بريدك الالكتروني


English

 

آخر تحديث: 10:30(غرينتش)، 13:30(مكة) الأربعاء 12 رمضان 1427هـ - 4/10/2006م

مشاكل وحلول للشباب

»

ملفات وصفحات خاصة

الإثنين 25 شعبان 1427هـ - 18/9/2006م

لبنان.. رحلة الحياة والموت

أحمد عبد الله**

من سوريا إلى لبنان برا (خاص بإسلام أون)

كانت التقارير المصورة على الفضائيات العربية كلها تنعى عميد الرواية "نجيب محفوظ"، ولم أكن أتصور وقتها أنني سأجد نفسي بعد أيام أدخل إلى عالمه عبر "ثرثرة فوق النيل"، وكنت حين سمعت بخبر الوفاة قلت لنفسي: الآن أقرأ محفوظ، فما زلت أؤمن بما تعلمته منذ الصغر حول الاقتداء بمن مات لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة!!

وسمعت أن العميد قبيل وفاته رفض عرضا بالعلاج في أمريكا، وسواء صحت الرواية أم لا، فإنه كان بحياته كلها وحكمته، وروحه العميقة الوادعة المتأملة قدوة وعلما، ومعلما، وكان هو ذاته الرواية الأهم في مجموعته المدهشة!!

"ثرثرة فوق النيل" إذن!!

قرأت الرواية، وشاهدت الفيلم، وقرب نهايته يذهب "أنيس زكي" في زيارة للجبهة فيشاهد الموت والدمار الذي خلفته القنابل والطائرات الإسرائيلية، ويظل يهتف بنفسه: "ده شيء فظيع"، وينقلب حاله أو يعتدل بالأحرى، بعد أن رأى أطلال المباني، وآثار أقدام الوحش المسمى بالموت!!

ويفيق "أنيس" من غفوته وغفلته التي طالت بصحبة الحشيش، ويعود ليواجه شلة العوامة بالجريمة التي هربوا من الاعتراف بها، وهم شركاء فيها، وينتهي الفيلم وهو يمشي بين الناس داعيا لليقظة!!

سافرت إلى لبنان عن طريق سوريا، وكان تحصيل مقعد في طائرة متجهة إلى دمشق أهون قليلا من مقعد في طائرة متجهة إلى بيروت وأيامها كانت تهبط إجباريا في عمان أولا!!

كانت دقات قلبي تتسارع كلما اقتربنا من النقطة الحدودية، فها هي نقطة "المصنع" الشهيرة التي تردد اسمها في الأخبار تباعا، والتي سمعنا عن قصفها أو الطريق المؤدية إليها، ورأيت المصنع نفسه مقصوفا هو الآخر، ضمن عدة مصانع صغيرة ومتوسطة قصفتها الطائرات الإسرائيلية لأغراض غير واضحة، وكذلك مررنا بالسيارة فوق الحفر، والتي تم ردمها بعد أن كانت بعمق أكثر من عشرين مترا -إثر القصف- تعيق السير من وإلى لبنان.

بدءا من دخول لبنان عبر الحدود السورية وأنا تصاحبني فكرة تتحرك بداخلي ذهنا وشعورا، وتتقلب وتتحور، إنه سؤال الحياة والموت، ثنائية التناقض والتكامل بينهما، وجوانب العلاقة كلها!!

الحياة والموت...

ستوديو قناة المنار (خاص بإسلام أون)

مسرورا عبر شوارع دمشق التي زرتها مرتين من قبل، وأحس عبق رائحتها، ورغم الروتين المرهق في النقطة الحدودية التي يدهشك اختلاف الجانب اللبناني فيها عن الجانب السوري كثيرا، وهو تلخيص –وإن كان مخلا- للاختلاف بين سورية ولبنان بشكل عام، لا تمل من الانتظار فهو أحيانا نوع تحضير نفسي قبل الانتقال الذي كان اقترابا بحواس متيقظة!!

حركة الدخول والخروج صاخبة ليلا ونهارا، زحام هنا وهناك، وأشعر أنني أقترب من الموت، أو من حيث مر الموت بأقدامه الثقيلة، وقنابله الذكية، وصواريخه الجبانة.. ولكن السماء الصافية، والنجوم اللامعة فيها، وصوت الكون، وهو يتنفس مستقبلا منتصف الليل... ودخولنا بيروت بعد طول عناء في طرق مزدحمة من الحدود إليها، مشهد الجسور المحطمة، وحفر القنابل سيصير الأكثر حضورا على كل طريق، وقبل أو فوق أو تحت كل جسر، هذه الصور تتابعت متلاحقة ومتداخلة ليختفي الموت وراء غلالتها!!

