 |
| نازحي نهر البارد من الأطفال |
حتى نفهم ما حدث فإننا يجب أن
نفهم أن داخل التجمعات الفلسطينية تعمل
التنظيمات الفلسطينية بكل أشكالها
وأطيافها وتناقضاتها، بل صراعاتها ودون
الدخول في تفاصيل هذه الخريطة المعقدة
لمناطق النفوذ والصراع فإن ما نحتاج أن
نفهمه هو أن تنظيم فتح الإسلام عبارة عن
تنظيم جديد، وهو تنظيم صغير منشق عن تنظيم
فتح الانتفاضة التي هي تنظيم منشق عن فتح
أبو عمار.. لا تشغل نفسك كثيرا بفهم الفروق..
فالأمر يتدخل فيه عوامل مركبة ومتداخلة.
المهم أن هذا التنظيم الجديد
بعدما تصدت له التنظيمات المنافسة في
مناطق تجمع مختلفة قرر أن يتجمع في حي نهر
البارد ودخل في معركة مع تنظيم فتح
الانتفاضة صاحب النفوذ الأكبر في حي نهر
البارد حسمها لصالحه واستولى على أسلحته
وذخائره والتي يقال إنها كانت ضخمة لأنه
كان (فتح الانتفاضة) مدعما من سوريا وتركت
له القوات السورية معظم أسلحتها وعتادها
وهي تنسحب من لبنان، وهذا يفسر هذا
التسليح القوي لتنظيم فتح الإسلام.. الكل
يجمع أن تنظيم فتح الإسلام كان حاصلا على
ضوء أخضر من جهة ما.. اختلفوا على تحديدها
ولكنهم قالوا إن ما كان يقوم به فتح
الإسلام من تدريب وتسليح لم يكن غائبا عن
السلطة اللبنانية ولا عن التنظيمات
الفلسطينية الأخرى، فمن قائل إنه كان
مدعوما من المخابرات السورية، وآخر يقول
بالنقيض إنه كان مدعوما من تيار المستقبل
للاستقواء بهم ضد النفوذ الشيعي المتنامي
بعد حرب تموز (يوليو)، ومن قائل بكلام آخر
عن دور للمخابرات اللبنانية في تقويته
لكسر شوكة فتح الانتفاضة.
بداية الأحداث
المهم أنه ورقة صغيرة في لعبة
الصراعات المتشابكة على الساحة اللبنانية
والتي تكون فيه كل الأقوال السابقة صحيحة
على أساس أن الكل يعلب والكل يستفيد من
المتناقضات من أجل البقاء.. بداية الأحداث
كانت أن عناصر من فتح الإسلام هاجموا
مصرفا تابعا للحريري واستولوا على ما به
من أموال وقتلوا عنصرين من الجيش اللبناني..
كان هناك 13 من قيادات فتح الإسلام مجتمعين
في شقة في طرابلس حاصرهم الجيش وبدأت
معركة لمدة يومين.
هددت فتح الإسلام إذا قتل هؤلاء
القيادات بالخروج وقتل عناصر الجيش
اللبناني الموجودة على باب الحي السكني
نهر البارد.. لم تصل هذه المعلومات إلى
قيادة الجيش على حد قول بعضهم فمن يقولون
إن هناك من كان من مصلحته توريط الجيش في
معركة نهر البارد.. وبالتالي قتل الجيش
هؤلاء الـ13 الموجودين في الشقة فردت فتح
الإسلام بقتل 25 عنصرًا من الجيش اللبناني؛
لتبدأ معركة يطرح الكثيرون تساؤلات حول
كيفية إدارتها وأنها أيضا تدل من البداية
على أن فتح الإسلام وفتح معركة معه لم يكن
إلا ذريعة لقصف حي نهر البارد وإجلاء
الفلسطينيين عنه لأن من يريد أن يقبض أو
يقضي حتى على 200 من عناصر فتح الإسلام
موجودين في أطراف الحي البعيدة لا داعي
لأن يضرب قلب الحي السكني والمسمى بالحي
القديم والذي يكتظ بالكثافة السكانية
العالية (مساحة هذا الجزء القديم كيلو متر
مربع فقط) ويوجد به ما يزيد عن 30 ألف نسمة
حيث البنايات متلاصقة وتكاد لا تصل الشمس
إلى الشوارع.
حيث اضطر معظم السكان في الأيام
الثلاثة الأول إلى الخروج بعد كم القتلى
والإصابات التي وقعت بينهم ولتستمر
المعركة لمدة 3 شهور يتم فيها تدمير الحي
بصورة منهجية تحت دعاء مطاردة وحصار تنظيم
فتح الإسلام.. حتى أن كثيرا من بنايات الحي
الجديد تدمر وتحرق عمدًا بعيدا عن أي
معارك.. إذن فتنظيم فتح الإسلام كان
الذريعة لتصفية حسابات قديمة وجديدة..
