|

|
|
طفلة إسرائيلية ترسل هدية الموت إلى أطفال لبنان |
دمار.. خراب.. دماء..
أشلاء وجثث، مفردات الحرب الهمجية التي
تدور رحاها وتشنها آلة البلطجة
الإسرائيلية تجاه الشعب اللبناني
الأعزل، وراح ضحيتها أطفال أبرياء ذنبهم
أنهم ولدوا في زمن الهوان العربي، ولكن
ما بال أطفالنا الذين يشاهدون هذه
المشاهد البشعة؟ هل نجنبهم مشاهدتها حتى
لا يصابوا بأمراض نفسية بسبب ما يحدث
فينا أم نجعلهم يرونها لنعلمهم مدى بشاعة عدونا ويتعلموا درسًا في التاريخ
مفاده أننا في زمن الغاب الذي نعيشه لا
مكان إلا للأقوياء فقط.
أغاني
المقاومة
رسومات الانتصار
وأغاني المقاومة هي طريقة الأطفال
المثلى للتعبير عن آرائهم، كنت أتخيل أنه
من الصعب تعبير الأطفال عن مشاعرهم تجاه
ما يحدث، لكن -كالعادة- خاب ظني وتوقعاتي،
فالأطفال يشاهدون ما يحدث في التلفزيون
مع ذويهم الأكبر سنا ويسألون عن تفاصيل
الأحداث، ويكوّنون آرائهم تجاه ما يحدث،
وإن كانت تعبيراتهم طفولية تتناسب مع
سنهم.
مي خالد (4 سنوات
ونصف) عندما سألتها عما إذا كانت تشاهد
الحرب الدائرة في لبنان هزت رأسها أنْ
نعم، ثم قالت وهي تعبث بخصلات شعرها "أنا
باكره إسرائيل"، وعندما سألتها عن
السبب أجابت: لأنهم يقتلون الفلسطينيين.
أما أخوها الأكبر
سنا محمد (7 سنوات) فكان يرسم دبابات تحترق
ويتصاعد منها الدخان، وجنودا قتلى وعلى
خوذاتهم نجمة داود، وعندما سألته عما
سيفعله لنصرة المسلمين قال: إنه يقاطع
المأكولات الأمريكية، ويدعو لحزب الله
بالنصر في كل صلاة.
وبالأمس القريب
خرج أكثر من 15000 طفل وطفلة في محافظة
الدقهلية في مظاهرة احتجاجية على
العدوان الإسرائيلي على لبنان، وردد
الأطفال خلال المظاهرة هتافات وشعارات
حماسية تأييدًا للمقاومة ومستنكرة للصمت
العربي؛ ومنها "بالروح بالدم نفديك يا
أقصى... أرواحنا فداك يا لبنان"، و"يا
فلسطيني دمك دمي ودينك ديني"، و"نصر
الله يا حبيب دمر دمر تل أبيب".
وقد التهبت مشاعر
الأطفال، على إثر نداء الإغاثة الذي
وجهته طفلة فلسطينية للمشاركين في
التظاهرة "أغيثونا فنحن في محنة، فهم
يذبحوننا ويدمرون بيوتنا ويقتلون آباءنا
وأمهاتنا، فمن لنا؟". حيث هتفوا جميعًا:
نحن فداكم يا أطفال فلسطين، ورفعوا أعلام
فلسطين ولبنان ورايات "حماس" و"حزب
الله"، وقاموا بحمل نعش السلام،
تعبيرًا منهم عن موت عملية السلام،
وقاموا بحرق العلمين الإسرائيلي
والأمريكي.
وأعلن الأطفال
تبرعهم بمصروفهم الخاص إلى شعبي لبنان
وفلسطين، ومقاطعة البضائع الصهيونية
والأمريكية، وأقاموا مؤتمرًا حاشدًا
تخلله بعض الأعمال الفنية من اسكتشات
تحمل اتهامات بالعمالة والخيانة للأنظمة
العربية، ورددوا الأناشيد الحماسية
والأغاني الوطنية.
ووجه الأشبال
والفتيات في نهاية هذا اليوم اللوم إلى
الحكام العرب على مواقفهم التي وصفوها
بالمتخاذلة والضعيفة، وطالبوهم بالوقوف
إلى جانب إخوانهم في لبنان وفلسطين
والعراق، وأعلنوا قيام حملة تبرعات بين
زملائهم الأطفال في المحافظة وتسليمها
إلى لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء
بالدقهلية.
