بريدك الالكتروني


English

 

عيون المشاهد

»

أخبار وتحليلات

»

ملفات وصفحات خاصة

  مشاهد أخرى الوسائط المتعددة
 

المغرب.. "دكاكين" سياسية في البرلمان!

المغرب-جواد غسال- عيون المشاهد/ 29- 8- 2007

كلما اقتربت الانتخابات كثرت التساؤلات، دون أن يكون من شأنها أن تعطي جوابا يكسر أفق انتظار المواطن المغربي، الذي تشكلت لديه صورة تتكرر بنفس مشاهدها، فتكريس البلقنة في الخريطة السياسية، وتكرار الأساليب وسلوكيات الأحزاب المغربية في التعاطي مع الانتخابات كمسرح لـ"دراما" موسمية، ونفسية التشبث بالكراسي، وإعطاء الأولوية للمصلحة الذاتية قبل مصلحة الوطن، وما يصاحبها من تزوير، ورشوة، وسباق نحو كسب أكبر عدد من المقاعد لضمان البقاء ضمن فرق القسم الأول، وعدم السقوط في حسابات قد تضع الحزب في أواخر سلم الترتيب... كل هذا وغيره يرسم معالم مشهد سياسي يطرح الكثير من التساؤلات، خاصة وأن المغرب على شفا انتخابات تختلف سياقاتها عن سابقاتها، فإما أن تكرس الصورة وتفقد الأمل في التغيير، أو تعيد البريق لسياسة ظل الكثيرون يعتبرونها لعبة لا تغني ولا تشبع من جوع.

ونحن على مشارف الانتخابات، التي لا يفصلنا عنها سوى أيام قلائل، تستدعى قضية المشهد السياسي المغربي للمساءلة، بحثا عن جدوائية الانتخابات، وتحليلا للراهن السياسي بالمغرب، وهو ما يمكن مقاربته من الجوانب التالية:

- تكريس البلقنة:

ينشأ الحزب السياسي  لكي يمارس السياسة من خلال فكر سائد في المجتمع، وتقوم مرجعية أي حزب على منظومة من الأفكار و المواقف التي يختارها لنفسه كي يؤسس عليها مبادئه و تصوره و إستراتيجيته، بل وبرنامجه السياسي من أجل تحقيق مشروعه المجتمعي، ومعالجة القضايا ذات الأولوية في المجتمع، ومن خلال هذه المبادئ والإستراتيجية، والبرنامج السياسي يعمل الحزب على إقناع المجتمع، وإعطاء أدلة قوية على قدرته في تطبيقها....إنها الصورة المثالية للممارسة السياسية التي يتوخاها المواطن المغربي في أحزابه السياسية، وهو ما لا تعكسه هذه الأخيرة في غالبية ساحقة، بعدما دخلت في ممارسات سياسية ميكانيكية روتينية، وعمل إداري أجوف، تحول معها الحزب إلى مجرد بناية تنظيمية يلتقي فيها مجموعة من الأعضاء، وفي السنوات الأخيرة، تحولت إلى "دكاكين" سياسية بعيدة عن الوظائف الأساسية المتمثلة في خدمة الشأن العام الوطني، والتأطير، والتنشئة السياسية والاجتماعية، وبناء برامج قوية، والعمل على ترجمتها على أرض الواقع، بعيدا عن المزايدات السياسية، والحسابات الضيقة التي لا ينتج عنها سوى ضياع حق المواطن، وكرامته.

ويعرف تكاثر الأحزاب السياسية بالمغرب، وتوالدها وثيرة متسارعة، تتزايد حدتها كلما اقتربت الانتخابات التشريعية، إذ يمكن للحزب في المغرب أن يتأسس أياما قبل الحدث الانتخابي، ويحصل على أكبر عدد من المقاعد، كما وقع سنة 1983 مع الأحرار، ليحصل على 84 مقعدا، ويقود الحكومة دون سند جماهيري، ودون برنامج انتخابي قوي، وهو ما اصطلح عليه بحزب " كوكوت مينوت"، وهو من الأخطاء السياسية التي لا يزال المغرب يحصد نتائجها.

وخلال هذه السنة تأسست العديد من الأحزاب السياسية، مما يكرس نوعا خطيرا من البلقنة، سينتج عنه توزيع المقاعد البرلمانية بشكل متقارب في ظل غياب وعي سياسي لدى شريحة واسعة من المجتمع المغربي، وهو تكرار لمسلسل حكومة بألوان متناقضة، وأغلبية ضعيفة كالتي قادها إدريس جطو، أدت إلى الجمع بين اليسار واليمين، وبين برامج مختلفة، ورؤى متفاوتة، وإيديولوجيات متعددة، أبانت عن ضعفها منذ الوهلة الأولى، وفشلت في القضايا الأساسية التي يعاني منها المجتمع المغربي، كالبطالة، والهجرة السرية، والتعليم، والصحة وغيرها، لتخرج بحصيلة حكومية مهترئة، لم تستطع الإجابة عن طموحات شعب يتهدده الفقر، وتنخر الأمية جسده...

