-
نحو وقفة رشيدة.. من أجل أسرة مسلمة مستقرة
د. علاء محمد سعيد
اهتم الإسلام اهتماماً
بالغاً بالأسرة وأولاها عناية كبيرة،
ووضع لها من الأحكام والقواعد التي جاءت
مفصلة في القرآن الكريم والسنة
النبوية، لما للأسرة من أهمية كبيرة في
صلاح الفرد والمجتمع والأمة.
فجاءت أحكام الأسرة من
زواج وحقوق لكل من الزوجين، وحقوق
للآباء على الأبناء وللأبناء على
الآباء، وميراث ووصية وخلع وطلاق، كل
ذلك علي سبيل التفصيل في القرآن الكريم
والسنة المطهرة؛ لأن هذا يتعلق بسعادة
الإنسان وطمأنينته، وأمن المجتمع
واستقراره، وكل تلك الأحكام التي وردت
في القرآن والسنة المطهرة عن الأسرة نجد
أنها غالبًا ما ترتبط بالعقيدة
والإيمان بالله تعالى ارتباطًا مباشرًا.
البيئة الاجتماعية
الأولى
فالزواج يجعله الله آية من
آياته ودليل من الدلائل على حكمته فيقول
الله تعالى: [ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل
بينكم مودة ورحمة] (1)، ويجعل الله تعالى
عقد الزواج من أوثق العقود التي ينبغي
الاهتمام بها وعدم التلاعب أو التحايل
أو الخداع فيها فيقول تعالى: [وكيف
تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضكم وأخذن
منكم ميثاقًا غليظًا](2).
ويحث النبي r على الزواج
وتكوين الأسرة المسلمة فيقول: «يا معشر
الشباب من استطاع الباءة فليتزوج ومن لم
يستطع فعليه بالصوم»(3)، ونهى عن الرهبنة
وحياة العزوبة.
ويحدد الإسلام العلاقة بين
الزوجين بأنها يجب أن تكون قائمة على
العشرة الطيبة والمعاملة بالمعروف
والمودة والرحمة؛ ومن أجل ذلك وضع
الإسلام حقوقاً واضحة وواجبات محددة
على كل من الزوجين الالتزام بها والقيام
بأدائها حتى تسير عجلة الحياة بشكل
صحيح، وينال المجتمع الأمن والاستقرار،
ومن هنا قال النبي r: «خيركم خيركم لأهله
وأنا خيركم لأهلي»(4).
وحدد الإسلام أن الهدف من
بناء الأسرة هو تكوين الفرد والمجتمع
الصالح القادر على البذل والعطاء؛ وذلك
لأن الأسرة: هي البيئة الاجتماعية
الأولى التي تستقبل الإنسان منذ ولادته
وتستمر معه مدى حياته.. تعاصر انتقاله من
مرحلة إلى مرحلة أخرى، وهى التي تعمل
على تشكيل حياة الإنسان بطابعها الخاص،
وهي المحيط الذي يصبغ بلونه حياة
الإنسان العقلية والاجتماعية
والأخلاقية والجمالية وهى أقوى قوة
مؤثرة فيه.
فمهمة الأسرة مهمة عظيمة
فهي تقوم بدور كبير في حياة الإنسان
يتمثل في:
1- المحافظة على النوع
الإنساني.
2- الأسرة هي اللبنة
الأولى لبناء المجتمع.
3- تحقيق السكن النفسي
والطمأنينة.
4- تكوين الإنسان الصالح.
5- تنظيم الإشباع الجنسي.
6- نقل التراث الاجتماعي.
7- تحقيق الأمن النفسي
والاجتماعي.
8- الأسرة تحقق النمو
الجسدي والعاطفي.
مشكلات أوروبية
والمتتبع لأحوال الأسرة
المسلمة في أوروبا يلحظ الفروق
الجوهرية بينها وبين الأسرة في البلدان
الإسلامية؛ فبعد هجرة المسلمين إلى
المجتمعات الأوروبية أفرادًا وجماعات،
بدأت تتكون الأجيال المسلمة وبدأ بعد
فترة من الزمن استقرار الوجود الإسلامي
في أوروبا، وتكونت الأسر المسلمة داخل
المجتمعات الأوروبية، وبدا التأثر
واضحا على حياة الأسر المسلمة بنمط
الحياة الغربية، وبدأنا نلحظ ارتفاع
نسبة المشكلات الأسرية بين الأسر
المسلمة الموجودة في الغرب كالآتي:
-
ارتفاع نسبة الطلاق.