السائق يختار من نفسه أن يريني الضاحية الجنوبية في بيروت، حيث تجولت في الماضي كثيرا، حين زرت أصدقاء، ودور نشر، ومقر قناة "المنار"، وحيث قابلت السيد "حسن نصر الله" على هامش ندوة دولية للحركات المناهضة للحرب، وللعولمة النيوليبرالية، ويومها سألته: سماحة السيد يعجبني كلامك، ولكنني أحب أن أسمع منك كيف ستحافظون على التوازن بين واقع قوة حزبكم المتنامية، وهو حركة سياسية اجتماعية، ولها جيش، في دولة مثل لبنان هي هشة بكل المقاييس؟! كيف ستدعمون عمليا تقوية الدولة، وكيف لا يكون ذلك خصما من نموكم؟؟

ويومها لم يجب "نصر الله" قائلا: في مرة قادمة.. ربما... لأن الوقت اليوم قد طال!!

وأحسب أنني ما زلت أحمل نفس الهواجس والأسئلة، واستجد غيرها كثير!!!

دخلنا الضاحية يلفها ظلام دامس، وأثار التحطيم والهدم والقصف الثقيل واضحة، وأنقاض البيوت والمباني تكاد تجعل الحركة مستحيلة في شوارع بعينها رغم أن الإعمار وإخلاء الأنقاض في الضاحية هو أسرع ما يمكن، بحيث أصبحت الأوضاع أفضل، وتتحسن كل ساعة بسبب نشاط حركة الإخلاء والإعمار.

كانت الضاحية في ظلامها تشبه امرأة مكلومة قابعة في صمت مهيب، وعباءة سوداء، صوت سكونها، وكلام سكوتها أبلغ من كل حديث!!

هنا قصفت الطائرات بعض النقاط أكثر من عشر مرات خلال شهر!!

نتجه إلى الفندق، ونمر على شوارع بيروت، ومن الضاحية إلى وسط البلد حيث الملاهي والمراقص مزدحمة!!

الوقت تخطى منتصف الليل بساعات!! شباب وفتيات في العشرينيات، صخب وملابس مكشوفة، أو بالأحرى أجساد مغطاة بأقل قدر ممكن من القماش غالي الثمن، حياة الليل في بيروت عادت كما كانت!! وبسرعة..

بدا الشباب يقاومون الموت بالحياة على طريقتهم، ومنظرهم أدهشني وأزعجني قليلا، ولكنه أعطاني نوعا من الإحساس بأن هناك أشياء لم تتغير، ولم تتأثر بالحرب، وفي هذا نوع طمأنينة وشعور بالأمان، ولو امتزج ببعض سخط أو دهشة!!

وسط بيروت كما هو، أقصد كما تركته قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب، وبدأت أتنفس بعمق لأول مرة منذ فترة، فها هي "ست الدنيا" بهية كما عهدتها، تطوي جراحها، وتستعيد عافيتها، وتتجاوز أحزانها، وأتذكر الوصف المتكرر الذي سمعته لأهل لبنان "يحبون الحياة"!!

على طول الطرق يلفت نظرك إعلانات يغلب عليها اللون الأحمر تحمل صورا وشعارات تتعلق بالنصر الذي حققه حزب الله، إنها لافتات دعائية أنفق عليها الحزب، ومكتوبة باللغات: العربية والإنجليزية والفرنسية، وموجودة على كل ناصية، وفي كل الأحياء، وهي لا تقل في فخامتها وأناقتها عن إعلانات شركات الأزياء، أو المطاعم أو حتى دعاية الحفلات وغيرها، وتتجاور مع إعلانات اللانجيري النسائي، في تنوع يراه البعض تناقضا، ولكن هذا هو لبنان!!

تعشيت في مطعمي المفضل، ومن حسن الطالع أنه كان إلى جوار الفندق التي حجزت لنا فيه "جمعية قطر الخيرية" الممول الرئيسي أو الوحيد لرحلتي مع زملاء آخرين، حيث ذهبنا بغرض تدريب العاملين في دائرة الاحتكاك بالمتضررين من صدمة الحرب الأخيرة، سواء من النازحين أو أقارب الضحايا أو الجرحى، أو من فقدوا بيتا أو عزيزا عليهم، أو حتى مجرد أن عاشوا مهددين بالموت تحت القصف، والهجوم الإسرائيلي، لمدة تزيد على الشهر، وكنت أعرف أن التدريب سيكون يوميا، وجاء من نصيبي أنه خارج بيروت طوال الأسبوع الذي قضيته في لبنان... المهم تعشيت ونمت بعمق!!

