|
"يانون" هي قرية صغيرة
وادعة لا يتعدى عدد سكانها المائة،
وبيوتها لا تتجاوز أصابع اليدين، أصبحت
ذائعة الصيت؛ ليس لشيء إلا أنها صارت
محجا للمتطوعين الأجانب وأصحاب
الكاميرات، جاعلين غايتهم حماية أهلها
من تهديدات واعتداءات المستوطنين
الإسرائيليين وهدم البيوت والتهجير من
قبل الجيش الإسرائيلي.
وللمفارقة؛ كانت أول
مجموعات المتطوعين الواصلة إلى يانون هي
مجموعة إسرائيلية تابعة لحركة "تعايش
الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة"
وتضم إليها جانبا من ناشطي السلام
الإسرائيليين" the Israeli peace activists from
Ta`ayush".
حماية دولية
وإلى جانب المجموعة الإسرائيلية تتوافد
مجموعات من البعثة المدنية التابعة
للأمم المتحدة " united nations civilian mission"،
ومجموعات التضامن الدولي" international
solidarity groups"، وآخر المتواجدين مجموعات
المرافقة المسكوني في فلسطين وإسرائيل"
ecumenical accompaniment programme in Palestine and Israel"؛
والتي هي عبارة عن مجموعة من مؤسسات
ومنظمات العمل التطوعي في مختلف بلدان
العالم مثل كندا، وفنلندا، وفرنسا،
وبولندا، ونيوزيلندا، والنرويج،
والسويد، وجنوب إفريقيا، وسويسرا،
وبريطانيا، وأيرلندا، وأخيرا الولايات
المتحدة الأمريكية؛ حيث تأتي وفود
المتطوعين منظمة ومقسمة إلى مجموعات
موزعة على سبعة مواقع في الضفة الغربية
هي: القدس الشرقية، وقرية جيوس قضاء
قلقيلية، والخليل، وطولكرم، ومنطقة جبل
البابا في العيزرية، ويانون، وتلك هي
المناطق التي تعتبر مهددة إما من قبل
المستوطنين الإسرائيليين الذين يسكنون
بالقرب من تلك المناطق أو من قبل الجيش
الإسرائيلي.
وتبرز من بين مجموعات
المتطوعين مجموعة مكونة من أربعة أشخاص
يتواجدون في قرية يانون القريبة من
نابلس، ومهمة هذه المجموعة حماية أهل
القرية من هجوم المستوطنين الإسرائيليين
الذين يحاولون جاهدين تهجيرهم من
قريتهم، لولا تواجد هذه المجموعة التي
تبقى مدة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة
شهور لتسافر وتأتي مكانها مجموعة أخرى..
وهكذا دون أن يتركوا القرية ساعة واحدة
دون تواجد أي منهم فيها.
تتكون المجموعة من كريستيان
كيرتشر ألماني الجنسية، وكولن دوجلاس
بريطاني، وباولا لوف سويدية، وأودري
غراي بريطانية، وهم يتبادلون الأدوار
بين حماية أهالي القرية ومراقبة الأوضاع
ليلا، ومساعدتهم في كافة أشغالهم
اليومية نهارا، يقول كريستيان الألماني:
"إن تواجدنا هنا لا يقل أهمية عن تواجد
قوات حفظ السلام الدولية، لا نستطيع
مفارقة يانون ساعة واحدة؛ خوفا من أي
هجوم محتمل للمستوطنين".
وتتابع أودري قائلة: "الناس
هنا يعيشون حياة مأساوية، فمضايقات
المستوطنين لا تنتهي، لتصل إلى الحرمان
من النوم ليلا جراء الأضواء القوية
المسلطة على بيوتهم من أبراج تحيط
بالمستوطنة".
معاناة يومية
ولا يقتصر دور كريستيان
ورفاقه الثلاثة على مجرد إجراء
اتصالاتهم مع الشرطة الإسرائيلية أو
مؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان
الإسرائيلية عند حدوث أمر طارئ، وإنما
يتعدى الأمر ذلك إلى مجموعة من المهام
التي أخذوا على عاتقهم القيام بها، أولها
مساعدة الأهالي في قطف ثمار الزيتون
واللوز وباقي المحاصيل الزراعية كل في
موسمه، بالإضافة إلى حماية تلك المحاصيل
حيث تعرضت إلى الحرق عدة مرات، ويشرح
كولن خسارة سكان القرية لعدد كبير من
مواشيهم بعد تعرضها للذبح وإطلاق النار
على أيدي المستوطنين الذين يتفننون
بإذاقة الأهالي ألوان العذاب، آملين
دفعهم إلى الرحيل، لكن أهالي يانون يصرون
على البقاء على أرضهم على الرغم من كل
المآسي التي يعيشونها يوميا.
