|

|
|
الطريق الفاصل بين الحدود السورية واللبنانية |
نزلنا مطار دمشق..
كانت المرة الأولى التي أنزل فيها دمشق...
الشعور الذي غلب عليَّ هو شعور بالألفة...
أنني أكاد أشعر أنني في مصر... إنه شكل
الوجوه... إنها طريقة التعامل بحلوها
ومرها.
حلوها المتمثل في
ذلك المسئول عن سيارات الأجرة عندما
سألته د. داليا مؤمن عن مكان الهاتف
لرغبتها في مكالمة أحد المعارف في دمشق
فتبرع بكل بساطة بهاتفه المحمول حتى تجري
المكالمة، وعندما سألناه عن المقابل
كانت الابتسامة المعبرة عن الكلام بأنها
هدية ترحيب، ثم عاد مسرعا ليلحق بنا عند
سيارة الأجرة ونحن نهم بركوبها؛ لأن هذا
الشخص الذي اتصلت به الدكتورة داليا عاد
ليتصل على نفس الرقم، فلا يرى الرجل بأسا
في أن يلحق بنا ليوصل لها الهاتف... ولو
اعتذر بأنها ليست أمامه أو أنه لا يعرفها
ما لامه أحد، ولكنها روح الشهامة
الموجودة في شعوبنا ويتشاركون فيها..
تغيب في بعض الأحيان مع ضغوط الحياة
ولكنها جاءت هنا لتطل برأسها أمامي لتصنع
بداية فكرة.
أما مرها فقد
رأيته في موقف سيارات الأجرة المتوجهة
إلى بيروت، مشهد السائق وهو يزيد الأجرة
عندما عرف أننا غرباء، والحمال وهو يحمل
الحقائب بغير استئذان ليضعها في سيارة
أجرة أخرى متفق مع سائقها على جلب
الزبائن، والسائق وهو يتفق معك على مبلغ
للتوصيل ثم ينقضه، ويطلب الزيادة عند
الدخول، والحمال وهو يطلب أجرة حمل لم
تطلبها منه، ورشوة لا بد أن تدفع على
الحدود السورية لتسهيل الإجراءات.. أردد
"هكذا لا أشعر بالغربة".
نقطة حدود
ثم كان مشهد
الطريق الواصل بين دمشق وبيروت والذي
يشبه الطريق الصحراوي بين القاهرة
والإسكندرية، والذي ما تلبث أن تفاجأ بما
يسمونه نقطة الحدود السورية ثم بعد مسافة
قصيرة بنقطة الحدود اللبنانية.. وأنا
أضرب كفا على كف.. نقطتا حدود على طريق مصر
الإسكندرية الصحراوي.. هكذا بدت الصورة
لي فأنت لا تشعر بأي فرق أو أنك دخلت بلداً
آخر به نفس الوجوه؛ نفس معالم الطريق،
نفس التضاريس، في منظر مشابه للشارع
الفاصل بين حيَّين (منطقتين) في
الإسكندرية؛ حيث تجد ضفة الشارع اليمنى
تبعا لحي الرمل مثلا والأخرى تابعة لحي
المنتزه... تقسيمات إدارية كنا نضحك منها
ونحن نعبر الشارع من ضفة إلى ضفة معلنين
انتقالنا من حي إلى آخر... هكذا بدا الأمر
فيه كثير من الهزل الذي يسود حياتنا،
ولكن هذه المشاهد التي سردتها من لحظة
نزولي مطار دمشق مرورا بنقاط الحدود
وانتهاء بالسائق وهو يطلب زيادة الأجرة
في نهاية الرحلة، جعلت فكرة الوحدة
العربية تتجسد أمامي وأقول: لقد كانوا
يعلموننا ونحن صغار أن الوطن العربي يجمع
بينه اللغة الواحدة والدين الواحد
والتاريخ الواحد والامتداد الجغرافي
الواحد، وكل هذه العوامل التي يدللون بها
على أن الوحدة العربية شيء ضروري ولازم
حدوثه، ولكنني اكتشفت في هذه الليلة أن
الوحدة حقيقة تشبه تماما حقيقة أن
الإنسان حتى يصبح إنسانا حيا كامل
الآدمية فهو يتكون من رأس وجذع وأطراف،
ولا بد أن تكون له حواس يدرك بها، وعقل
يفكر به، هو بهذا التكامل والتناغم إنسان،
وأي نقص يعتريه يفقده هذه الصفة.. فتوحد
أجزاءه ووظائفه ومهامه هو جزء من طبيعته
التي لو فقدت لفقد ذاته وكينونته..
وبالتالي فلا يصلح أن نقول: إن الرأس
والجذع والأطراف توجد عوامل مشتركة
لتوحدهم؛ لأن الحقيقة أنهم متوحدون..
ولذا فإنه لا يصلح أن ندرس عوامل الوحدة
بين العرب لأنهم في الحقيقة هم كذلك.. هم
شيء واحد.. هذا ليس كلاما عاطفيا أو
إنشائيا لا معنى له؛ لأنني أقوله لكي
أحلم بالوحدة العربية، ولكني أقوله لأجد
مدى المأساة التي نعيشها.. إننا فعلا جسدا
واحدا تناثرت أشلاؤه.. فذهبنا نحاول جمع
الأشلاء متصورين أننا يمكن أن نعيده
إنسانا مرة أخرى.. والحقيقة أن تجميع
الأشلاء لا يصنع إنسانا، لذا فإن العمل
على عودة الروح إلى الوحدة العربية دون
إبداء الأسباب لأننا إن بحثنا وراء السبب
كنا مثل من يسأل إنسانا بترت ذراعه في
حادث، وذهب إلى المستشفى فوقف الطبيب
متسائلا ومندهشا عن سبب رغبته في إعادة
ذراعه إلى موضعه، وما هي العوامل
المساعدة على إعادة الذراع والتئامه..
الحقيقة أننا يجب أن نتوحد لأننا بالفعل
كذلك لأننا كيان واحد.
طالع
في الملف:
|