 رحلة إلى الجنوب 

زميلتي التي تعشينا أنا وهي وآخرون وجدتها تطرق الباب في الصباح الباكر لتخبرني بأن الموعد قد حان للسفر إلى حيث تدريب اليوم الأول لي، فتحت عيوني بصعوبة شديدة، والباب بصعوبة أكبر، وقلت لها: أكاد لا أراك... حلال عليك تدريب اليوم بالكامل، أما أنا فعائد إلى النوم لبعض الوقت!!

بعد عدة ساعات كنت في سيارة سريعة أتجه إلى الجنوب اللبناني، حيث دارت أشرس المعارك في "بنت جبيل"، و"عيترون" و"مارون الراس"، وهي الأسماء التي كونت مثلث البطولة والتضحية كما أسماه "حسن نصر الله" عندما سمعت منه هذه الكلمات لأول مرة، وهي لأماكن كنت لا أعرفها، واليوم أتجه إليها مباشرة بعد أيام من وقف إطلاق النار.

سألت "محمد" الشاب الذي رافقني قائدا للسيارة، وأنا أرى، وكما سمعت أن بعض أهل الجنوب لم يتركوا بيوتهم أصلا رغم شراسة القصف، وضراوة الاستهداف الإسرائيلي لحياتهم!!

سألته: لماذا لا يغادرون؟!

قال محمد: نعم... بعضهم بقي ولم ينزح، إما حبا في الصمود، أو لأنه اقتنع أن النازحين منسحبون، وهم أيضا مستهدفون، كما حصل في "مروحين" مثلا، حيث استجاب الأهالي للمنشورات والتحذيرات الإسرائيلية، وخرجوا في قوافل نازحين، فإذا بالصهاينة يخرجون عليهم بالطائرات ويقصفون الطريق من أمامهم، ومن خلفهم، ثم يقصفونهم، وهم عزل، فارين من الموت في منازلهم ليموتوا في العراء، على الطريق!!

هذا جعل البعض يقول: أموت في بيتي أفضل!!

سألت محمدا: ألم يسلم جسر من القصف فضحك، وقال: خرجت عندنا نكات كثيرة على قصف الجسور.

منها أن الجيش الإسرائيلي ما زال يبحث عن جسر لم يقصفه، وهو "جسر اللوزية"... اسم أغنية لفيروز!!

وعن صديق ينصح صديقه بخلع "الكوبري" الذي ركبه في أسنانه؛ لأن إسرائيل ستقصفه هو الآخر!!

وعن وزير في الحكومة اللبنانية ورد اسمه منفردا على لوائح المطلوبين حيا أو ميتا، وكل جرمه أن اسمه "سمير الجسر"!!

مررنا على مرفأ بحري صغير قال محمد إنهم قصفوه بثماني عشرة غارة، برغم أنه تحطم من أول صاروخ!!

وقال مردفا: كل مرة كانوا يحرقوننا، ها المرة نحنا كمان حرقناهم!!

أشاهد لافتات دعاية لحفل كان مقررا يوم 15 يوليو في بيروت، وكانت "شيرين"، و"عاصي حلاني"، ولم يحصل الحفل طبعا، وبقيت الإعلانات!!

لكن اللافتات الأكثر انتشارا تحمل صور الشهداء، وشعارات العزاء أو التهنئة بالاستشهاد:

- لبنان الجميل هزم إسرائيل.

- بالوحدة انتصرنا.

- الحمد لله الذي أحيانا في زمن نصر الله.

- سنرفع جسورنا على أكتافنا لتعبروا.

- قاومنا.. صمدنا.. صبرنا.. انتصرنا.

أعلام لبنان، وحزب الله، صور نصر الله، ونبيه بري، والإمام موسى الصدر، والخميني، وخامنئي بدرجة أقل.

"هنا الجنوب" إذن، حيث استهدفت إسرائيل البشر والشجر والحجر، ضربت الطرقات كلها لتعزل القرى، وتعوق حركة الناس، وأبطال المقاومة، ولتسهيل التوغل والاحتلال والاجتياح، وكانت صدمتهم حين صمدت كل قرية حاولوا معها، ودحرتهم فتراجعوا المرة تلو الأخرى حتى الانسحاب الأخير!

نقترب من "قانا" لنقرأ اللافتة:

"من قانا إلى فلسطين نموت أعزاء، أو نعيش منتصرين"

كنا طوال الوقت نسير في طرق يجهلها مرافقي، وكان يعتذر قائلا: هذه ليست الدروب المعروفة التي اعتدت المرور والسفر عليها، كل المعروف تم ضربه!!

ووسط كل هذا ستجد لافتة إعلانية تتكرر عن حفل من المفترض أنه جرى في "صور" مساء السابع والعشرين من يوليو أي في منتصف شهر الحرب تماما، "نانسي عجرم" كانت هناك!!

يحبون الحياة!!

