|
تجتمع الآلام في خلجات قلبك مرة
واحدة، وتحبس العبرات كلماتك التي تحاول
البحث عنها للتعبير عن حال أيتام الضفة،
الذين باتوا يعانون ألم التشرد
والحرمان، إضافة لمرارة اليتم.
"أيتام الضفة بلا مأوى".. هي أقل
كلمة يمكن أن تقال وتصف معاناة أكثر من
سبعة آلاف يتيم باتوا بلا عائل أو كفيل،
بعد القرار الظالم الذي أصدره الاحتلال
بحق الجمعية الخيرية الإسلامية في
الخليل، وجمعية التضامن الخيرية في
نابلس، والذي قضى بإغلاقهما؛ حيث تعنى
الجمعيتان برعاية وكفالة الأيتام
والفقراء في الضفة الغربية.
ففي نابلس -المدينة التي لم يتبق من
مؤسساتها الخيرية شيء، بعد الاقتحامات
المتكررة لها من قبل قوات الاحتلال- أصبح
أكثر من "3500 يتيم" بلا عائل، إضافة
إلى سبعة آلاف حالة اجتماعية بين فقير
ومريض، عدا الدعم الذي تقدمه الجمعية
لكثير من الأسر المحتاجة، والتي لديها
أفراد يعانون من الأمراض المزمنة
والإعاقة، كما تقدم الجمعية لأكثر من
ثلاثمائة طالب وطالبة مساعدات مالية
وعينية للدراسة.
كل هؤلاء الآن أصبح مصيرهم مجهولا؛
فالأموال التي كانت تصلهم توقفت، بل تمت
مصادرة ممتلكات الجمعية وملفات الأيتام
والمرضى الذين تكفلهم الجمعية، إضافة
لسرقة آلاف الدولارات من خزانة الجمعية.
والحال نفسه كان في الجمعية الخيرية
الإسلامية في الخليل، التي تحتضن 4500 طالب
وطالبة، بينهم أربعة آلاف يتيم ويتيمة؛
حيث استهدفتها الحملة الصهيونية على
مؤسسات العمل الخيري بالضفة، بتهمة
دعمها للإرهاب، وأنها تابعة لحركة حماس،
فقد تم اقتحام دار الأيتام، وجميع فروعها
في المدينة، وإصدار قرار بمصادرة
أملاكها، وإغلاقها لثلاث سنوات.
بكلماتهم
قد تنساب الأرقام والكلمات من حبر
قلم ما مل أن يرصد معاناة الشعب
الفلسطيني.. وقد يبدع في كتابة وسرد
تفاصيل ما جرى، لكنك إن وقفت أمام طفل
يتيم فالكلمات ستقف معك عاجزة عن الخروج
من بين شفتيك.. فأنت لا تعرف ماذا ستطرح
عليه من أسئلة.. وماذا ستحصل عليه من
إجابات، إنك أمام أطفال حُرموا حنان الأب
أو الأم أو الاثنين معا، والآن حُرموا من
اليد التي كانت تمسح على رءوسهم عندما
تخلت عنهم الأيام بأفراحها، وأغلقت
الجمعية التي كانت بيتهم الدافئ.
الطفل براء 13 عاما يتيم الأب، ويقيم بدار
الأيتام في الخليل يقول بكلماته البسيطة:
"والدي توفي عندما كان عمري ست سنوات،
وأمي تزوجت من رجل آخر، وأنا جئت للعيش
هنا في دار الأيتام، وفي الإجازات أذهب
عند أمي، لكن اليهود الآن أصدروا قرارا
بإغلاقها، وإذا لم يسمحوا لنا بالدوام في
الجمعية بداية العام فإني لا أعرف أين
سأذهب، وبأي مدرسة سأدرس".
بالبراءة ذاتها قالت الطفلة
ميس من نابلس: "كانت الجمعية تعطيني
مصروفي كل شهر، وأشتري كل ما أريده، وفي
العيد كانوا يوزعون علينا الملابس
الجديدة، والآن لن أحصل على مصروفي، ولن
أحصل على ملابس العيد، وعندما تبدأ
المدرسة لن أحصل على حقيبة مدرسية جديدة".
