Untitled-1
« بحث متقدم |
« ابحث:
أرسل لصديق

فريق الدعم النفسي

7-10-2007

عائد من نهر البارد:

فلسطينيو الشتات.. الرقم الصعب

د.عمرو أبو خليل**
د.عمرو أبو خليل أثناء تواجده في لبنان

بعد أيام من اندلاع أحداث نهر البارد اتصلت بي الأستاذة سمر دويدار مسئولة التدريب بموقع "إسلام أون لاين.نت" تذكرني برحلة التدريب على الدعم النفسي التي قمنا بها في لبنان العام الماضي عقب الحرب مباشرة، وتسألني عن مدى استعدادي للمشاركة في رحلة مشابهة قد يكون دوري فيها مختلفًا هذه المرة وهي القيام بالدعم النفسي مباشرة لمن يحتاجونه من النازحين من مخيم نهر البارد، حيث بدت الصور الخارجة من الخيم معبرة عن مأساة شديدة يتعرض لها الفلسطينيون.

وعبرت عن استعدادي للقيام بذلك ومرت الأيام والشهور ونحن لا نجد من يقوم بدعم هذه الرحلة حتى وافق أخيرًا اتحاد الأطباء العرب على ذلك في نهاية شهر أغسطس 2007 ومع قرب انتهاء الأحداث بالمخيم.. ولكن من استطلاعنا للأحوال تأكدنا أن الأمر ما زال يحتاج للدعم؛ ولذا كان السفر وكانت الرحلة والتي بدأت يوم الثلاثاء 4-9-2007 وانتهت يوم الإثنين 10-9-2007؛ فكانت هذه الأوراق وهذه الخواطر.. رحلة إلى بشر من بني الإنسان ندعي معرفتنا بقضيتهم ونحن لا نعرفهم هم شخصيا إنهم فلسطينيو الشتات.. الرقم الصعب في القضية الفلسطينية الذي لا يلقي له الكثيرون بالا.

في البداية كان الاسم

كانت هذه هي المفاجأة الأولى في رحلتنا إلى فلسطين.. الشتات اسم المخيمات.. فدائما نسمع هذا المصطلح.. المخيمات الفلسطينية في لبنان.. مخيم نهر البارد حيث جرت الأحداث الأخيرة.. وقيل لنا إننا ذاهبون إلى مخيم البداوي حيث نزح معظم أهالي مخيم نهر البارد.. كلمة مخيم كانت تلقي في النفسي ظلالا حائرة.. عن هذا المكان المجهول المسمى المخيم.. تساؤلات.. شكوك.. أشياء كثيرة ومبهمة.. بدأت تتبدد رويدًا رويدًا ونحن ندخل المخيم.. إننا بصدد حى سكني يعيش فيه الفلسطينيون، حي سكني شعبي مثل الموجود في كل بلادنا العربية.. حتى ببيوته.. بدكاكينه.. بشوارعه... بناسه.. بمؤسساته.. المستوصفات الطبية.. دور الأيتام.. المدارس... المحال.. المطاعم.. بيوت قديمة عمارات حديثة...

إذن ما حكاية المخيم.. كان هذا هو السؤال والذي جاءت إجابته بسيطة أنها البداية منذ العام 1948 مع بداية التهجير... تجمع الفلسطينيون المهجرون القادمون إلى لبنان في مخيمات فعلية على أساس أنها نقاط تجمع مؤقتة.. ومع مرور الزمن واكتشاف أن الأمر سيطول صدر قرار من الأمم المتحدة بأن الفلسطينيين في لبنان هم تحت إشراف هيئة غوث اللاجئين والتي يرمز لها بـ"الأنروا"، وهي الحروف الأولى من الكلمات الدالة على هذه الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي قامت باستئجار أراض من الحكومة اللبنانية.. والتي امتدت عبر لبنان من الشمال بدءا من نهر البارد وحتى الجنوب في صيدا.. لتقام الأحياء الفلسطينية في هذه الأراضي المؤجرة لمدة 99 عاما ولتظل تحمل الاسم الأول الذي حملته في البداية وهو المخيم.

توقفت طويلا عند هذا الاسم وبقائه خاصة بعد أن اطلعت على أحوال الفلسطينيين بداخله وأحسست أن لهذا الاسم أثرا فيما يشعر به الفلسطينيون من أحاسيس تجاه اللبنانيين.. إنه الجيتو الفلسطيني داخل لبنان ساعدت عليه عوامل عديدة.. ولكن أصبحت على يقين أن هذا الاسم وبقاءه جزء من هذه المنظومة، ربما سأتحدث عنه لاحقا في النهاية بعد أن تكتمل صورة الوضع الفلسطيني برمته حتى لا يبدو أنني أتحدث عن شيء يبدو صغيرًا جدًا والقارئ بعد لم يفهم ما وصلت إليه.

