية" لم تنفجر بعدُ ملقاة في المنازل والحقول والطرقات تنتظر أطفال لبنان.
وإذا كان من الممكن إعادة بناء المنازل والجسور التي دمرتها الحرب، فإن جراح آلاف الأطفال الخفية والترميم العاطفي والنفسي لسيكولوجية هؤلاء الأبرياء عقب الحرب، ومساعدتهم على شق طريق المستقبل يستغرق بالتأكيد وقتًا أطول وجهدًا أكثر، وفي بلد يعاني أزمة مزمنة.
من أجل هؤلاء الأبرياء نشأت جمعية "تكافل" لرعاية الطفولة من مجموعة من المتطوعين أخذوا على عاتقهم هذا العهد، فكانت أول من قدم المساعدة لنازحي "نهر البارد"، خلال الأزمة الأخيرة في لبنان، ويؤكد القائمون على المؤسسة أنها قامت استجابة لواقع الطفولة في المنطقة العربية بشكل عام ولبنان وفلسطين بشكل أخص.
اهتمام "تكافل" بالأطفال
تأسست جمعية التكافل لرعاية الطفولة "تكافل" في لبنان على يد مجموعة من المتطوعين والعاملين في الحقل الإنساني الخيري والمتخصصين في علم الاجتماع والتنمية عام 2004، وجعلت غايتها رعاية الطفولة وحمايتها وتخفيف معاناتها وإعداد جيل مثقف واع لحقوقه مشارك في تقرير وتحقيق مصيره.
وهي جمعية خيرية غير ربحية، تعتمد في تمويلها على جمع التبرعات والجمعيات والمؤسسات الأخرى التي ترعى الأيتام والأطفال على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، أما العاملون بالجمعية فأغلبهم من المتطوعين من الشباب اللبناني الذي يريد خدمة بلده من خلال مساعدة الأطفال في فلسطين واللاجئين في لبنان وغيرهم من المتضررين، وهناك غير المتطوعين عدد من المتفرغين كليًّا للعمل بالجمعية.
يؤكد القائمون على المؤسسة أنها نشأت استجابة لواقع الطفولة في المنطقة العربية بشكل عام والضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان بشكل أخص، وهي إذ تؤكد عدم قدرتها على تغطية ساحة العمل التي تستهدفها، أو القيام بعبء العمل في مجال رعاية الطفولة وحدها -وإن حاولت ذلك من خلال مجموعة متكاملة من البرامج الرعائية والخدماتية- فهي تأمل في يوم من الأيام، ومن خلال التعاون مع كافة المؤسسات المعنية بشئون الطفولة محليًّا ودوليًّا أن تصل إلى تحقيق أهدافها في تأمين رفاهة الأطفال وحمايتهم ورعايتهم، لا سيما أن أطفال المنطقة وتحديدًا الأطفال الفلسطينيين بحاجة إلى قدر أكبر من العناية والرعاية والاهتمام.
|
 |
 |
 |
|
|
رياض الخطيب.. المدير التنفيذي لتكافل
|
أما لماذا اختارت "تكافل" توجيه الاهتمام لفئة الأطفال فيقول رياض الخطيب المدير التنفيذي للجمعية: "لا يمكن الوصول إلى عالم أفضل إذا لم تقم أسسه على تقديم فرص أفضل للأجيال المقبلة؛ فالتعليم النوعي، وتوفير العناية الصحية، وإفساح المجال أمام المشاركة الفعالة في المجتمع، وهذه كلها دعائم بناء مستقبل أفضل لأطفالنا.
ونحن نحاول تحقيق هذه الأهداف من خلال الاستثمار في الطفولة؛ لأنه يؤمن عائدات اقتصادية عظيمة، في حين أن الفشل في هذا المجال قد يؤدي إلى فقر وعدم مساواة مدمرة عبر الأجيال. وبنظرة فاحصة لأوضاع الطفولة في العالم العربي تجعلنا ندرك كم نحن بعيدون عن تحقيق ما نتمناه لأطفالنا، ويصبح المشهد أكثر سوءًا حين ننظر لوضع الطفولة في فلسطين، وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفي لبنان بشكل عام".
