|
مع تزايد انخراط الثورة
الرقمية في نسيج الحياة اليومية، يتعمق
التشابك بين التطورات التقنية من جهة
والبنى الاجتماعية والسياسية والثقافية
من الجهة الأخرى. وبات مألوفًا أن تتحدث
منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، مثلاً،
عن الحرية الإلكترونية Electronic Freedoom
باعتبارها جزءًا من المسار الديمقراطي
عالميًّا. وفي السياق نفسه، نشأت منظمات
تتخصص في ملاحظة هذا البُعد الجديد في
الممارسة الديمقراطية، على مستوى
الأفراد والشعوب، مثل "منظمة الدفاع
عن الحقوق الرقمية للمواطن" في
الولايات المتحدة. وينطبق الوصف نفسه
تقريبًا على مسألة الاتصالات المتطورة
التي أعطت، في الآونة الأخيرة، أمثلة
قوية عن قدرتها على الدفاع عن حقوق
الإنسان وتعميق النقاشات الديمقراطية
عالميًّا.
انتصارات الموبايل في
عالم الحريات
فبفضل أشرطة الهاتف
النقّال، علم العالم بمجريات التعذيب
البشع الذي مارسه جنود الاحتلال
الأمريكي في سجن "أبو غريب" في
العراق مثلاً. ولعبت أشرطة الخليوي دورًا
مهمًّا في التعرّف إلى واضعي القنابل في
وسائل النقل بلندن قبل عامين. وينشر "البلوجرز"
الصينيون يوميًّا عشرات الأشرطة التي
تكشف الممارسات القمعية للسلطات الصينية.
وشبّه البعض تلك الممارسة بأنها تهديم
يومي للسور العظيم من القمع والتعتيم
الذي تفرضه السلطة المركزية في ذلك البلد
على ما يحدث فيه. وتكرر الأمر عينه من
خلال الضجة السياسية الكبيرة التي
أثارها بث شريط الخليوي الذي صوَّر إعدام
الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وسرعان
ما تحوَّل الخليوي وأسماء حامليه
ومستخدميه في تصوير عملية الشنق، إلى جزء
من النقاش السياسي العام في العراق، إلى
حدّ أن الحكومة وعدت بإجراء تحقيق خاص في
كيفية وصول الخليوي إلى ذلك المكان. وظهر
من يؤكد أن الأمريكيين تعمدوا ألا يمنعوا
دخول الهاتف النقّال إلى منصة الإعدام،
على رغم تشددهم في الرقابة على الهواتف
الخليوية في مناسبات مُشابهة!.
وعلى رغم التخلف الذي يلفّ
دول العالم الثالث، تلعب تكنولوجيا
الاتصالات اللاسلكية دوًرا في تنمية
الحقوق المدنية وممارسة الديمقراطية
للشعوب المقهورة فيها.
اصنع.. استقبل.. أرسل
بالموبايل
لقد ظهر مفهوم "الديمقراطية
المحمولة" Mobile Democracy (التي يشتق اسمها
من الهاتف المحمول) بفضل التقدّم الهائل
في تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية
وتطوّر خدمات رسائل المحمول القصيرة SMS،
وتعدّد أدوات التصوير الرقمي وانتشارها
بين أيدي الجمهور، وذيوع تصفّح
الإنترنت، وظهور تقنية إرسال الأخبار
الفورية مباشرة إلى الجمهور التي تحمل
اسم "آر إس إس" RSS والتي يمكن الحصول
عليها أيضًا من طريق الهاتف النقال وغيره.
