Untitled-1
« بحث متقدم |
« ابحث:
أرسل لصديق

شاهد عيان

28-10-2007

المعاناة لم تترك للنازحين مفرًّا من الهجرة

أي مستقبل ينتظر لاجئو فلسطين بلبنان؟

"لو قدّموا لنا قصورًا لنقيم فيها خارج مخيمنا فسنرفض السكن فيها. أعيدونا إلى نهر البارد ونحن على استعداد لأن ننام في خيام على الأنقاض وبين الأوساخ. نطالب بالعودة إلى مخيم نهر البارد كمحطة للعودة إلى أراضينا في فلسطين. لنا وطن ونريد أن نعود إليه الآن أكثر من أي وقت مضى"..

كانت هذه إجابات نازحي مخيم نهر البارد لكل صحافي يسألهم عن صبرهم ومدى تحمّلهم لمعاناتهم ومآسيهم المستمرة.

ولطالما تغنّى النازحون، صغيرهم وكبيرهم، بأناشيد العودة إلى مخيمهم كحلم مرحليّ، وصولاً إلى عودتهم إلى فلسطين، ومعلنين تمسّكهم بعودتهم إلى مخيمهم أكثر من تمسّك الأب بأولاده..

لكن الحال قد تغيّر، فشدّة المعاناة قصمت ظهورهم، وتخلّي ذوي القربى عنهم هدّ من عزائمهم، حسبما يردّدون الآن.

لقد بلغت المعاناة بنازحي البارد مبلغًا دفعت الكبير للبكاء بعد أن كان يكتم دمعته، والشاب الذي كان يتحرّج من الحديث عن الهجرة خوفًا من غضب أهله بات يعلنها صراحة أنه مستعدّ لأن يسافر إلى أي بلد آخر يكمل تعليمه ويبني مستقبله، بعد أن انهارت أحلامه في لبنان.

أما المرأة التي لا تلقي بالاً -بالعموم- للحسابات السياسية أو الاعتبارات الأمنية، فهي تكيل الشتائم لكل "الأوصياء"، سواء في الوسط اللبناني أو الفلسطيني أو الدولي، وتحمّل زعامات الفلسطينيين -بمختلف أطيافهم- مسئولية التخلي عنهم.

نعيش تناقضًا

ظاهرة الحديث عن الهجرة تسجّل حضورًا أكبر بين أصحاب الشهادات، خريجين وطلابًا، حيث تشعر هذه الشريحة من أهالي مخيم البارد أن "ماضيها قد شطب ومستقبلها مجهول"، بحسب النازح الدكتور رائد الحاج (طبيب جراحة عظم) الذي تحدث لإسلام أون لاين.

وقال موضحًا: "لقد لحق بالمخيم الدمار المادي الكبير، وبأهله الدمار المعنوي، أضف إلى غياب ثقة الأهالي بكل الأطراف المعنية بالأزمة الفلسطينية، فلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا".

وكشف الدكتور الحاج أن النازح "بات يعيش تناقضًا داخليًّا، فعلى المستوى الوطني هو يرفض خيانة قضيته؛ لأنه على يقين بأن قضية اللجوء في المخيمات تمثل ارتباطًا بحق العودة إلى فلسطين كواجب وطني. لكن على أرض الواقع، فإن ما جرى أفقده هذه الثقة، وبات يرغب بالهجرة إلى أي بلد آخر يمارس فيها حياته بشكل طبيعي كأي إنسان في العالم".

الدكتور رائد الحاج، وهو عضو هيئة إدارية في اتحاد الأطباء الفلسطينيين في لبنان، ينشط في إغاثة النازحين والعائدين إلى مخيم البارد، ويدعوهم إلى الصمود، لكنه في قرارة نفسه -كما صرّح لإسلام أون لاين- يشعر أنه لم يَعُد له مكان في لبنان. ونقل عن زملائه الأطباء أنه لو فتح باب الهجرة فإنهم لن يتأخروا في السفر.

