 |
| داليا الشيمي أثناء رحلة الدعم النفسي لأطفال نهر البارد |
شاءت الأقدار أن أكون ضمن فريق
المساندة النفسية الذي شارك في تقديم
الدعم النفسي والمساندة النفسية في حرب
تموز 2006، والناتجة عن العدوان الإسرائيلي
الغاشم على لبنان.
واستمررت هناك لفترة أصدرت
خلالها كتابين أحدهما مشترك، يتعلق
بتقديم الدعم للشعب اللبناني فترة الحرب.
واعتبرت أن هذه التجربة خبرة
عظيمة في حياتي، كتبت عنها وحفظتها بكل ما
تحمله من مشاهد بصرية وصور ذهنية، واعتقدت
أنني مؤهلة لأي تجربة أخرى، في هذا الشأن،
فلن يختلف الأمر كثيراً..
فالناس في الحروب هم أشخاص تحت
صدمة، وما يظهر عليهم هي أعراض ما بعد
الصدمة نتيجة لما يعانونه وما يشاهدونه
خلال فترة تختفي فيها كل التوقعات، ويبقى
العقل في حالة تأهب كامل لكل ما قد يستجد،
بدون أي حسابات أو ترتيبات تذكر..
قصة نهر
وحين بدأت قصة نهر البارد، رغبت
في تفعيل هذه الخبرة، وسعيت لذلك في دراسة
تخصصية فردية قمت بها، ولكن هذا لم يكن
هدفي.. فقد تمنيت أن أنتقل إلى أهالينا
هناك لأعمل وسطهم، وأقوم بدوري معهم،
وأفعل ما تعلمت.
وجاءت الفرصة العظيمة من خلال
دعوة من شبكة إسلام أون لاين.نت – التي
شرفت بالعمل معها في المرة السابقة –
وكذلك اتحاد الأطباء العرب، تلك الهيئة
التي تحمل الكثير من الثقة والتقدير من
كافة المستويات.
وذهبت إلى هناك.. أقصد مخيم
البداوي.. الذي يحمل نازحي نهر البارد،
والذين يقاربون تبعا لبعض الإحصائيات 40
ألف مواطن..
بينما يحمل مخيم البداوي نفسه
حوالي 17 ألف مواطن، وخدماته تكاد تكفيهم..
وأعددنا برنامجا لهذه الرحلة، يشمل تقديم
الدعم النفسي لمختلف الفئات، فقد وضعنا
برنامجا للتعامل مع الأطفال، وأخر
للتعامل مع الأسر نفسها في جلسات الإرشاد
العائلي، وجانب ثالث لجلسات التفريغ
النفسي للعاملين في المجالات المتخصصة من
الإغاثيين، والمربين، وغيرهم.
من السبب؟
ومن أول لحظة للتواجد على أرض
فلسطين – أقصد مخيم البداوي – أيقنت أنها
تجربة مختلفة وفريدة في كل تفاصيلها.
وأيقنا أننا مع شعب مختلف، ومع
فكر مختلف، بل مع مأساة إنسانية مختلفة،
وفريدة.
فمواطنو نهر البارد لم يشكوا فقط
من عدو واحد واضح ومحدد، فقد اختلط هذه
العدو، ولم يعدوا يعرفوا من العدو ومن
الصديق، وهى في الحقيقة أزمة أكبر بكثير
من تلك التي تخلفها الحروب الأخرى..
أزمة إنسانية بكل ما تحمله من
معنى، فحينما يكون عدونا معروفا، فنحن
نحمله نفسيا كل أوجاعنا، ونحمله ذنب كل ما
نتعرض له.
لكن في هذه المحنة، فشل
الفلسطينيون من نازحي نهر البارد في تحديد
هذا العدو بدقة، فضاعت الآهات، وخرجت أمام
حائط مسدود..
هل العدو هو فتح الإسلام المتسبب
في هذه المعركة؟ أم أنه الجيش اللبناني
الذي وجه ضرباته لكل المخيم بحثاً عن
هؤلاء؟ أم أن العدو هو المجتمع الدولي
الذي وقف عاجزاً أمام هذه المأساة، فتغيب
عن الظهور وتركهم لمصيرهم إلا بعض الفتات.
أم أنها الشعوب العربية التي لم
يجدوا منها التأييد الذي ينتظرونه،
وكأنهم كما علقت إحدى الشابات "أناس كتب
عليهم التهجير، فلا يلفت نظر أحد خروجهم
من مكان لآخر، وكأن جريمتهم أنهم
فلسطينيون"!
كان هذا أول فارق، لجعل هذه
التجربة فريدة.. غياب العدو، وعدم القدرة
على تحديده.
وغياب المساندين وتعجب غيابهم.
فلا الكبار ولا الصغار يستطيعون
الوصول لإجابة حتى داخلهم، من الذي اعتدى
عليهم، من الذي تسبب في تشريدهم للمرة
الثانية بعدما عمروا بيوتهم، وأمّنوا
حياتهم، واستمروا بعيدا في ظل ظروف صعبة
لا يطلبون شيئا من أحد..
من الذي عمل على إخراجهم حتى دون
هوياتهم التي هي الأداة الوحيدة التي تعبر
عن أنهم موجودون، وما زالوا أحياءً؟
من المتسبب في خروجهم دون حتى أن
يرتدوا ما يصون أجسامهم ويسترها؟
من المتسبب في فقدان أطفالهم
وإما يجدوهم بعد أيام أو أن الله يعلم
بهم؟
من المتسبب في ضياع "شقى عمرهم"،
وما سعوا لبنائه ربما أمّنوا الحياة حتى
لو مهجرين؟
من المتسبب في نظرة الأطفال
الحائرة التي تقف الأسر عاجزة أمامهم؟
وأخيراً.. من يجيب عن تساؤلات
هؤلاء الأطفال: هل إسرائيل تحاربنا ثانية؟
هل هؤلاء الذين يحاربوننا مسلمون؟
من كان لديه إجابة منكم.. فليرسل
بها للأسر هناك، ربما استطاعوا إجابة
أطفالهم على الأسئلة التي تقتلهم كل يوم..
بل والله ستجيب هذه الأسئلة
الكبار أنفسهم، الذين ما زلزلوا يكررونها
دون وعي.. ولا يملكون مصارحة أنفسهم
بالإجابة أو على الأقل تقبلها لو تسنى لهم
نطقها.
ولهذا فالمأساة الإنسانية في
البارد، مختلفة كل الاختلاف على المستوى
العقلي والنفسي والاجتماعي والإنساني..
ولعل شعوب العالم يعقلون، لعلكم تستيقظون..
اقرأ أيضا:
** منتدب
للتدريس بقسم علم النفس جامعة عين شمس،
إخصائي تنمية مهارات وتدخل مبكر وتعديل
سلوك للأطفال بمستشفى الجلاء، مدرب قياس
نفسي وتعديل سلوك بمركز دراسة الطفولة
بجامعة عين شمس، من فريق المساندة النفسية
في لبنان ويمكنك التواصل معا عبر البريد
الإلكتروني للصفحة adam@islam-online.net.
|