ويمكن إرجاع الواقع السياسي المبلقن إلى الأسباب التالية:

أ‌- إرادة وزارة الداخلية: إن أول خطوة في طريق مبارحة الانتقال الديمقراطي لمكانه هي رفع وزارة الداخلية ليدها على الأحزاب السياسية، وعدم التدخل في شؤونها، وفي رسم الخريطة السياسية، لكون هذا التدخل لا يخدم المصالح العليا للبلد، بقدر ما يخدم كيانات تستغله لتحقيق مصالحها، وتقوية مواقفها، ويجعل الشعارات الرسمية نكتا يتداولها العام والخاص، تفقد الشأن السياسي قيمته، في تناقض مع التوجيهات الملكية، التي أكد عليها خطاب عيد العرش الأخير.

لكن وزارة الداخلية ماضية في أجندتها، وفي تدبيرها للشأن السياسي بشكل يضرب في عمق الديمقراطية، ولعل التلاعب الذي عرفته انتخابات 2002 التي لم تعرف نتائجها لحد الآن، وطريقة تدبيرها لبعض ملفات الفساد السياسي لدليل على ذلك، وهو ما ينذر بكون توالد الأحزاب السياسية لن يتوقف رغم تحديد 3 في المائة كحد أدنى من عدد الأصوات.

ب‌- غياب الديمقراطية الداخلية: تتعاقب التساؤلات عن البنية الداخلية للأحزاب المغربية، وطريقة إدارتها، وبناها الهيكلية التي تفتقد للديمقراطية، إذ من الأحزاب من لم يعرف أي تغيير على مستوى القيادة منذ تأسيسها، ويغلب على العلاقات الداخلية في الأحزاب السياسية طابع المحسوبية، والزبونية، وهو ما تبرهن عليه العمليات الأخيرة في اختيار أعضاء اللوائح الانتخابية التي لا تراعي الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ج- غياب المصداقية: إذ تعود الكثير من الانسحابات التي تتوج بتأسيس أحزاب جديدة إلى غياب المصداقية لدى الحزب الأم، ويتجلى غيابها في تطبيق البرامج ومخالفة الوعود التي تطلقها الأحزاب السياسية ثم تخلفها، فالحكومات السابقة ومن ضمنها حكومتي التناوب، وحكومة جطو أعطت الكثير من الوعود للمغاربة، لكنها لم تفي بها، مما خلف استياء لدى الشارع المغربي بشكل عام، ولدى مناصري هذه الأحزاب بشكل خاص.

- الفساد السياسي: تتكرر مشاهد الفضائح السياسية في المغرب مع كل عملية انتخابية جديدة، وتنتشر الخروقات التي تمس عمق التحول الديمقراطي الذي يراهن عليه المغرب، يغطيها غياب قضاء مستقل، وضعف التنشئة السياسية التي تلقتها فئات قليلة من المجتمع، بينما تغيب عند فئات عريضة، لتتحول كل عملية انتخابية إلى مجازر ترتكب في حق الديمقراطية والمصداقية آخرها وقائع انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين وما صاحبه من خروقات غطت معظم جهات المملكة، لم يعطيها القضاء ما تستحقه من متابعة، ويؤدي تكرار هذه المشاهد إلى:

- تراجع الوعي السياسي: من المسلمات التي أصبحت راسخة في الشارع المغربي كون شريحة كبيرة من المغاربة قد فقدوا ثقتهم في الشأن السياسي والسياسيين، وفي ما تفرزه الانتخابات، وما يصاحبها من خطابات تتغذى على قضايا هامشية، وتستغل معاناة المواطن لتوظيفها لأغراض انتخابية، لكن الخطير في الأمر هو اتجاه المثقف المغربي إلى نفس النتيجة، ليصبح أكبر الغائبين عن تعزيز مبادئ بناء دولة قوية في ظل العولمة الشرسة، والاستهداف الذي يطالها من الداخل والخارج.

- تراجع المشاركة السياسية: وهو ما دفع بهيئات مدنية وسياسة إلى تعبئة واسعة للتسجيل في الانتخابات، لكن هذه التعبئة تبقى ضعيفة لكونه لا تستجيب لتغيير جذري يتطلبه المسرح السياسي.

- فشل الانتقال الديمقراطي: إذ ظل خطابا محتكرا من طرف جهات رسمية، دون أن يجد صداه في واقع تستمر فيه أزمات حرية التعبير وحقوق الإنسان وعدم استقلالية القضاء، واستغلال النفوذ السلطوي، إضافة إلى الفقر والتهميش، والأمية، مما يدفعنا إلى التساؤل عن اللحظة التي ينتهي فيها الانتقال الديمقراطي إلى نتيجة إيجابية في ظل التعثر الذي يعرفه.

الانتخابات على مرمى من حجر، يتطلع إليها المغاربة وفي حوزتهم كما هائلا من الأسئلة، تجد أجوبتها الأولية مع الخروقات التي بدأتها العديد من الأحزاب السياسية قبل بداية الانتخابات، فالحكومة التي لم تحقق آمال المغاربة تصرح في غير ما مرة عزمها الاحتفاظ بمناصبها، والوزراء ورؤساء البلديات ورؤساء مجالس المدن الكبرى يستغلون مناصبهم في ضمان مقاعدهم بالبرلمان، والأوراش التي لم تنطلق خلال سنوات طوال بدأت مسارها في الوقت الميت، تتعدد الوسائل والهدف واحد هو الوصول إلى الأطماع السياسية، والنتيجة واحدة تخريب وإفشال المسلسل الديمقراطي الذي لم ينطلق بعد.


أرسل مشاركتك

ein@iolteam.com

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع