|
تميز الإسلام عن غيره من الديانات بالواقعية؛ فهو لا يخلع على أحد ألقابا كهنوتية، ولا يطلب من أحد -مهما علا شأنه في الدعوة والعلم- أن يتجرد من بشريته التي تقتضي الخطأ والصواب، والعصيان والطاعة.
وإذا كان الدعاة إلى الله قد ارتضوا طريق الدعوة فليعلموا أن عليهم استحقاقات وواجبات، لا بد من مراعاتها حتى لا يكونوا سببا في تنفير الناس من الدين؛ ذلك أن الداعية بمجرد تسربله بلباس الدعوة يتم وضعه تحت منظار مكبر من قبل الناس، يجعل القذى الذي يأتيه جزعا مهلكا.
ليس المطلوب من الدعاة أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولكن المطلوب أن يأتمر الداعية بما يأمر به الناس، وينتهي عما ينهاهم عنه؛ حتى إذا بدر منه خطأ أو ارتكب إثما بحكم بشريته فيجب أن يوضع الأمر في حجمه الطبيعي، دون تهويل أو تهوين.
وتتعدد اتجاهات الأسهم التي تخرج من كنانة الداعية ذي الشخصيتين المتناقضتين؛ فتصيب من حوله وهو لا يدري..
فسهم يتجه للدعوة التي يسير في ركابها، يتمثل في عدم تأهل الداعية بالمؤهلات الدعوية المناسبة، بالإضافة لما يعتري الداعية من تقصير وفتور تجاه دعوته؛ وهو ما يعد من أبرز مظاهر انفصام الداعية عن دعوته.
وسهم يتجه إلى نفس الداعية؛ فيصيبها بالإعجاب والكبر والغرور، بالإضافة إلى المعاصي الخفية التي لا يطلع عليها أحد إلا الله عز وجل؛ فهو بين الناس تقي ورع، وإذا اختلى بحرمات الله لم يتردد في انتهاكها، وأمثال هذا قال عنهم المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "لأعلمنَّ أقواما من أُمَّتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله عزَّ وجلَّ هباءً منثورا"، قال ثوبان -راوي الحديث-: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: "أما إنَّهم إخوانكم ومن جِلْدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها" (رواه ابن ماجه بسندٍ صحيح). ولله در القائل:
لا تنْهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه *** عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ.
ومن أشد الأسهم فتكًا ذلك السهم الموجه إلى المجتمع؛ فالمجتمع هو بيئة عمل الداعية؛ فإذا أصاب هذه البيئة ما يعكرها، أو ظهر بعض الغبش الذي يؤثر على رؤية الناس للداعية؛ فإنها ستتأثر سلبا، وربما يكون ضرر الدعوة هنا أكثر من نفعه! ولذلك وصف الله عز وجل من يفعل ذلك بعدم العقل؛ حيث قال عز من قائل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44). ..
ومن هذه الأسهم الطائشة ما يوجهه الداعية لعائلته؛ فالداعية الذي ينشغل بدعوته عن عائلته يحتاج إلى وقفة وإعادة نظر في أحواله، والداعية الذي ينشط في دعوة الناس إلى الخير بالخارج ويهمل دعوة أهله هو في انفصام مع نفسه وأهله، والداعية ذو الشخصية المزدوجة الذي يحسن فن التعامل مع الناس، ولكنه مع أهله يفتقد هذا الفن هو أيضا في انفصام واضح.
وفي هذا الملف حاولنا لَمَّ شعث ما تناثر لدينا من موضوعات واستشارات تخدم هذا الموضوع؛ لنضعها بين يدي القارئ حتى يستفيد منها الدعاة إلى الله فيعرض كل منهم نفسه على ما بها من مظاهر انفصام؛ فيحاول علاجها. وحتى يستفيد منها الجمهور فيضعوا الدعاة في موضعهم البشري الطبيعي، حسب طبيعتهم التي فطرهم الله عليها. وقد حرصنا على تجميع بعض الكبسولات العلاجية التي نسأل الله أن ينفع بها الجميع.
|