ويضيف الخطيب: "لذا كان على الدول العربية أن تبادر إلى اتخاذ الخطوات الضرورية لبدء الاستثمار في الطفولة، قد تكون الخطوة الأولى صعبة؛ لأن مثل هذا النوع من الاستثمارات يحتاج إلى تمويل ضخم، والكثير من التخطيط والجهود المشتركة بين الحكومات والمنظمات الأهلية، ولكن من المؤكد أن الموضوع يستحق المحاولة؛ ولهذه الأسباب قررت تكافل أن تبادر، وتمد يديها لكل الجهات الرسمية والطوعية والتخصصية، وكلنا رجاء بأن يعطي استثمارنا في الطفولة اليوم عالمًا أفضل للبشرية في الغد".
نشاط محلي وإقليمي
وحول ما يميز تكافل عن الجمعيات العديدة المنتشرة في لبنان يرى الخطيب أن رغم وجود العديد من الجمعيات فإن أغلب هذه الجمعيات تستهدف الأيتام والمعوقين، ولكن عندما أنشئت "تكافل"، حرص فريقها على أن تتميز أهدافها وبرامجها وأنشطتها منذ البداية، فهي تتميز باستهدافها الأطفال في جميع مراحل حياتهم للكشف عن الطاقات الإبداعية الكامنة لديهم ورعايتها وتنميتها وتطويرها، هذا بالإضافة إلى أن كثيرًا من الجمعيات تعمل بشكل محلي أما تكافل فتعمل على الصعيد الإقليمي والدولي.
كما يضيف الخطيب: إن خدمات تكافل تغطي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين، كما تقدم خدمات أخرى للأطفال في لبنان، وفي مخيمات اللجوء الموزعة على مختلف المناطق اللبنانية، ومن أهم البرامج التي تقدمها تكافل لهؤلاء الأطفال برامج الرعاية الاجتماعية، والرعاية الصحية، والرعاية التربوية والحقوقية والثقافية، ورعاية الإبداع، والتدريب والتطوير، والمشاريع التنموية".
وتهدف "تكافل" من خلال هذه البرامج إلى غرس المبادئ السليمة والأخلاق الحميدة في وجدان الطفل، بالإضافة إلى تحسين الأحوال المعيشية والصحية للأطفال، وخصوصًا الأيتام منهم، ورعاية الأطفال المعوقين والمشردين ودمجهم في المجتمع، والرعاية التعليمية والتربوية والحقوقية والثقافية، والتدخل النفسي والاجتماعي للأسر، ومحاربة عمالة الأطفال والتسرب المدرسي، ونشر وتعميم ثقافة حقوق الطفل، وتعزيز مشاركتهم في التعبير عن آرائهم وصناعة القرار، والاهتمام بإعلام الطفل، والعمل على توجيهه بشكل يتلاءم وحاجات الأطفال ورغباتهم، والبحث عن منابع الإبداع ورعايتها والاستفادة منها لدى الأطفال.
إنجازات "تكافل"
وعما حققته "تكافل" حتى الآن من هذه الأهداف يقول الخطيب: "بدأ العمل تقريبًا في الجمعية منذ منتصف عام 2005، وعملنا على تنفيذ مشاريع متعددة فعلى الصعيد الاجتماعي تتوجه تكافل من خلال البرامج للأيتام والأطفال المحتاجين، وذوي الاحتياجات الخاصة ونرعى حاليًّا حوالي 3 آلاف يتيم في لبنان وفلسطين، و250 طفلاً محتاجًا، وكذلك العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة".
ويؤكد: "تعمل تكافل أيضًا من خلال تقديم الخدمات الموسمية والإغاثية الطارئة، مثل برامج رمضان وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وبرامج الشتاء... إلخ".
أما فيما يخص الخدمات الطارئة، فيشير الخطيب إلى أنه كان لتكافل دور مهم خاصة أثناء الحرب الأخيرة في لبنان وبعدها، وذلك من خلال تقديم مساعدات عينية ومالية وأدوية بالتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية الأخرى واستهدفت بشكل خاص المهجرين من بيوتهم أثناء الحرب.
