|
إيمان صدقي خضر / ندى الحسن – مخيم
البداوي بلبنان
|
أنزلتني السيارة أمام مفرق مستشفى الهلال في مخيم البارد، حيث تواعدت مع "أم هيثم الشتلة" وهي سيدة فلسطينية من سكان مخيم "البداوي" تركت منزلها المتواضع لأسرة نازحة من نهر البارد.
لم أجد "أم هيثم" في انتظاري، وكنت أتوقع هذا، فقد وصلت قبل موعدي معها بأكثر من نصف ساعة، نويت أن أذهب إلى إحدى المدارس التي تعج بالنازحين، كما سائر المدارس والمساجد والأندية والشوارع.. جدران أزقة المخيم المزدحم غطيت بالشعارات، أسماء كتبت بدهان ملون لمن سقطوا في اليومين الأولين من المعارك من المدنيين وعددهم 28 شخصا، وهم من تنكرت السلطة اللبنانية سقوطهم فآثر أهل البارد تسجيلهم على جدران مخيم "البداوي"!
حوائط من ستائر
دخلت المدرسة، فاقترب مني شباب مستفسرين مني عن طلبي، أخبرتهم أني أريد أن أجري لقاء مع النازحين، فاصطحبوني إلى الطابق الأول من المبنى، حيث "تكومت" الأسر في غرف، كل غرفة معلق على بابها ستار رقيق، عبارة عن قطعة قماش مرقعة مستهلكة. فقد وصلني صوت "أم محمود" قبل وصولي إليها، فعندما تحل الستائر محل الحيطان، حتما سيكون لها أذنا تسمع حتى زحف النمل.
وقف ابن "أم محمود" الذي رفض التعريف بنفسه، عرفتني والدته بنفسها، وبدأت تتحدث بعدما شرحت لها أن مهمتي أن ألقي الضوء على الناحية الإنسانية لأزمة نهر البارد وأريد أن أكسر الحاجز النفسي، وأعمل على دحض لغة منفرة بدأت تسير في الشارع اللبناني بحدّة وتتمثل في سوء العلاقة بين اللبنانيين والفلسطينيين.
وعندما أخرجت الكاميرا الخاصة بي "للالتقاط بعض الصور"؛ رفضت "أم محمود" أن أصورها وقالت: "صوّري الغرفة"، واكتشفت لاحقا، أن التقاط صور لبعض النازحين، هو بمثابة طلقة نارية على إنسانيته ومشاعره، وعلى الرغم من ذلك، نادتني امرأة عجوز من الغرفة المجاورة لأم محمود وأسرتها قائلة: "تعالي أختي صورينا وانقلوا الصور للعالم، صرنا فرجة".
لاجئ ونازح.. وجهان لعملة واحدة
وهكذا بدأت أولى حلقات زيارتي لمخيم "البداوي"؛ العنوان الأول للاجئين النازحين من نهر البارد، وكما ترون فقد بات للفلسطيني من سكان نهر البارد لقبان يعرّفانه "لاجئ" و"نازح"!.
دار الحديث بيننا عن الحال الذي آل إليه وضع أهل البارد فقالت أم محمود: "العلاقة مع اللبنانيين كانت أكثر من طيبة.. لي أخوان متزوجان من لبنانيات، أولاد عمي أيضا متزوجون من لبنانيات، فبيننا نسب وود، ولم نكن نسمع بهذه المناوشات والكراهية.
وبالسؤال عن علاقة أهالي البارد بجماعة "فتح الإسلام"، رد ابنها الذي كان يجلس في أقصى الغرفة: "أول ما ظهروا عندنا كانوا حوالي 20 شخصا، من جنسيات مختلفة ولكن أكثرهم لبنانيون وسعوديون وجنسيات أخرى، ولم ينضم إليهم أحد من أهل المخيم".
نصيحة نازح: السلام هو الحل
وباستنكار أضاف: "لا أحد يعرف كيف دخلوا إلى عندنا؟، فنحن تخنقنا القوى الأمنية عند الدخول إلى المخيم والخروج منه بطلب هويات وتحقيقات، فكيف مرّ هؤلاء؟!"
