 |
| الشيخ د. عماد أبو الرُّب |
رمضان فرصة إيمانية تربوية
للأسرة المسلمة في الغرب لتستلهم منه
العبر والعظات ولترفع المستوى الإيماني
لها خاصة في مثل الأجواء التي تعيش فيها
والمليئة بالمظاهر الدنيوية المفتنة ،
وهو فرصة لمن قسا قلبه لبعده عن طاعة
ربّه أن يقترب من الله ويلجأ إليه
ويسأله التوبة والمغفرة ، وهو كذلك فرصة
لمن أراد أن يحبّه الله تعالى وأن يحظى
بمرتبة العبودية الحقّة التي أراد الله
من عباده ولأجل كل ذلك كان الصحابة
والسلف الصالح رضوان الله عليهم
يتعاملون مع رمضان بشكل خاص واهتمام
كبير يحرم الواحد منهم نفسه من الكثير
من شهواتها ورغباتها .فإذا كانوا كذلك
فكيف لنا نحن الأسر المسلمة في الغرب أن
نكون ؟؟!!
على أعتاب رمضان
يلزم الأسرة المسلمة أن
تعد لاستقبال رمضان لا بالطعام والشراب
والراحة ، بل بالعزم على استثمار أوقاته
والإكثار من طاعة المولى فيه والتفقه
بأحكامه . وحتى يتأتّى للنفس أن تستشعر
بركة رمضان وروحانياته كان لا بد من أن
يتعاهد أفراد الأسرة المسلمة وعلى
رأسهم الأب والأم على ترك المعاصي
كبيرها وصغيرها ، والترفّع عن الشبهات
،والحرص على أداء الواجبات والزيادة
عليها بالسنن والنوافل ، وترك المعاصي
من كبائر – لا قدّر الله إن وجدت – إلى
الصغائر التي اعتاد الفرد عليها ،
وعليها أن تضع برنامجاً عملياً لرمضان
تستثمر فيه الساعات والدقائق ولا تضيّع
من ذلك شيئاً من دون إفراط ولا تفريط،
وعليها باختصار أن تمرّن نفسها على
الطاعة ، وتلجمها بالحلم وتقويها
بالصبر وتلزمها الإخلاص وتزينها
بالتقوى .
مع رمضان
فإذا أقبل رمضان شمّرت
الأسرة المسلمة عن ساعد الجد رافعة شعار
حبيبها ونبيها محمد عليه الصلاة
والسلام (( ألا هل مشمِّرٍ للجنة )).فابتدأت
ليلة رمضان بصلاة التراويح ثم استحضار
نية صيام الشهر كاملاً ،ثم تناول السحور
قبيل الفجر ليبدؤوا بجمع البركة التي
أوصى بها الحبيب المصطفى عليه الصلاة
والسلام (( تسحروا فإن في السحور بركة ))،
ثم يصلوا الفجر في جماعة ويحسن بالذكور
صلاتها في المسجد إن استطاعوا ثم يجلسوا
على مائدة كتاب الله فيقرؤوا بتدبّر ما
فتح الله به عليهم ، ثم يأخذوا قسطاً من
الراحة وقبيل خروجهم لمدارسهم
وجامعاتهم وأعمالهم يئودّوا صلاة الضحى
التي أجر المسلم فيها عظيم بيّنه لنا
نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ
التسليم : ((عن أبي ذر رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال :"
يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ؛ فكل
تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل
تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر
بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ،
ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ))أخرجه
مسلم.
ثم يذكروا الله طوال يومهم
وفي أعمالهم ، ويئودّوا صلاة الظهر
والعصر والمغرب والعشاء جماعة – ما
استطاعوا- ويحسن بهم صلاتها في المسجد
لما لها من أجر وثواب وقد صحّ عن النبي
عليه الصلاة والسلام قوله : (( صلاة الرجل
في جماعة تزيد على صلاته في بيته ,
وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة )) رواه
مسلم.
ولا ينسوا المواعظ
الإيمانية وحلقات العلم التي تعقد في
جنبات بيوت الله ، والمراكز الإسلامية
أعدّت - كما كل عام - برامج تعبدية
وروحانية وثقافية ، ومن صعب عليه دوام
الجلوس فيها فلا أقل من أن يتابع
البرامج الدينية في القنوات الفضائية
خاصة الدينية منها ، ويستفيد من البرامج
التربوية الهادفة التي تعرض للأطفال
خاصة قناة طيور الجنة والتي أعتبرها
الملاذ الآمن لأطفالنا لتركيزها على
جعل الأنشودة غارسة للقيم والمثل ،ولا
ننسى كذلك تحقيق معاني الأخوة مع باقي
المسلمين . ومن الجميل أن بلاد الغرب
تجمع أغلب مسلمي العالم فيشعر المسلم
برابطة الأخوّة وبأنه مع المسلمين
يجسّدوا حديث نبيهم ومعلمهم محمد عليه
أفضل الصلاة وأتم التسليم : ((مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
مثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو
تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي)).
كما يغرس الأبوين معاني التكافل مع باقي
المسلمين خاصة فئة الفقراء والمساكين ،
وفئة المسلمين الجدد من جهة أخرى.فيزورهم
ويهديهم ويدعوهم للإفطار ويشاركهم
مجالسهم ومناسباتهم ويدعو لهم بظهر
الغيب أن يثبتهم الله على دينه ، كما لا
ينسى أن يدعوهم لبرامج المراكز
الإسلامية في الغرب ليتزودوا منها
بالزاد الإيماني والتربوي والثقافي .
ومن الجميل أن تتفق الأسرة
على ختمة للقرآن الكريم مع بعضها داخل
البيت،كما يتفقوا على المساعدة
الجماعية في تحضير الإفطار دون إسراف
وتبذير ، ومع دعائهم تلهج ألسنتهم بدعاء
المولى العليّ القدير أن يجمع شمل
المسلمين ويحفظهم من كل شرَ وأن يهدي
غير المسلمين لطريق النور والهداية.
وعلى أعتاب وداع رمضان
وحتى لا تكون الأسرة
المسلمة في الغرب كالتي نقضت غزلها تسعى
لوضع تعهد والتزام منها بالاستمرار على
الطاعة بعد رمضان ويعين الفرد منها
الآخر مستلهمين سيرة أنبياء الله {
سنشدّ عضدك بأخيك }.متذكرين أن الأعمال
بخواتيمها فلا يعقل أن يضيّعوا أجرهم في
نهاية رمضان في الإسراف في الإعداد
للعيد وربما ارتكاب بعض المحظورات فيه .لذلك
لا بد أن يعدوا باعتدال لفرحة العيد
وبهجته منشرحة لذلك صدورهم على اعتبار
أن العيد منسك وعبادة يؤجر المسلم عليها
كما يؤجر على الصيام والذكر والدعاء
والصلاة.
ولا تنسى الأسرة المسلمة
في الغرب تعاهدها بين بعضها البعض
وبينها وبين الله أن يكون رمضان قد
ارتحل بذنوبها وصفّاها من أوزارها
ومعاصيها ، وأعطاها زاداً إيمانياً
وروحانياً يعينها على أيامها القادمة .
هذه كلمات من القلب أهديها
لكل أسرة مسلمة في الغرب ، سائلاً
المولى تبارك وتعالى أن يبلّغنا رمضان
وأن يجعله شاهداً لنا لا علينا ، اللهم
آمين ، اللهم آمين