تلك التصرفات التي
أقدم عليها صغار السن كبار العقل أكدت
أهمية التنشئة ودورها في تشكيل وعي
الأطفال السياسي. والأحداث الأخيرة فرضت
نفسها فتواجد الأطفال في المسيرات
والمظاهرات المنددة بالعدوان
الإسرائيلي المتكرر في المناسبات
المختلفة ليس وليد اللحظة، ولكن يبقى
التساؤل الذي يطرح نفسه ويجيب عنه خبراء
وأساتذة علم النفس حول الآثار النفسية
والسيكولوجية من جراء مشاهدة الأطفال
لمشاهد العنف والدمار التي ترتكبها آلة
الإرهاب الإسرائيلي.
تأثيرات
الحرب
ما الذي يحدث؟
ولماذا؟ هو أول سؤال سيواجهك به أبناؤك،
وإن اختلفت طريقة السؤال وفقًا لعمر
الطفل، وموقعكم -مدى القرب أو البعد- من
الأحداث. ولكن كيف تجيب على أسئلة طفلك؟
الحرب خبرة قلما
تتكرر، وبما أننا نعيشها الآن فعلينا
تعلم كيفية مواجهتها، وتهيئة أبنائنا
للتعامل معها. تنقسم تأثيرات الأحداث
التي نواجهها إلى تأثيرات معرفية
ووجدانية وسلوكية كما يقول د. سيد
الطوخي، أستاذ علم النفس المعرفي بتربية
عين شمس، مشيرًا إلى أنه يمكنك الاعتماد
على المعلومات المستقاة من نشرات
الأخبار مع تبسيطها في شرح الأحداث
لأطفالك دون السابعة، أما الأبناء
الأكبر من ذلك فسيكون بمقدورهم متابعة
نشرات الأخبار، وتتوقف مدى قدرتهم على
المتابعة والاستيعاب بمدى تحصيلهم
المعرفي من الدراسة؛ فدراسة خريطة الوطن
العربي أو السفر إلى لبنان سابقًا في
رحلة، أو العيش في دولة تشترك حدوديا مع
إحدى دول المواجهة (لبنان – فلسطين)،
سيسهل إدراك الابن لما يحدث، على العكس
من الابن الذي لم تتوفر له فرص الاحتكاك
السابقة، لذا من المهم الاستعانة بوسائل
توضيحية، مثل استخدام خريطة للوطن
العربي عند الشرح؛ لأن الأطفال -خاصة
صغار السن- يحتاجون لربط المعلومات
والأحداث المجردة بصور تساعدهم في
التخيل وتحديد موقعهم بالنسبة للأحداث.
تاريخ
العدوان
لا تتوقف
التأثيرات المعرفية على اللحظة الحالية،
فالحديث عما يحدث الآن من اعتداء على
الأراضي اللبنانية ليس إلا حلقة في مسلسل
الصراع مع العدو الصهيوني كما يقول د.عاصم
الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة
حلوان، مشيرًا إلى أن مناهج الدراسات
الاجتماعية في كثير من البلدان العربية
وأولها مصر لم تعد تتعرض بالشكل الكافي
للحروب العربية الإسرائيلية أو حق الشعب
الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة؛
وإنما مجرد إشارات عابرة، التركيز
الأكبر على اتفاقيات السلام في أوسلو
ومدريد، وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني،
لذا من المهم استغلال فرصة الحرب الدائرة
الآن لتشكيل وعي أطفالنا وإمدادهم
بالمعلومات والقصص التاريخية عن الصراع
العربي الإسرائيلي، بداية من المجازر
الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني؛
مذابح قانا ودير ياسين، واللبناني مجازر
صبرا وشاتيلا، واجتياحهم لجنوب لبنان في
82، وحتى المجازر في حق الشعب المصري
عندما ضربوا مدرسة بحر البقر في 67،
بالإضافة للحروب العربية الإسرائيلية
التي شهدتها المنطقة بداية من حرب 48 التي
هزمت فيها الجيوش العربية وضاعت فيها
فلسطين، مرورًا بهزيمة 67 وانتصار 73، وحتى
المقاومة الفلسطينية المستمرة منذ
انتفاضة الحجارة 89، ثم انتفاضة الأقصى في
2000، العمليات الاستشهادية، كل هذا
التاريخ مهم ونستطيع تقديمه لأبنائنا من
خلال الكتب التاريخية المتخصصة، والقصص
المبسطة الموجهة للأطفال.
التوازن
ضروري
قد يرى البعض أن
تجنيب الأبناء صور الحرب والدمار من
الأفضل لهم، لكننا نقول لك إن إخفاء
الحقائق لن يجدي، وسيعرفون ما يحدث إن لم
يكن من البيت فمن خارجه؛ لذلك فمن الأفضل
أن يعلم الأبناء ما يحدث من خلالك حتى لا
يفقدون الثقة فيك، ويشعرون أنكِ تخبئين
عليهم ما يحدث، لكننا في الوقت ذاته نؤكد
على ضرورة عدم الإسراف في مشاهدة صور
الحرب والدمار خاصة الصور الدموية
للقتلى أو الجرحى، وترجع أهمية عدم
الإسراف في رؤية تلك المشاهد كما يقول د.