قاطعته: "ولماذا تركتموهم بينكم؟"، فعلى نبض الشاب وصوته، وأمطرني بوابل من الأسئلة قائلا: "كيف نخرجهم؟، وهل نعرف من هم؟، وهل لدينا قوة أمنية لنواجههم بها؟، ولماذا سمحت الدولة بوجودهم؟، وكيف نحارب مسلمين؟!! نحن لا نحارب مسلمين".
ثم أضاف: "على كل حال لم نقترب من عناصر فتح الإسلام بل لم نقابلهم، فالعلاقة معهم كانت سيئة؛ فلقد دمروا اقتصاد المخيم، وخفت القدم عن السوق بسببهم، والجيش خنقنا في الدخول والخروج". تنهد الشاب بقهر مضيفا: "كنت أتعلم، كنت أريد أن يكون لي مستقبل مختلف، أصبحت ضائعًا، وأدعو الشباب اللبناني والفلسطيني ألا يخطئوا مثل الكبار، فلنحب بعضنا البعض، ولنعش في سلام نحن مسلمون وعرب".
صرخة "أم أيمن"
وجاء موعد خروجي من هذه المدرسة المكتظة، وفي نفس الوقت موعد لقائي مع "أم هيثم الشتلة"، عندما قابلتها قادتني إلى منزلها الذي تركته لأسرة "أبو أيمن عثمان"، وعندما وصلت، كانت أم أيمن وأولادها يتابعان نشرة إخبارية، تركتها أم أيمن على الفور، ورحبت بي، ثم ارتسمت عليها علامات الحسرة قائلة: "قبل يومين، صارت القذائف تتنزل علينا عشوائيا، للأسف الدولة تعاملنا كأننا من هذا التنظيم "فتح الإسلام"، وكذلك الشعب اللبناني، فنحن لا يحق لنا الآن النزول إلى طرابلس، حيث التدقيق في الهويات والذل على الحواجز، نظرات اللبنانيين لنا أصبحت قاسية، على الرغم من أننا لسنا مذنبين".
وعندما سألت ابنة "أم أيمن" إذا كان لها صديقات من الجوار اللبناني، ردت باستغراب: "كانت علاقتنا أكثر من جيدة، وإلى الآن لا نكن لهم إلا كل ود واحترام"، غير أن أم أيمن التقطت طرف الحديث قائلة بمرارة: "أنا لو خيّروني، لاخترت الهجرة ولا أريد أن أعيش في لبنان، أنا أطالب بالهجرة لي ولزوجي ولأولادي، هناك 300 أسير معتقل في السجون اللبنانية من أهل البارد، النساء عذبن.. لماذا، والله لا ذنب لنا وأهل لبنان هم أهلنا".
أطفال البارد.. شابوا
وفي بيت آخر ضمن بيوت أهل مخيم "البداوي"، الذي منح للنازحين من البارد وتكومت فيه أسرتان، تقول الزوجة "أم بدران": "البارد أصبح وطنا لنا، أريد العودة إليه ولو على الحصير، لن أعود إلى فلسطين إلا منه، خرجنا تحت القصف على ثلاثة أيام متتالية، (شابوا خلالها أطفالنا)، فلقد عاشوا نكبة لا تتحملها عجوز، أو طفل، أو حتى شاب".
كان هذا هو مجرد تقرير لحال قليل من أسر نهر البارد التي نزحت مؤخرا على إثر ضرب مخيم نهر البارد إلى مخيم "البداوي"، وما خفي عن أحوالهم كان أعظم. ومن هذا المنطلق، ندعو زوار
الصفحة المتطوعين للمشاركة بحملة "مخيم نهر البارد.. حي
على التطوع"، وإضافة توقيعهم عبر حملة
التوقيعات، فالوضع لا يتحمل أن يعتذر
أحد من المسلمين عن المشاركة، وأهالي نهر البارد يحتاجون لنا جميعا، فهيا معا نلبي النداء.
كما ندعو كل المتطوعين بلبنان، إلى
المشاركة معنا بالحملة، من
خلال إعداد تقارير عن مخيم نهر البارد، تنقل لنا أخبار النازحين، وتحفز باقي المتطوعين على الاشتراك معنا
بالحملة.
*
رسالة طبق الأصل واردة من أحد المتطوعين بصفحة شباب النت، والتي تلقيناها عبر
بريد صفحتنا الإلكتروني.
• قام بتنسيق المادة أ.أحمد فتحي، مشرف ساحة الحوار بشبكة إسلام أون لاين.نت.
|