فالأزمة النفسية بين اللبنانيين
والفلسطينيين وجدت لها متنفسا فكما يتحدث
الفلسطينيون ويقولون إن مخيم (حي) نهر
البارد كان قد قارب أن يصبح مدينة وهي
مدينة تجارية استطاع أهلها أن يسيطروا على
كثير من الصناعات والتجارات.. حتى قيل إن
بورصة لبنان موجودة في نهر البارد.. إن نهر
البارد أصبح مركزًا يقصده الجميع سواء من
المحيطين به في الشمال (عكار) أو حتى من
بيروت من أجل الحصول على احتياجاتهم وذلك
لرخص أسعاره، إذن فهناك من لديه مصلحة لأن
يضرب نهر البارد الاقتصادية بعيدا أو قبل
لعبة السياسة والصراع التي تطفو على
السطح، الخيوط متشابكة تشابك العلاقات
بين أهل نهر البارد والمحيط الذي حولهم
والذي جعلهم يتألمون وهم يسمعون أخبار
القتلى من الجيش اللبناني ألمهم على ضياع
أموالهم وبيوتهم.. موقف المشايخ السنة من
الأحداث يمثل علامة استفهام كبرى لدى
الفلسطينيين ويقولون أيضا تفسيرًا لما
حدث إن الفلسطينيين يدفعون ثمن تأييدهم
لحزب الله في حربه السابقة في يوليو (تموز)
حيث كانوا الوحيدين في المحيط السني الذين
أعلنوا تأييدهم منذ أول لحظة لحزب الله
على أساس أنه يقاتل إسرائيل عدوهم اللدود..
ولذا فإن السنة والجيش اللبناني اليوم يرد
لهم هذا الموقف وبالتالي فالفلسطينيون
غاضبون من موقف السنة وعدم تصديهم لما
يحدث لهم باعتبارهم جزءا من الطائفة
السنية، بل هو من أعطى الثقل لهذه الطائفة
إبان الحرب الأهلية حيث إنحاز
الفلسطينيون السنة إلى الطائفة السنية
واستطاعوا أن يتفقوا ضد الطوائف الأخرى..
إذن فالأمر لا يبدو بسيطا كما يظهر من بعيد
فالسياسة والاقتصاد والطائفية والتاريخ
وحتى الجغرافيا لها دور.. فهم أيضا يقولون
إن الهدف هو طرد الفلسطينيين تماما من هذه
البقعة الإستراتيجية الواقعة على النهر
والبحر.. إذن الجغرافيا أيضا حاضرة.. ولذا
يصبح الملخص لما تاه مع التفاصيل:
ملخص ما تاه من
التفاصيل
أن ما حدث في نهر البارد تشابكت
فيه:
-
صراعات السياسيين فيما بدا أنه
محاولة لتوريط الجيش في معركة استنزاف
حتى يحرق قائد الجيش المرشح بقوة رئيسا
للجمهورية.. ولذا كان الوجه الآخر الآن
بعد انتهاء الحرب هو محاولة استغلال ما
حدث من أجل أن يصبح الجيش هو الورقة
الرابحة أو الحاسمة في صراع السياسيين.
-
المصالح الاقتصادية، حيث كان
نهر البارد يمثل بورصة لبنان والتي كانت
ملكا للفلسطينيين وهذا ما اعتبره البعض
خللا يجب إصلاحه لإعادة ترتيب الأوراق
بصورة أخرى.
-
تاريخ العلاقة اللبنانية–الفلسطينية
وما شابها من شد وجذب وتوتر عبر السنين
الطويلة.
-
الرغبة في تعديل الجغرافيا
بإزالة هذا الحي من الوجود بكل ما يحمله
من تناقضات وتفاعلات أسهبنا في ذكرها.
هذه محاولة لفهم ما حدث في نهر
البارد.. صورة عن قرب ولكنها في النهاية
ليست هي المشكلة بل هي الجزء من المشكلة
الذي أشار إلى الكل الأصلي.. وهو وضع
اللاجئين الفلسطينيين بصورة عامة وفي
لبنان بصورة خاصة.
وهو الوضع الذي بمناسبة ما حدث
ربما يحتاج للوقفة وللتحليل لمحاولة
الفهم قبل فوات الآوان.