وبالنسبة للرعاية الصحية يقول الخطيب: "إن ملايين من الناس في العالم العربي يموتون بسبب الأمراض والأوبئة وعدم توفر الرعاية الطبية وعدم القدرة على دفع تكاليف العلاج وشراء الأدوية، وحرمان الأجيال من التلقيح في سن الطفولة، وتأتي الحروب بكل أشكالها البشعة لتزهق أرواح البشر وتترك من بقي على قيد الحياة بين جريح ومريض ومعوق، وما لهذه الحروب من آثار نفسية سلبية، لتزيد من مآسي الشعوب ومعاناتها، والاستشفاء من الأمور الصعبة جدًّا ففي لبنان تعتبر فاتورة الاستشفاء عالية جدًّا وفي نفس الوقت لا يوجد ضمان صحي للجميع، وفي فلسطين 32% من أسر قطاع غزة تجد صعوبة في الحصول على الخدمات الصحية".
ولذلك حرصت "تكافل" على أن تعتني ببعض البرامج الصحية عناية خاصة، لما له من أثر طيب في إنتاج جيل صحيح قادر على العطاء والحياة، ومن أجل الحفاظ على أطفالنا وبناء مجتمع سليم الجسد والعقل، فلا بد -وهو من حقهم- أن يتمتعوا بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه مع حقهم أيضًا بمرافق علاج الأمراض، وإعادة التأهيل الصحي، كما تنص المواثيق والاتفاقيات الدولية.
برنامج الدعم النفسي
أما عن الرعاية النفسية فيقول الخطيب: "قامت تكافل بعدة دورات شاركت في بعضها فريق التدريب النفسي التابع لشبكة "إسلام أون لاين.نت" في مناطق متعددة في لبنان أثناء وبعد حرب تموز.
ومن الناحية التعليمية تقدم مساعدات تعليمية للأطفال المحتاجين، بالإضافة إلى تأمين اللوازم المدرسية مع بداية كل عام دراسي. كما أن هناك أيضًا إنجازات لتكافل في الناحية الإبداعية لدى الأطفال، فبرنامج رعاية الإبداع من أهم البرامج التي تعمل عليها تكافل وتنبع أهميته، مما يعنى به من عناصر التميز والتفوق والإبداع.
وكان آخر ما قامت به تكافل على أرض الواقع -كما أشار "محمد الصفدي" مدير وحدة المتابعة والتفعيل بالجمعية- أن بادرت "تكافل" إلى تجهيز حملة إغاثة للنازحين من مخيم نهر البارد إلى مخيم البداوي والمناطق اللبنانية الأخرى، منذ بداية المعارك في مخيم نهر البارد في شمال لبنان بين الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام، كما قامت هي ومجموعة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية المحلية بإحصاء النازحين وتسجيلهم وتوزيعهم على أماكن اللجوء في المدارس والأندية وعند الأهليين.
ويضيف الصفدي: "أطلقت حملة إغاثة عاجلة فسارعت بعض الجمعيات العربية والإسلامية لتقديم العون والدعم المالي والمعنوي المتمثل بالمتابعة الحثيثة والدائمة، وجهزت بهذا التبرع قافلة مساعدات أساسية عبارة عن فرش وأغطية، ومواد غذائية وتموينية، بالإضافة لحليب وحفاظات الأطفال، حيث تولى فريق من المتطوعين توزيعها على النازحين بناء على كشوفات معدة مسبقًا. كما تلقت الجمعية المساعدات والتبرعات من أهل الخير في لبنان والتي شكلت جسر محبة وتواصل بين الشعبين الشقيقين، ثم قامت الجمعية بتوزيعها على النازحين في مخيم نهر البارد وعين الحلوة وتجمع وادي الزينة للاجئين الفلسطينيين".
التعاون مع مؤسسات إسلامية
في مصر قامت لجنة الإغاثة الإنسانية في نقابة أطباء مصر بإمداد الجمعية بقافلة مساعدات تشكلت من مساعدات عينية فاقت قيمتها مليوني جنيه مصري، كما رافق القافلة وفد من الأطباء برئاسة د. منصور حسن، بالإضافة إلى مسعفين وممرضين قدموا خدماتهم الإنسانية والطبية للمحتاجين وأشرفوا على توزيع المواد الإغاثية وتجهيز غرفة العمليات الطبية التي قدموها لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولا تزال جمعية التكافل ومن خلال تعاونها مع مؤسسات خيرية وإنسانية في العالمين العربي والإسلامي تقدم العون للنازحين إلى أن تنزاح هذه الغمة بعون الله تعالى.