مصادرات بلا حدود
بدأت الحديث مع "أبو حمد"
أحد المسئولين عن الجمعية الخيرية في
الخليل، الذي احتار من أين يبدأ، وماذا
يسرد لنا عن حجم الخسائر التي تعرضت لها
الجمعية عندما اقتحمتها قوات الاحتلال
بتاريخ 26-2-2008م، فقال: "تم اقتحام مباني
الجمعية وكافة فروعها في الخليل،
ومصادرة كل ما تحتويه من ممتلكات تخص
الأيتام وكافة الملفات الخاصة بهم،
وكذلك المستودع المركزي الخاص بالجمعية،
والذي يحتوي على كل ما يلزم الأطفال من
طعام، ولحوم، وملابس، وقرطاسية، وأحذية،
وأجهزة الكمبيوتر، وغيرها، وألصقوا على
بابه قرارا بإغلاقه ومصادرته لجيش
الاحتلال.
كما تم اقتحام مدرسة الهدى
التي كان من المفترض أن تفتتح بداية
العام الدراسي القادم؛ حيث تم الانتهاء
من بنائها وتجهيزها بشكل كامل، وقد وصلت
تكلفتها كما أشار "أبو أحمد"
لمليوني دولار، وهي تتسع لألف ومائتي
طالبة، وكذلك المدرسة الشرعية للذكور،
ومصادرة الحافلات التي تنقل الأيتام،
وسيارة حديثة كانت مخصصة للحالات
الطارئة.
لكن خفافيش الظلام لم تكتف
تلك الليلة بكل تلك المصادرات، بل وصل
بها الحد لمصادرة خبز الأيتام وقوت
يومهم؛ حيث اقتحمت قوات الاحتلال مخابز
الرحمة، الخاصة بتوفير الخبز لدار
الأيتام، وعدد كبير من العائلات الفقيرة
في المدينة، وألصقوا عليها قرارا
بإغلاقها ومصادرة كافة محتوياتها.
وأشار "أبو أحمد" إلى
أن المصادرة لم تقف عند هذا الحد؛ حيث
اقتحمت قوات الاحتلال سوق الهدى، وهو سوق
تجاري يعود ريعه للأيتام، وإلصاق قرار
بإغلاقه، وإصدار أمر بإخلاء المحلات
التجارية فيه، وعدم دخول التجار
لمحلاتهم بعد إخلائها.
عائلات مهددة بالفقر
السيدة "أم يزن" والدة
كل من يزن وعبادة، وهما يتيمان، تقول: "إغلاق
الجمعية ومصادرة ممتلكاتها لم يكن
بالأمر البسيط علينا، ولم نستوعب ما حصل
بالجمعية أبدا، فهي ملجأ أبنائي الوحيد
بعد وفاة زوجي رحمه الله، وهي التي
ترعاهم، وتوفر لهم كل ما يلزم من ملابس
وطعام، ومصروفهم اليومي، وملابس العيد،
والعيدية، والطرود الغذائية التي
يرسلونها إلينا باستمرار".
وبصوت تملؤه الحسرة قالت:
"الله وحده أعلم بحالنا، وإذا ما أغلقت
الجمعية وتم تنفيذ قرار الإغلاق، فسيكون
الشارع والفقر مصيري أنا وأبنائي".
حال أم يزن لا يختلف كثيرا
عن آلاف العائلات التي مسها قرار الإغلاق
في الصميم، عائلة سلهب هي إحدى هذه
العائلات؛ حيث ترعى الجمعية الإسلامية
الخيرية في الخليل ثلاثة من بناتهم هن:
دلال "17 عاما"، وروان "15 عاما"،
وصابرين "13 عاما"، حيث جاء قرار
إغلاق الجمعية بمثابة صدمة للعائلة.
وبعد أن لملمت كلماتها من
بين مشاعر القلق والترقب قالت الابنة
دلال لإسلام أون لاين: "قرار إغلاق
الجمعية قرار ظالم ومجحف بحقنا،
فالجمعية هي الملجأ والراعي الوحيد لي
ولأخواتي، كما كانت الملجأ الوحيد
لإخوتي الذين كبروا الآن، وتخرجوا من
مدارس الجمعية".
وتضيف: "خبر إغلاق
الجمعية كان صدمة للجميع، فإذا ما تم
تطبيق القرار فإن الوضع سيكون مأساويا
وصعبا للغاية، خاصة أن أخي الذي كان
يعولنا بعد وفاة والدي قد توفي أيضا".
وبصوت حزين قالت دلال: "نحن
ننتظر بداية العام الدراسي للعودة إلى
الجمعية التي احتضنتنا، فهناك تقدم لنا
كافة المساعدات والتسهيلات لحياة كريمة،
ولم نشعر في يوم من الأيام تجاه هذه
الجمعية إلا أنها بيتنا الثاني".