وتشير الديمقراطية
المحمولة إلى ممارسة الفرد العملية
السياسية وحقوقه المدنية من طريق أدوات
الاتصال المحمولة مثل الهاتف الجوّال
والمساعد الرقمي الشخصي والحاسوب
المحمول "لاب توب" وغيرها. فمثلاً،
يمكن استعمال الهاتف المحمول للمساهمة
في حشد التظاهرات وتصويرها، ثم إرسالها
للآخرين أو نشرها على المدونات الشخصية
Web blogs على الإنترنت. وفي التظاهرات التي
شهدها لبنان عامي 2005 و2006، لعب الخليوي
دورًا مهمًّا في التحريض على الاحتشاد
وتنظيمه وتحديد طرق الوصول إليه. وبذلك
يستطيع الفرد استقبال "المحتوى
السياسي" Political-content، أي المواد ذات
المضمون المُسيّس، بأنواعه الثلاثة (الصوت
والصورة والكلمة)، إضافة إلى إمكان صنعه
وإرساله للآخرين. ويحمل هذا الأمر
تجديدًا في العلاقة مع وسائط الإعلام
العام التقليدية مثل التلفزيون والراديو
والصحف، فلا يعود الجمهور مكتفيًا
بالدور السلبي، بمعنى الاكتفاء
باستقباله المحتوى السياسي من دون
القدرة على صناعته والتأثير فيه وإرساله
للآخرين.
وبفضل وسائل الديمقراطية
المحمولة المختلفة، تحقق حلم المجتمع
المدني في الحصول على وسيلة اتصال
جماهيرية تتصف بالصفات الآتية:
· "ثلاثية الاستخدام
السياسي" (بوليتيكال تريبل بلاي) Political
Triple-play، حيث يستطيع الفرد صناعة المحتوى
السياسي واستقباله وإرساله، وذلك
بالاستفادة من إمكانات الهاتف الجوال
وقدرته على التصوير والاتصال بالإنترنت
وغيرها من الخدمات المختلفة.
· القدرة على المشاركة
السياسية من أي مكان وفي أي زمان؛ وذلك
بالاستفادة من قدرة تكنولوجيا الاتصالات
اللاسلكية على الحركة ومتابعة الحدث في
مكان حدوثه مباشرة وبمرونة فائقة. وهذه
الخاصية مهمة جدًّا لتمكين الجماعات شبه
المتنقلة وقاطني المناطق النائية من
المشاركة السياسية.
· المشاركة الشخصية. تعتبر
"الديمقراطية المحمولة" عملاً
فرديًّا تطوعيًّا حرًّا غير خاضع
لتوجهات منظمات معينة، بل للقناعات
السياسية للفرد نفسه خلافًا لوسائل
الاتصال التقليدية.
قاوم القهر
بالديمقراطية المحمولة
وتُعرَف عملية نشر المحتوى
السياسي وإرساله من طريق النقال إلى
المدونة الإلكترونية الشخصية على
الإنترنت باسم "البلوج المتنقل" (موبايل
بلوجينج) Mobile-bloging، وبذلك يستطيع صاحب
المدونة المتنقلة أن يعمل كناشط سياسي أو
كصحافي وهذا ما يعرف اصطلاحًا بالـ"الصحافة
الشعبية" أو "صحافة المواطنين" (سيتزن
جورناليزم) citizen-Journalism. ومن هنا فقد أصبح
المدونون المتنقلون منافسين أساسيين
لآلة الإعلام المملوكة للدولة والصحافة
التقليدية عمومًا.
وثار جدل عميم في الولايات
المتحدة عن ظهور هذا النوع من الصحافة
التطوعية التي لا تخضع لتوجيهات منظمات
أو جماعات سياسية معينة، بل للقناعات
السياسية للفرد نفسه. وتوسّع النقاش
الأمريكي ليشمل القوانين المتعلقة
بالصحافة وتعريفها وحرية التعبير عن
الرأي وغيرها.
ومن الجدير ذكره، في هذا
المجال، أن صاحب المدونة المصري (علاء
عبد الفتاح) نال جائزة صحافيين بلا حدود
لعام 2005؛ لنشاطه البارز في هذا المجال.