وبهدف إلقاء الضوء على الانتهاكات التي تمارس بحق الطفولة وخصوصًا الطفل الفلسطيني والدفاع عنه، نظمت تكافل مؤتمر "انتهاكات حقوق الطفل.. الطفل الفلسطيني نموذجًا" يوم 17-5-2007 في بيروت، شارك بفعاليات المؤتمر عدد من الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين، وعدد من الجمعيات من مختلف دول العالم، كما تقدم بالمؤتمر عدد من الأوراق المتعلقة بحقوق الطفل منها ورقة "انتهاك حقوق الطفل لفلسطيني وتهديد أمنه النفسي والاجتماعي من خلال ممارسات الاحتلال"، وورقة "الطفل الفلسطيني في دول اللجوء"، وورقة "الآثار النفسية والاجتماعية على أطفال لبنان في ضوء عدوان تموز 2006" ، كما تقدمت شبكة "إسلام أون لاين.نت" بورقة بالمؤتمر بعنوان "معالجة المواقع الإلكترونية لمشكلات الطفل الفلسطيني.. إسلام أون لاين.نت نموذجًا".
ويقول "دانيال بصبوص" عريف المؤتمر ومدير تنمية الموارد بالجمعية: "لاقى مؤتمر الطفولة نجاحًا باهرًا على جميع المستويات من حيث عدد الحضور، والتبرعات التي تلقتها المؤسسة من جميع المؤسسات والمشاركين بالمؤتمر، وكذلك التوصيات التي خرج بها المؤتمر، فقد انبثق عنه لجنة حقوق الأطفال مهمتها تسويق توصيات المؤتمر إلى الحكومات وصناع القرار والجمعيات، ولجنة من المتخصصين مهمتها الدفاع عن حقوق الطفل ورصد الانتهاكات. كما تم إطلاق موقع إلكتروني متخصص بالطفولة، ودعت التوصيات إلى ضرورة الضغط لرفع الحصار الظالم وغير القانوني المفروض على الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة، والعمل من خلال مؤسسات المجتمع الدولي على رفع المعاناة عن أطفال فلسطين وإزالة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفها الحصار، كما دعت إلى توفير الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان والتي ستنعكس إيجابًا على وضع الطفل الفلسطيني، وطالبت بتنظيم المهرجانات والندوات والمسابقات الفنية التي تعنى بكشف إبداعات الطفولة الفلسطينية وفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في حق الطفولة الفلسطينية، من خلال المادة الإعلامية متقنة الإعداد والاهتمام بالتشبيك وتطوير أساليب التعاون بين مختلف المؤسسات التي تعنى بشئون الطفل عمومًا، والطفل الفلسطيني خصوصًا.
شكر خاص لمتطوعي "تكافل"
أما عن أهدافهم الصيفية لهذا العام فيقول الصفدي: "إن تكافل لا تكتفي بتقديم الكفالة المالية للأطفال، بل تقدم لهم برامج متكاملة، وهي في سبيل ذلك أعدت لهم مجموعة من الأنشطة التعليمية والتنفيذية والتثقيفية، والدورات القرآنية التي ينتظم فيها أكثر من 2000 طفل في لبنان وفلسطين، والرحلات الترفيهية إلى بعض المناطق الجبلية والأنهار، والمخيمات الصيفية الكشفية، المحاضرات التثقيفية.
ويختتم الصفدي كلامه بشكر المتطوعين بالجمعية الذين سيقومون بتنفيذ هذه الأنشطة والبرامج كعادتهم، بعد أن أعدتهم "تكافل"، وقدمت لهم تدريبًا في مجال التطوع والبرامج التي سيقومون بتنفيذها في هذا الصيف.
*
محررة بالنطاقات الاجتماعية بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ويمكنك التواصل معها عبر:
adam@iolteam.com
|