ولذا فإن الوضع على الأرض -كما
يقولون- بعيدا عن كل هذه التشابكات هو:
-
أن حي نهر البارد والذي كان
يقطنه ما يزيد عن 40 ألف فلسطيني قد تهدم
جزءه القديم ويحتاج إلى ما يقرب من
العام لإعادة البناء حتى يستطيع
الفلسطينيون العودة اليه وأن الجزء
الجديد منه يحتاج الكثير من بيوته
للترميم.
-
أن هؤلاء الأربعين ألف إنسان..
وهم بشر مثل كل البشر من كافة المستويات
الاجتماعية والاقتصادية كانوا يعيشون
حياتهم الطبيعية داخل حيهم السكني.. لهم
ذكرياتهم.. لهم خصوصياتهم.. كل هذا فقدوه
فجأة دون مناسبة حقيقية فهم لم يدخلوا
حربا ولم يواجهوا عدوا ولم يقوموا بتمرد
جماعي ضد الجيش، ولكن تصادف أن اختبأ
بينهم تنظيم عدد أفراده 200 فرد وقعت بينه
وبين الجيش معركة.. فهدم الجيش الحي فوق
رؤوس بشر لا يعرف معظمهم من هو تنظيم فتح
الإسلام أو ما هي مشكلته مع الجيش..
هؤلاء انتقلوا الآن للعيش في مخيم
البداوي القريب والذي كان يستوعب سكانه
الـ18 ألفا بالكاد.. في ظروف معيشية لا
تليق بأي إنسان.. فاجتمع فقدان البيت مع
إحساس شديد بالمهانة لما يعانونه، ولأن
أحدا لم يمد يد المساعدة الحقيقية.. إما
لمنع ما حدث أو تخفيف وطأة ما يحدث.
-
من العجائب بعد انتهاء معارك
الجيش اللبناني بعناصره الثلاثين ألفا
ضد المائتي عنصر من تنظيم فتح الإسلام..
كان من الطبيعي أن يعود أهل الحي إلى
بيوتهم ومساكنهم ولكن الذي حدث أن الأمر
أصبح فيه نظر.. بمعني أن هناك من يعتبر ما
حدث فرصة يجب ألا تضيع حتى يختفى هذا
الحي من الوجود فما بين رفض من السكان
المحيطين بالحي من اللبنانيين لعودة
الفلسطينيين كرد فعل لمقتل أبنائهم من
الجيش اللبناني في المعارك، وما بين
اعتبار أن الكثير من البيوت غير شرعية
لأنها ضد قانون عدم تملك الفلسطينيين أي
عقار في لبنان يصبح لهؤلاء صوت قوي يزيد
من حفيظة وألم أهل الحي الذين بالمقابل
أعلنوا أنهم لا يريدون إلا العودة إلى
حيهم حتى وهو أنقاض للتأكيد على حقهم
وشرعيتهم حتى لا يضيع مع الزمن، وهكذا
أصبح الوضع البديهي وهو أن سكانا قد
اضطروا لترك بيوتهم تحت وطأة معركة لا
ناقة لهم فيها ولا جمل، وبالتالي فمع
انتهاء المعركة يعودون لبيوتهم ويعوضون
على ما فقدوه.. هذا الوضع البديهي داخل
متاهات السياسة اللبنانية وتعقيداتها
يتحول إلى وضع إنساني مأساوي وهو أن
الفلسطيني الذي عاني التهجير من أرضه
الأصلية في فلسطين أصبح يطالب بحق
العودة إلى نهر البارد.. بدلا من العودة
لفلسطين.
-
أنه مع بدء العام الدراسي أصبح
الفلسطينيون مطالبين بإخلاء المدارس
دون تقديم أي بديل للإقامة حيث إن
الوعود حتى بإعادة بناء الحي لم تطلق؛
لأنه هناك من يعارض إعادة البناء.. فحتى
الوعود الكاذبة لم يستطع الفلسطينيون
الحصول عليها.
ولا يوجد إدراك حقيقي لطبيعة
الأزمة الإنسانية الموجودة ليس في حي نهر
البارد فقط، ولكن في حي البداوي الذي
أصبحت أيضا الحياة لا تطاق فيه ولك أن
تتصور حيا شعبيا فقيرا ترزح إمكاناته
بسكانه الـ18 ألفا وقد أضيف إليه 30 ألفا أو
أكثر فما هي شكل الحياة الاجتماعية
والإنسانية؟ وما هو شكل الاحتكاكات
والتفاعلات التي يمكن أن تنتج؟ وما طبيعة
المشاعر الإنسانية التي يولدها هذا
الزحام الضاغط على نفوس الجميع من ضيوف
ومضيفين؟
اقرأ أيضا:
** مستشار
القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"،
ومن فريق المساندة النفسية، ويمكنك
التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص
بالصفحة adam@islam-online.net.
|