|
عزيزتي
الأم، إذا كان طفلك من عشاق الوجبات
السريعة وتعتقدين أنها تفيده صحيا
فإليك نوعا آخر من تلك الوجبات التي
تقدم له مجانا، وعليك أن تحذري منها..
إنها "إعلانات التلفزيون السريعة"؛
ففيها يكون طفلك تارة سوبرمان الخارق
عندما يأكل هذا النوع من الجبن.. وتارة
أخرى لاعب الكرة المحترف عندما يتناول
مشروب المياه الغازية، وآخر عنده
الخبر اليقين عند شرب ذلك اللبن.. وسلع
فيها كل ما يتمناه وأخرى الحياة من
غيرها مستحيلة.. ودائما "جمّع واكسب
وكلما اشتريت أكثر فرصتك في الفوز تكبر"...
وهنا تزيد لهفته على هذه السلع وتدفع
به إلى إصدار أوامره الفورية للحصول
عليها، فتتحيرين أنت ما بين حقه في
الطلب وحقك في الرفض ومن هنا قد يصبح في
بيتك دكتاتور صغير.
تأثير
سلبي
أثبتت
العديد من الدراسات الإعلامية في مجال
تنشئة الطفل والخاصة بتأثير الإعلانات
التلفزيونية على أفكاره واتجاهاته أن
الإعلانات ذات التأثير السلبي عليه
تشكل نحو 80% مقابل 20% من تأثيرها
الإيجابي وأن التلفزيون يعد من أكثر
وسائل الإعلام مصداقية لدى الطفل وذلك
لاعتماده على مبدأ (الرؤية هي الإقناع
seeing is believing ). من هذا المنطلق سيدتي
فلتعلمي أن الإعلانات لا تروج فقط
لسلعة ما بقدر ما تروج لأسلوب ونمط
حياة قد يتبناه طفلك ويراه بمرآته
الضيقة بكل بريقه أنه العالم من حوله،
فالإعلانات التلفزيونية بإيقاعها
السريع وما تحمله من مؤثرات: إضاءة
وحركة وأغان خفيفة، وما تحويه من عناصر
إبهار وجذب تمثل له الحلم الوردي
فتستميل رغباته الشرائية وتجعل منه
شخصا استهلاكيا تحدوه النزعة في
الاقتناء دون مراعاة لقدرات الأسرة
المادية.
وهذا
ما أكدته إحدى الدراسات الإعلامية على
الأطفال الذين يتعرضون بانتظام
للإعلانات. إنهم يطلبون السلع المعلن
عنها بنسبة 97% مما يدعم لديهم الرغبة في
الاستهلاك فإذا ما قوبلت رغبته بالرفض
فإنه يعلن العصيان التام ويتحول إلى
شخص متمرد يشعر بالإحباط والتوتر لعدم
قدرته على شراء كل ما يريده ويطمح في
الحصول عليه؛ فيدفعه ذلك لأن يكون
عنيدا مستبدا برأيه حتى إنه يتجه لشراء
ما يريده بمصروفه الخاص بالرغم من رفض
الأهل لشرائه.
كذلك
هناك بعض الإعلانات المرتبطة بالخدمات
الترفيهية كالإعلانات عن الأفلام
السينمائية المليئة بمشاهد الإثارة
ومحاولات القتل واستخدام الأسلحة،
وكأنها توجه طفلك لأن يرفع شعار أنا
ومن بعدي الطوفان. ففي بحث ميداني
أجرته المجموعة الاستشارية للشرق
الأوسط "ميج" حول برامج وإعلانات
التلفزيون كما يراها صغار المشاهدين،
على عينه قوامها 50 طفلا موزعة على 5 مدن
مصرية أثبتت أن الأطفال يقبلون على
مشاهدة الإعلانات بانتظام وبصفة
يومية، ومع رغبته في التقليد
والمحاكاة يتزايد شعوره بالتوحد مع ما
يراه ويتمنى أن يصبح مثله.
مصباح
علاء الدين
وهناك
نوع آخر من الوجبات الإعلانية السريعة
التي تحث طفلك ليس فقط على الاستهلاك
بل على مبدأ الكسب السريع معتمدا على
الحظ بأقل جهد ممكن، فتقل لديه قيمة
العمل كأساس للكسب وتحقيق الأحلام
عوضا عن سلع تحقيق الأحلام المعلن
عنها، فيترسخ لديه بالتالي مبدأ الأخذ
دون عطاء وتصبح بالنسبة له مصباح علاء
الدين السحري، يأمر فيطاع.
وهنا
يأتي دورك في أن تغرسي في طفلك قيم
الاعتماد على النفس وتأكيد الذات حتى
يكون إيجابي التفكير يعرف ما له من
حقوق وما عليه من واجبات وأنه ليس
بمفرده في هذا العالم وأن عليه أن يسعى
ليحقق ما يريد. ولا تنسي عزيزتي أن جوهر
الإسلام هو أن تجعلي من طفلك طفلا وسطا
في توجهاته وسلوكه يرفع شعار الاعتدال
في حياته وقراراته فلا يجنح إلى أقصى
اليمين أو ينحاز إلى أقصى اليسار،
قادرا على تحمل المسئولية ويؤمن
باحترام الغير، فقد قال الله تعالى في
كتابه العزيز: "وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"..