هذه قصة كلمة مخيم.. والتي سأقصد ألا أستخدمها طوال حديثي وسأستبدل بها كلمة الحي الفلسطيني حتى لا تظل الأسئلة الحائرة التي كانت في رأسي تدور في رأس من يقرأ؛ إذن فنحن سنتحدث عن الأحياء السكنية الفلسطينية في لبنان...

الفلسطينيون في لبنان

بانوراما الجغرافيا والتاريخ والصراع

لأن بين فلسطين ولبنان حدود ممتدة فكان طبيعيا أن يتحرك الفلسطينيون في اتجاه لبنان سواء كان هذا التحرك اختياريا هروبا من المذابح التي تقوم بها العصابات الصهيونية ضدهم أو قسريا حيث تحملهم الشاحنات الإسرائيلية لتلقيهم على الحدود.. والتي في الحقيقة لم تكن حدودًا حيث اختلطت العائلات اللبنانية والفلسطينية في هذه المنطقة وكان ذلك بالطبع في العام 1948... استقر الفلسطينيون في مخيمات على الحدود، ويأتي قرار الأمم المتحدة بوصفهم تحت إشراف هيئة اللاجئين (الأنروا) وليتوزع الفلسطينيون على اثني عشر حيا سكنيا اصطلح على تسميتها بالمخيمات، وهو الاسم الذي ما زالت تحمله هذه التجمعات والأحياء السكنية لتلقي في روع من يسمعها أنها تجمعات لفقراء ضائعين لا وطن لهم ولا هوية.. فكانت المخيمات الاثنا عشر هي:

1- نهر البارد.

2- البداوي.

3- صبرا وشاتيلا.

4- مار الياسن.

5- برج البراجنة.

6- عين الحلوة (أكبر المخيمات).

7- المية مية.

8- الرشدية.

9- البص.

10- البرج الشمالي.

11- الجليل.

12- ...

وليكن الأخير هو مخيم "تل الزعتر" والذي اختفى من الوجود بعد المذبحة الرهيبة التي تعرض لها سكانه على يد الكتائب اللبنانية بمعاونة القوات السورية، إبان الحرب الأهلية والتي يخشى سكان نهر البارد الحاليون أن يكون ما يحدث معهم من مماطلة للعودة هو محاولة لتكرار نموذج تل الزعتر بصورة مختلفة لا تعتمد الذبح ولكن التهجير بلا عودة، فإذا نجح النموذج يكرر في باقي المخيمات.

حق العودة

عودة للأوضاع الفلسطينية التي ظلت مستقرة يعاني فيها الفلسطينيون معاناة شديدة، حيث حبسوا في أحيائهم ومنعوا من أي حقوق وكانت حياتهم قائمة على ما تقدمه الأنروا سواء من خدمات صحية أو تعليمية.

وتأتي فترة السبعينيات التي شهدت زيادة نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية داخل لبنان حيث كانت المقولة الشهيرة أن ياسر عرفات يحكم لبنان؛ لأنه يضع 3 ملايين دولار يوميا في بيروت إشارة لما يقدمه من رشاوى للساسة اللبنانيين ومن الطوائف السياسية المختلفة.

والحقيقة أن هذا النفوذ السياسي لم يعد على الشعب الفلسطيني الحقيقي الذي يعاني في المخيمات بل كان وبالا على الفلسطينيين فيما بعد، حيث أوجدت الممارسات التي كانت تقوم بها الفرقة 17 الخاصة بحماية ياسر عرفات حالة من الكراهية والنقمة لدى اللبنانيين ضد الفلسطينيين.. فبدلا من كون الأمر مجرد رفض لمن يعتبروهم غرباء جاءوا يزاحمونهم في وطنهم.. فإنه أصبح لديهم المبررات الفعلية والواقعية العربية للكراهية من جراء ممارسات هؤلاء الفاسدين الفلسطينيين من أبناء فتح والفرقة 17 والميليشيات التي عاثت في أرضي لبنان فسادًا قبل أن يجبر ياسر عرفات على الخروج المهين من لبنان إلى تونس ولتخرج معه كل الميليشيات الفلسطينية المسلحة ولتترك المخيمات الفلسطينية في مهب رياح الكراهية والنقمة والرغبة في الانتقام جراء جرائم لم يكن لهم فعلا يد فيها.. بل ولم ليستفيدوا في المقابل بأي شيء إيجابي يغير من أوضاعهم الإنسانية المتردية ليصبح الوضع اليوم كما يلي:

1- أن الفلسطينيين وبناء على قرار من رئيس الوزراء الحريري محرومون من ممارسة 70 وظيفة بدءا من الطب ومرورا بالهندسة وانتهاء بكل المهن الكريمة.