كما تقوم "المجموعة
الرباعية" بمساعدة الأهالي في الأشغال
اليومية المختلفة مهما كان نوع هذه
المساعدة، فعلى سبيل المثال يقوم
كريستيان بمساعدة رشيد في إعداد خرسانة
لترميم منزله.
تقول باولا: "ندرك أهمية
بقائنا في يانون كما ندرك أهمية تواجد
أحدنا على الأقل على حاجز حوارة العسكري
في محاولة لتخفيف معاناة الفلسطينيين
الذين ينتظرون لساعات طويلة في الشمس
الحارقة للمرور؛ حيث نقوم بالتحدث إلى
الضابط الإسرائيلي المسئول ومحاولة
تسريع عملية مرور الشبان الفلسطينيين
الذين ينتظرون في طوابير طويلة من أجل
الوصول إلى الجهة الأخرى من حاجز حوارة
الذي يفصل بين مدينة نابلس وقراها من
الجهة الشرقية، والذي يعد الأصعب ضمن
الحواجز التي تخنق المدينة".
واجب إنساني
"لسنا مضطرين للبقاء هنا،
لكن واجبنا الإنساني يحتم علينا فعل ذلك،
نحن نتفهم معاناة الفلسطينيين وحبهم
لأرضهم، ونحاول إيصال هذه الرسالة إلى
جيراننا وزملائنا في بلادنا؛ لذا انضم
الكثيرون للعمل التطوعي ومحاولة التخفيف
من هذه التراجيديا الإنسانية التي يضطر
الآلاف أن يحيوها بشكل يومي".. كانت هذه
كلمات كريستيان في نهاية جولتنا في قرية
يانون التي أزورها للمرة الأولى كصحفية
فلسطينية وهي لا تبعد عن مكان سكني سوى
عشر دقائق بالسيارة، بينما هي للأسف
تعتبر محجا لمتطوعين لا تربطهم بها سوى
صلتهم الإنسانية ومحاولة رسم بعض
الضحكات على وجوه أطفالها الذين باتوا
يعانون من رهاب الغرباء، والتبول
اللاإرادي نتيجة للعديد من المواقف
المرعبة التي اضطروا لعيشها بشكل يومي.
يقول رشيد وهو أب لستة أطفال:
"لم يتمكن أبنائي من النوم ليلا،
وعانوا من التبول اللاإرادي والرعب
والخوف الشديدين بعد أن وجدوا فوهات
البنادق مصوبة نحو رءوسهم أثناء نومهم،
وما زلت أزور الطبيب النفسي بانتظام
لعلاج زوجتي بعد إصابتها باكتئاب نتيجة
ما عانته من الخوف، ونصحني طبيبها أن
أنقلها إلى مكان آخر ربما تتحسن صحتها
فيه، واستأجرت بيتا في قرية عقربا
القريبة منا".
زوجة رشيد وأطفاله ليسوا
الوحيدين الذين يعانون الأمراض، فيشير
كريستيان إلى أن معظم أهالي البلدة
يعانون من أمراض صحية ونفسية، بل إن
البعض توفي بالجلطة الدماغية نتيجة
الخوف.
مستوطنة إيتمار التي أقيمت
عام 1984م تنغص على سكان قرية يانون
الصغيرة الذين يعلو محياهم الحياء،
والأمل معيشتهم، وتنظر إلى نسائهم تراهن
على الرغم مما يكابدنه من مشاق معيشية
وهموم يحملنها في قلوبهن؛ مصرات على
البقاء والتواجد على أرضٍ عمل
المستوطنون على إخراجهم منها بكل الحيل.
أما رجالها فقد أحرقت الشمس
وجوههم، لكن العذابات الإسرائيلية لم
تقدر أن تحرق إصرارهم على البقاء والصمود
في قريتهم التي هُجروا منها قسرا، لكنهم
عادوا إليها في غضون أيام؛ حيث لم تغمض
الأجفان ولم تقر القلوب أثناء التواجد في
قرية عقربا المجاورة لأيام قليلة.
يانون قصتها أبلغ من أن
تُحكى، ما عليك سوى أن ترى بيوتها
المتناثرة والتي لا تزيد حجرا واحدا، حتى
تعرف حجم المأساة التي تعانيها،
ويعانيها أبناء تلك القرية الخالية من
عنصر الشباب.
وتبقى مجموعات قليلة يفرح
بزيارتها الأهالي لتأتي وترسم ألوانا من
قصص التحدي والصمود، ولا يبقى من هؤلاء
الزوار سوى تواقيع على دفتر رشيد الذي
أصيب بتخمة الأسماء الأجنبية، وصور
معلقة على جدار البيت العالمي "international
house" الذي تحط به هذه المجموعات رحالها
لتشهد على عظم المأساة اليومية.
ويغيب كريستيان ورفاقه
ليأتي مكانهم مجموعة أخرى ربما بوجوه
زاهية تارة وقاتمة تارة أخرى، تختلف
ألسنتهم سوى من بعض الكلمات العربية التي
لا تتعدى التحية والسلام. |