فتحي الشرقاوي أستاذ علم النفس ووكيل
كلية آداب عين شمس بأن الأبناء خاصة صغار
السن -أقل من 7 سنوات- من السهل تعرضهم
لأمرض نفسية، مثل الإحباط أو الاكتئاب؛
وهو ما يؤدي لعزلتهم أو فقدانهم الشهية،
ومن الأفضل توجيه اهتمامهم وانتباههم
لشيء آخر عند عرض مثل هذه الصور في نشرات
الأخبار، كما أن تعليمهم الدعاء عند رؤية
هذه المشاهد وتذكيرهم بأن الموت دفاعًا
عن النفس شهادة تدخل صاحبها الجنة يخفف
من حدة هذه المشاهد وتأثيرها السلبي.
بالنسبة للأبناء
الأكبر سنا، فمن الممكن احتمالهم لمشاهد
القتلى والجرحى لكن الإسراف فيها سيأتي
بنتائج عكسية كما يؤكد الشرقاوي، مضيفًا
أن قدرة الأفراد على الاحتمال تختلف حسب
الفروق الفردية النفسية والخلفية
الثقافية والمعرفية للأفراد، فالأبناء
المعتادون على مشاهد القصف بحكم موقعهم
قرب الأحداث سيختلفون في رد فعلهم عن
البعيدين عن الأحداث، كما أن الأبناء
المعتادين على صور العنف والقتل في
الأفلام مثلاً يختلف تأثرهم عن الأبناء
الهادئين الذين لا يميلون بطبعهم للعنف،
لكن في كل الأحوال يجب عدم الإسراف في
رؤية مشاهد القتلى والجرحى حتى بالنسبة
للكبار.
كراهية
العدو
هناك تأثيرات
نفسية بعيدة المدى يجب أخذها في
الاعتبار، وأولها استمرار الكراهية
للعدو، فما يحدث الآن ليس إلا جولة في
الصراع العربي الصهيوني، الآن ندافع عن
أرضنا في لبنان، وغدًا سنذهب لاستعادة
المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث
الحرمين.
تزكية الكراهية
وتوجيهها أحد الأدوار الهامة التي يجب
علينا الاهتمام بها كما يشير د.العارف
بالله غندور، أستاذ علم النفس بآداب عين
شمس، مؤكدًا على أن اختزان الكراهية ليست
قيمة سلبية كما يتصور البعض، فالكراهية
مشاعر طبيعية والمهم هو كيفية توجيهها
والتعبير عنها؛ فمثلاً في قرى الصعيد
هناك مفهوم الثأر، وتظل أجيال تحمل الهدف
ذاته لرد حق دم القتيل؛ فالعين بالعين
والسن بالسن والبادئ أظلم، فالذي خفف من
وطأة أحداث الثأر هو وجود عدالة أمنية،
لكن النظام العالمي مزدوج المعايير الذي
يكيل بمكيالين، ويبيح قتل نساء وأطفال
العرب لتكوين شرق أوسط جديد، بينما لا
يقبل بمجرد أسر جنديين إسرائيليين لا
يمكننا الثقة في عدالته، وبالتالي يصبح
من حقنا ومن حق أبنائنا الدفاع عن أرضنا
ومقدساتنا بأنفسنا دون الانتظار لقرارات
مجلس الأمن أو الولايات المتحدة.
علميهم
الإيجابية
في المقابل، هناك
دور على الأم لتوجيه واستثمار مشاعر
الحزن والغضب لدى الأبناء من خلال
توجيههم لفعل شيء لنصرة إخوانهم في
الأراضي المحتلة سواء في فلسطين أو
لبنان، شعور الأبناء بأنهم جزء من
المجتمع وأنهم يستطيعون فعل شيء، أمر
حيوي وأساسي لنموهم النفسي وشعورهم
بأنهم إيجابيون وليسوا عاجزين. يمكنك
إرشاد أطفالك للتبرع بجزء من مصروفهم
للهلال الأحمر أو لمنظمات ومؤسسات
الإغاثة التابعة للنقابات، مثل نقابة
الأطباء وغيرها من المنظمات التي تعلن عن
تقبلها للتبرعات المادية والعينية لصالح
منكوبي الحرب في لبنان وفلسطين.
أيضًا يمكنك بدء
حملة مع أبنائك وجيرانك وصديقاتك
لمقاطعة البضائع الأمريكية
والإسرائيلية، وهناك مواقع تنشر قائمة
بأسماء هذه المنتجات، مثل موقع "قاطع
www.kate3.com "، أو بدء حملة لجمع التوقيعات
وتوجيهها إلى صناع القرار في العالم، مثل
الكونجرس الأمريكي، البيت الأبيض، الأمم
المتحدة.
|