ولتكتمل المأساة
والمعاناة، وليتضح مدى الحقد الذي يملأ
صدور الصهاينة، اتجهت قوات الاحتلال في
جنح الظلام لمشغل الخياطة الخاص بدار
الأيتام في الخليل، حيث يتم إنتاج ملابس
الأيتام، وأصدرت أمرا بمصادرته، ونقل
ملكيته للجيش الإسرائيلي، وقد تم
اقتحامه ومصادرة كل شيء فيه، من أجهزة
وماكينات خياطة، وملابس جاهزة وأخرى تحت
الإنشاء، وقد بلغت نسبة الخسائر من هذا
المشغل 45 ألف دولار.
لكن الخبر الذي كان وقعه
شديدا على الأيتام وعلى القائمين على
الجمعية الخيرية، هو إتلاف ما تم مصادرته
من المشغل في مكب للنفايات، ليقطعوا
الأمل في محاولة استردادها.
مصيرهم الشارع
يقول "أبو أحمد" أحد
القائمين على إدارة الجمعية الخيرية في
الخليل: "الإجراءات التي قام بها
الاحتلال مست الأيتام بشكل مباشر؛ فجميع
المشاريع كالسوق التجاري، والمخابز،
والمشغل، كلها يعود ريعها للأيتام، وإذا
ما طبقت هذه القرارات واستمر الاحتلال
بعناده لتطبيقها حتى بداية العام
الدراسي وعودة الأيتام إلى بيتهم
ومدارسهم، فإنهم لن يجدوا مكانا يؤويهم،
أو مدرسة تحتضنهم، ولا مصروفا يوميا لهم،
ولا طعاما أو عناية صحية ونفسية، حتى
ملابس العيد سيحرمون منها، والعيدية
التي كانت تخصص لكل يتيم في كل عيد،
والطرود الغذائية التي تقدم لهم
ولأسرهم، باختصار سيكون مصيرهم الشارع".
وتساءل: "هناك 240 يتيما من
بين الأيتام يعدون من الحالات الصعبة
جدا؛ حيث تعتبر دار الأيتام بيتهم
الوحيد، حيث من الصعب توفير مكان يذهبون
إليه في الإجازات، وفي العطل الرسمية
والعطلة الصيفية يقضونها عند أقارب لهم،
فأين سيذهب هؤلاء الأطفال عند بداية
العام الدراسي؟ وماذا سيكون مصيرهم؟!
وأكد أبو أحمد أن الجمعية لا
صلة لها بكل التهم الموجهة إليها قائلا:
"الجمعية الخيرية الإسلامية تأسست عام
1962م، أي منذ العهد الأردني في فلسطين،
وبعد ذلك كانت تعمل في ظل الإدارة
الإسرائيلية، وعندما استلمت السلطة
الضفة الغربية خضعت الجمعية للسلطة، وهي
حاصلة على ترخيص رسمي، وتعمل بإطار
قانوني كامل، وكل الادعاءات التي يدعيها
الاحتلال أن الجمعية تدعم الإرهاب،
وأنها تابعة لحماس كلها ادعاءات باطلة لا
أساس لها من الصحة؛ فالجمعية قد تأست قبل
أن تتأسس حركة حماس، ولا علاقة للجمعية
بأي من الفصائل، وهدفنا الوحيد هو إعالة
الأيتام ورعايتهم".
تميز رغم الاحتلال
ما يعانيه أيتام فلسطين
وكذلك المؤسسات القائمة على رعايتهم لا
يجعلنا ننسى أو نتناسى حالة التميز
والإبداع لهذه المؤسسات في تنشئة وتخريج
مئات الطلبة سنويا ممن يحملون الدرجات
الرفيعة في كثير من أصناف العلوم.
فهذا العام على سبيل المثال
حصدت المدرسة الإسلامية الثانوية للذكور
التابعة لجمعية التضامن الخيرية على
نسبة نجاح 100% في نتائج الثانوية العامة،
وكان من بينهم ثلاثة أوائل على مستوى
فلسطين، مما يدل على مدى الجهد الذي
يبذله القائمون عليها، وتفانيهم لإنجاح
المشروع الخيري الإسلامي.
يقول الأستاذ طلب ذوقان
مدير المدرسة الإسلامية الثانوية: "إن
النجاح الذي حققته المدرسة يثبت جدارتنا
في كل الميادين وأينما كنا، وهو دليل
واضح على مدى جدية المدرسة والتزامها
العلمي البحت، فنحن هنا موجودون بإرادة
قوية، وعزيمة أقوى، فالطلبة والمدرسة
جزء من هذا الشعب المتمسك بالحياة،
ويدافع عن حقه في الوجود رغم كل ممارسات
الاحتلال".
|