وبذا، أصبحت الديمقراطية
المحمولة وأدواتها المختلفة؛
والديمقراطية الرقمية عمومًا؛ الملاذ
الأخير للشعوب المقهورة والجماعات
المهمشة لنيل حقوقها السياسية والمدنية
التي طالما كافحت من أجلها على مر
التاريخ.
وفي مثال مُعبّر، ساهمت
رسائل المحمول القصيرة في حشد التظاهرات
التي أطاحت حكومة الرئيس إسترادا في
الفلبين وحكومة خوسيه أزنار في أسبانيا
عام 2005. وكذلك كان لهذه الخدمة دور فاعل
في حشد التظاهرات التي أدت إلى عودة
الديمقراطية في دولة نيبال عام 2005، وفي
تلك المتعلقة بأزمة الرسوم المسيئة إلى
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وفي
مصر، نال الخليوي نصيبه في فضح تجاوزات
السلطات المصرية في أحداث القضاة
والصحافيين والانتخابات النيابية في
العام 2005.
ولم يكن مستغربًا أن قطعت
السلطات الإندونيسية شبكات المحمول حتى
لا يستخدمه المواطنون في حشد التظاهرات
ضد الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال زيارته
الأخيرة لإندونيسيا.
الـ"واي - فاي"..
أحدث صيحات الحرية
ينطبق وصف العلاقة بين
الخليوي والديمقراطية، على العلاقة بين
شبكات "واي - فاي" Wi-Fi اللاسلكية
وممارسة الحريات الفردية والعامة. فقد
استخدمت تلك الشبكات في القضاء على
التهميش السياسي للهنود الحمر في مقاطعة
كاليفورنيا في الولايات المتحدة
وإدماجهم في الحياة السياسية العامة،
وذلك في إطار برنامج شامل ممول من شركة
"هيوليت باكارد" HP لسد الفجوة
الرقمية بين الهنود الحمر وغيرهم من فئات
الشعب الأمريكي.
ولعب الحاسوب المحمول دورًا
بارزًا في الانتخابات المصرية عام 2005،
حيث استخدمته المعارضة لتسهيل حصول
المواطنين على أرقامهم الانتخابية أمام
لجان الانتخابات، بعدما حالت السلطات
دون ذلك.
يتوقع دارسو هذه الظاهرة أن
تزداد الحياة السياسية زخمًا وحرارة،
وكذلك أن ترتفع فعالية منظمات المجتمع
المدني؛ بفضل ظهور خدمات التصويت
بالهاتف الجوّال (موبايل فوتينج) Mobile Voting،
وانتشار تلفزيون الهاتف المحمول Mobile T.V؛
وذيوع الهواتف التي تعمل بواسطة شبكات
"واي - فاي"، والإقبال المتزايد على
الخليوي من الجيل الثالث الذي يمكن
الجمهور من التعامل مع الإنترنت بصورة
مباشرة ومتنقلة.
ومع ظهور خدمة التصويت
بالهاتف الجوال، ينتظر أن تزداد
المشاركة السياسية، وأن تصبح السلطات
أكثر حذرًا في التعامل مع لجان التصويت.
لكن تظل أسعار خدمة المحمول المبالغ فيها
والعوائق الحكومية أمام انتشار شبكات
"واي - فاي" من الموانع الأساسية
أمام الاستفادة من هذه التطورات التقنية
وتوظيفها في عملية التنمية السياسية.
السؤال الذي يطرح نفسه مع
تصاعد وتيرة استخدام تكنولوجيا
الاتصالات اللاسلكية في ممارسة الحياة
السياسية والمدنية؛ هو: إلى متى سيصمد ما
تبقى من ديكتاتوريات هذا العصر أمام
موجات الديمقراطية المحمولة وترددها
الشديد السرعة؟
* نقلاً عن جريدة
الحياة اللندنية - باحث في تكنولوجيا
المعلومات في جامعة نبراسكا (الولايات
المتحدة)
|