مسلسل من المعاناة

وتزداد معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مع القانون الذي يمنعهم من مزاولة حوالي 72 مهنة في الأراضي اللبنانية، بخلاف أي عربي أو أجنبي يقيم في لبنان.

كما أن أحداث مخيم نهر البارد تركت انعكاسات اجتماعية سلبية بين أهالي المخيم والمحيط اللبناني، ونقل بعض النازحين -لإسلام أون لاين- تعرضهم لمضايقات لدى خروجهم إلى بعض المناطق الشمالية، حيث يجري تحميل النازح الفلسطيني مسئولية ما جرى، "رغم أن أهالي مخيم نهر البارد كانوا الضحية الكبرى"، وفقًا للدكتور الحاج.

وقد سجّلت حالة طرد طالبة من مدرسة لبنانية في منطقة المنية؛ لأن الطالبة من مخيم نهر البارد.

كل هذه الظروف تدفع أبناء البارد للتفكير بالهجرة بقوة، دون أن تترك لهم أي خيار آخر.

نعيش.. بس مش بلبنان

يُذكر أنه مع بداية أحداث مخيم البارد، تشكلت مجموعة فلسطينية من النازحين الشباب تحت شعار "بدنا نعيش.. بس مش بلبنان"، وأطلقت موقعًا إلكترونيًّا على شبكة الإنترنت بعنوان: wewanttolive.org تحت شعار: "نحب الحياة.. بدنا نعيش.. بس مش بلبنان". تضمن الموقع دعوة للانضمام إلى المجموعة والبيان الأول الذي جاء فيه: "نريد أن نقول للجميع إن سبل العيش ضاقت بنا، وقد خسرنا الكثير من حقوقنا، وتحطمت طموحاتنا في ظل صمت رهيب يلفّ هذا العالم المتحضّر".

وأكد المشاركون في هذا التجمع أنهم يريدون "الحياة بمعناها الإنساني الحقيقي أينما كانت من أجل إنسانيتنا وهويتنا، وكنا نتمنى ذلك على أرض لبنان، مع اعتزازنا وامتناننا لهذا الوطن الشامخ والمحب للحياة".

حين انتشر خبر هذه المجموعة وموقعها الإلكتروني، استنكرت المنظمات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني في مخيم البداوي طروحات هذه المجموعة "التي تنال من جوهر قضية الفلسطينيين في تمسّكهم بحقهم" معلنة البراءة منها..

لكن الآن، ومع اشتداد المعاناة الإنسانية للنازحين، حتى مع بدء عودتهم الجزئية، عاد حديث الهجرة ليحضر بقوة بين الشباب، وبات الهمس الذي كان يقال في الخفاء، يعلن الآن صراحة جهارًا: "نريد الهجرة وترك هذا البلد الذي ظلمنا".

لكن المضحك المبكي -كما وصف د. رائد الحاج- "أننا رضينا أخيرًا بالتنازل وقبلنا بالتشتيت الذي رفضناه لعقود.. لكن التشتيت لم يرضَ فينا"، حيث ترفض السفارات الأجنبية استقبال الفلسطينيين كلاجئين.

"قدَرنا أن نطرد من أرضنا في فلسطين ونعيش لاجئين، وقدَرنا أن نحرم من حقوقنا المدنية في لبنان، وقدَرنا أيضًا أن تمحى ذاكرتنا، ونخسر أرزاقنا في الأحداث الأخيرة، ومستقبلنا مجهول.. ألسنا شعبًا معذّبًا؟". كلمات قالها أحد النازحين، تعبّر عن مأساة يعيشها الشعب الفلسطيني، لا سيما نازحي مخيم نهر البارد في لبنان.

اقرأ أيضا:


* مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت" في لبنان، ويمكنك التواصل معه عبر: adam@iolteam.com