فلم لا تجلسين طفلك بجوارك وتفتحين معه
مجالا للحوار الدافئ الأسري وتفهمينه
أنه بصرف النظر عن قدرات الأسرة
المادية فليس بالضرورة أن تناسبه كل
السلع المعروضة وأن هناك أطفالا لا
يستطيعون شراء كل ما يتمنونه فيترسخ
بداخله الشعور بالآخر ولا يعلو عنده
الإحساس بالأنا ويصبح ديمقراطيا في
شعوره.. كذلك عليك أن تكوني أكثر حيوية
وتدفقا من تلك الإعلانات السريعة وأن
تجعليها مادة خصبة يتعلم طفلك من
خلالها كيف ينقدها وكيف يفرق بين
الصواب والخطأ وبين ما هو مقبول وما هو
مرفوض في مجتمعه وما يحث عليه دينه،
فتحولي بذلك عملية الضبط الخارجي
للسلوك إلى ضبط داخلي مرتبط بالأخلاق
والقيم الاجتماعية.
ومما
يدعو للأسف أن بعض الأمهات تتخذ من
التلفزيون جليسا لأطفالهن لحين
انتهائهن من أعمالهن المنزلية أو
كصحبة بديلة للأطفال المنعزلين
اجتماعيا عوضا عن الأصدقاء، وهو ما
يزيد من تعلق هؤلاء الأطفال
بالتلفزيون وخاصة الإعلانات بما تثيره
من خيال وتصورات فتصل إليه الرسالة
الإعلانية في سهولة ويسر فتؤثر عليه في
أهم مرحلة من مراحل حياته التي تبنى
فها شخصيته وتتحدد فيها معالم
اتجاهاته وميوله وفقا لمفهوم التنشئة
الاجتماعية كما عرفها علماء الاجتماع
بأنها "إعداد الفرد منذ ولادته لأن
يكون كائنا اجتماعيا وعضوا في مجتمع
معين، وهي عملية ديناميكية مستمرة
تبدأ منذ ولادة الفرد وتستمر حتى
مماته، وفي كل مرحلة يتعلم ويكتسب ما
لم يكن قد عرفه أو أدرك مراميه على نحو
أفضل".
لغة
دكتاتورية
هل
تعلمين عزيزتي الأم أن اللغة
المستخدمة في الإعلانات التلفزيونية-
إن صح تسميتها بلغة- يمكن أن تجعل من
طفلك دكتاتورا نحو لغته العربية
السليمة، فهو عندما ينحاز لاستخدام
الألفاظ الغريبة والدخيلة والمصطلحات
الهشة المملوءة بها تلك الإعلانات
فإنه يعمل على تثبيتها وتأكيدها ويفتح
الباب على مصراعيه لإرسائها في
معاملاته اليومية باعتبارها تعكس
الإيقاع السريع من حوله، فهو بذلك يقهر
لغته العربية ويضعها جانبا فتتراجع
أمام هذا الزحف والكم من التعبيرات
الشاذة.
فلتوجهي
معي رسالة إلى منتجي ومصممي الإعلانات
التلفزيونية بأن يجعلوا منها قالبا
ورافدا لإكساب الطفل معلومة مفيدة
وترفيها راقيا في آن واحد.
وتذكري
أنت أن طفلك يحتاج لأن تأخذي بيده
وتقدري مهاراته وملكاته وتوفري له
المناخ الملائم لإشباعها فيتعلم كيف
يكون منتجا لا أن يكون مستهلكا وأن
تعطيه المساحة الكافية من الحرية
للتعبير عن رأيه وتصوراته، واحذري أن
ترفضي جميع طلباته لمجرد الرفض بل عليك
إشراكه في أسباب هذا الرفض.
فدعينا
لا نتعامل مع مفهومي الديمقراطية
والدكتاتورية من منظور ضيق بمعنى
إبداء الرأي أو الاستبداد به، بل كيف
نخرج بالديمقراطية بمفهوم أوسع كمنهج
للعلاقات الإنسانية والمعاملات
اليومية التي قد تبدو بسيطة، وكيف
نحققها على مستوى الفرد والأسرة. فمثلا
إذا كان طفلك موهوبا في الرسم فلماذا
لا تقيمين له معرضا مصغرا داخل المنزل
يحضره أصحابه وأقاربه فيشعر بذاته
وأهميته وقدرته على أن يكون منجزا.
كذلك
يمكنك أن تخصصي يوما في الأسبوع
لمناقشات مفتوحة حرة يتخير أحد أفراد
الأسرة موضوعها تباعا أو أن تأخذي طفلك
لزيارة دور الرعاية والأيتام ليلمس
بنفسه أن هناك وجها آخر للحياة.
علمي
طفلك كيف يحترم نفسه وكيف يحترم
الآخرين، وهنا يكمن جوهر الديمقراطية
كسبيل يسير على دربه طفلك، فتنعمي به
شابا ديمقراطيا، ورجلا ديمقراطيا.
اقرأ
أيضًا:
|