2- أنه تحت ادعاء احترام قرار الجامعة العربية بمنع الفلسطينيين بالحصول على أي جنسية من أجل أن يظل لهم حق العودة، حرم الفلسطينيون من حقهم كمواطنين.. ووفق كل المواثيق أن تكون لهم حقوق المواطنة لأنهم في الحقيقة مواطنون لبنانيون ولدوا على أرض لبنان ولا يعرفوا لهم وطنا غير لبنان.. ليحصل على الجنسية اللبنانية طفل ربما كانت تمر طائرته عبر الأجواء اللبنانية عندما ولدته أمه ولا يحصل عليها 400 ألف فلسطيني ولدوا في لبنان وتعلموا في لبنان ويخدمون اقتصاد لبنان.

3- توجد نقاط التفتيش على أبواب المخيمات والتي يتعرض فيها الفلسطينيون لكل أنواع سوء المعاملة والقهر والتذكير بأنهم أصحاب الهويات الزرقاء.. التي يمكن أن يتعرض صاحبها في أي وقت لأي نوع من سوء المعاملة دون أن يوجد من يدافع عنه أو يحميه.

4- وبالتالي فإن لدى الفلسطينيين شعورا مؤلما بأن هناك اضطهادًا وتفرقة عنصرية أسوأ مما كانت تمارس في جنوب أفريقيا، ويزيد هذا الشعور ما يتعرضون له في البلاد العربية الأخرى.. فمثلا وجدت أن كل الأطباء الفلسطينيين حاصلون على شهاداتهم من روسيا ولما سألتهم لماذا لا تحضرون إلى مصر وجدت أن الإجابة لدى الجميع واحدة وهي أننا لا نستطيع الحصول على تأشيرة دخول مصر لأننا فلسطينيون...

ومن نجح في الالتحاق بكلية طب مصرية فقد صدر قرار من الرئيس أنور السادات بمنعه من الاستمرار في كلية الطب وحوّل إلى كليات أخرى، وقد قابلت منهم نموذجين، أما أحدهما فقد حوّل أوراقه ليحصل على بكاريوس الطب من بنجلاديش، وأما الآخر فاستمر في كلية العلوم التي حول إليها ليصبح الآن أستاذًا للكمياء الحيوية في بلد عربي.

5- صدر قرار وزاري أيضا يمنع الفلسطينيين من التملك وبالتالي فما يبنونه ليس ملكهم ونتج عن ذلك أوضاع غريبة وشاذة؛ ففي حين يسمح للأجانب بالتملك في معظم الدول العربية... لا تسمح لبنان للفلسطينيين بالتملك على أرضها.. فمثلا إذا كان الأب فلسطينيا وكانت الأم لبنانية وتركت ميراثها لأبنائها الفلسطينيين.. فلا يحق لهم أن يحصلوا على ميراثهم وإنما تؤول هذه الأملاك إلى الأوقاف الإسلامية.. هذه قصص حقيقية وليست خيالية أو افتراضية.. معروف أشخاصها بأسمائهم ويتداولها الفلسطينيون فيما بينهم.

الخلاصة أنه تحت ادعاء الحفاظ على حق العودة للفلسطينيين تمارس ضدهم أسوأ الممارسات القائمة على التمييز.. ليصبحوا برميل الباردو المرشح للاشتعال.. وهي اللعبة التي أتصور أن كل ما جرى في نهر البارد كان يسعى إليها، وهو أنه إذا لم تنجح الأطراف الخارجية في إشعال حرب أهلية بين الفرقاء اللبنانيين فما المانع أن نشعل النار في فناء البيت الخلفي، حيث يمثل الفلسطينيون الحلقة الأضعف والأسهل في الاشتعال لعل النار تمتد من الفناء إلى البيت كله، هذه الحقيقة التي يجب أن يعيها اللبنانيون وهم يتعاطون مع الملف الفلسطيني.. اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.

اقرأ أيضا:


** مستشار القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ومن فريق المساندة النفسية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net.