-
وإهمال الآباء للأبناء.
-
وضعف المستوى الدراسي للأبناء في
المدارس والمؤسسات التعليمية.
-
وانحراف كثير من الأبناء.
-
وقسوة بعض الأزواج في معاملة زوجاتهم.
-
وتمرد بعض الزوجات علي أزواجهم.
-
وكثرة الخلافات الزوجية.
-
ووجود عدد كبير من القضايا والشكاوى من
بعض الأسر المسلمة في المحاكم ومراكز
الشرطة.
-
والمشاكل التي تترتب علي زواج بعض
المسلمين من غير المسلمات لأجل الحصول
على الإقامة أو غير ذلك، وينتهي كثير
منها بالسجن وغير ذلك.
-
وزواج بعض المسلمات من غير المسلمين وما
ينتج عن ذلك من مشكلات.
كل هذه المشكلات تدق ناقوس
الخطر على أن الأسرة المسلمة -التي هي
بمثابة الملاذ الآمن والقلعة
الخالدة والحصن الأكبر والمحضن الصالح
للوجود الإسلامي في الغرب- تحتاج منا
إلى وقفة رشيدة نصحح فيها المسار،
وتوجيه رشيد نعالج فيه الأخطار، وعمل
جاد دءوب نحفظ به الأسرة المسلمة من
الانكسار أو الانهيار.
بل نتطلع إلى أن تكون أسرنا
المسلمة كما أرادها الله تعالى لنا سكنا
ومودة ورحمة ورعاية وحبا وتنشئة
للأجيال الصالحة، ونقدم نموذجا
للمجتمعات الإنسانية كافة بأن الإسلام
يضع الإنسانية على الطريق السوي، ويقدم
لها الحياة السعيدة.
شعار العام
ومن منطلق ما أوجبه الله
تعالى علينا، وأمرنا به ديننا الحنيف
يجب على المسلمين أفرادا وجماعات
جمعيات ومؤسسات أن يقوموا بواجبهم
ويهتموا بالأسرة المسلمة؛ ومن منطلق
قول الله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)،
وقول رسوله الكريم r: (كلكم راع وكلم
مسئول عن رعيته).
وإيمانا منا بالدور الكبير
الذي ينبغي أن تقوم به الأسرة المسلمة
في أوروبا من الحفاظ على الوجود
الإسلامي، واستقراره، وإعطاء النموذج
الإسلامي الصحيح للحياة الإنسانية
القائمة على السكينة والمودة والرحمة،
وشعوراً منا بحجم المشكلات التي تعاني
منها الأسرة المسلمة في الغرب.
وانطلاقا من تلك المبادرة
التي قام بها اتحاد المنظمات الإسلامية
في أوروبا بأن يكون عام 2009 هو عام الأسرة
المسلمة في أوروبا، ودعا كافة المؤسسات
والمنظمات والجمعيات في أوروبا للتعاون
في هذا المشروع الكبير تحت شعار (أسرة
مسلمة مستقرة في أوروبا).
فإننا ينبغي أن نتبنى هذا
البرنامج في هذا العام 2009، ونجعل شعارنا
جميعا (أسرة مسلمة مستقرة)، ولندعو كافة
الأفراد والمؤسسات والمراكز والهيئات
الإسلامية وغير الإسلامية التي يمكن أن
تتعاون معنا في هذا الميدان للعمل بجد
واجتهاد في هذا المشروع الضخم الكبير
الذي ينتظر من وراء العمل فيه الخير
للأسرة المسلمة وللوجود الإسلامي في
أوروبا وللمجتمعات التي نعيش فيه أيضا.
فليكن شعارنا في أوروبا
هذا العام بإذن الله تعالى: (أسرة مسلمة
مستقرة في أوروبا)، وليكن هدفنا وعملنا
جميعا هو كيف نصل إلى تحقيق ذلك
بالاستعانة بالله تعالى وبذل كل ما
نستطيع من جهد وعمل في هذا الميدان.
والله الموفق والهادي إلى
سواء السبيل..
|