ولم تكن "قانا" هي المجزرة الوحيدة في هذه الحرب، فقد جرت مجازر عدة في "صديقين"، وغيرها!!

والضحايا من الأطفال والمدنيين دائما، وفي استطلاع تلفزيوني إسرائيلي قالت إحداهن:

أنا أوافق تماما على قتل الأطفال؛ لأنهم سيقتلوننا عندما يكبرون، وسيقتلون أولادنا وأحفادنا فمن حقنا قتلهم الآن!!

وحتى الشاحنات على الطرق، وهي لم تكن تحمل غير خضروات أو بضائع معيشة يومية أو حتى نازحين مدنيين اعتبرتهم إسرائيل ضمن الأهداف واجبة القصف، ثم كانت تقول ببساطة أنها شاحنات عسكري!!

ولم لا.. طالما تحمل بشرا، والبشر قتلة أو مشاريع قتلة، يصبح البشر سلاحا، وشاحنة الركاب، أو باص السفر مثل الدبابة سواء بسواء!! طبقا للمنطق الصهيوني!!

الجسور المحطمة الأكثر حضورا على كل طريق

طوال سيرنا كنت أرى المسافة بين الحياة والموت تنعدم أحيانا فيصبحان وجهين لعملة واحدة، أو تتباعد لأرى الموت متواريا، والحياة ذاخرة بالحركة، وإرادة البقاء والاستمرار متدفقة! وكنا نقترب رويدا رويدا من محطتنا الرئيسية "بنت جبيل". وربما لا يعرف كثيرون لماذا كان التركيز الإسرائيلي على هذه البلدة أكثر من غيرها!!

سألت محمد: لماذا بنت جبيل؟!

قال: لأنها عاصمة التحرير كما أعلنها "نصر الله" مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل عام 2000، واحتضنت حينذاك احتفالا ضخما جعل لها قيمة رمزية هائلة عند الطرفين، ومن هنا حاولت القوات الإسرائيلية تحطيمها واحتلالها، ودفعت باللواء المسمى "جولاني"، وهو من نخبة الجيش الصهيوني، وباءت كل محاولات الصهاينة في احتياج "بنت جبيل" ناهيك عن احتلالها بفشل ذريع، حتى أن فرقة "51" من فرق لواء "جولاني"، وهي الفرقة الأرقى والأعلى تدريبا ومهارة قد أبيدت عن آخرها!! وهذا كله أنجزه نيف وستون مقاتلا من حزب الله فقط لا غير.

وحكايات صمود "بنت جبيل" البطولي الخارق لكل المقاييس تسمعها هنا، وحين طلبت أن أرى بعض دبابات "الميركافا" التي دمرها المقاتلون المجاهدون قيل لي: لقد حطمتها إسرائيل قبل أن تنسحب حتى لا تبقى شاهدة على خيبتهم من ناحية، وحتى لا تتركها غنيمة لمن يفكك، ويفحص، ويدرس.

من القصص هناك أنه في بلدة "تله مسعود" على الأقل، رأى المقاتلون جنودا من المارينز الأمريكي يقاتلون بدءا من الأسبوع الثالث للحرب محاولة منهم لدعم الصهاينة في تراجعهم ويأسهم، وقيل لي أيضا أن أولمرت قد تأخر في إعلان وقف إطلاق النار لمدة يومين بعد أن طلب من قياداته تحديدا أن يحتلوا "بنت جبيل" ليفاوض عليها، ولذلك زادت خسائر العدو في اليومين الأخيرين، وفشلوا أيضا!!

عندما تكون هناك على الأرض فتسمع وترى، وتصعد مثلما صعدت إلى جبل "مارون الراس" وتتوغل حتى ترى أن المحمول قد انتقل من الشبكة اللبنانية إلي نطاق تغطية الشبكة الإسرائيلية، وعندما ترى أرض فلسطين على مرمى حجر، خضراء مزدهية صامتة منتظرة، ومهيبة.

عندما تسير على الأرض فترى أنقاض القصف الوحشي للبلدة بالصواريخ والطائرات والمدافع، وتتفحص مواضع أقدامك حتى لا تدوس على قنبلة عنقودية أو لغم أو ترتطم بصاروخ لم ينفجر مثلما كان المكان ممتلئا!!

عندما يقال لك: كفى لا تتوغل أكثر؛ لأن الصهاينة يختبئون ومعهم قناصة في بيوت ومبانٍ في "مارون الراس"، لا تستطيع إلا أن يجذبك الحنين، وتنتصر غواية المغامرة والاقتراب من فلسطين الحبيبة، غير عابئ بما يمكن أن يحدث، وتشعر عندئذ أنك لست سوى واحد من هؤلاء الذين ماتوا شهداء – إذا قدر الله لك ذلك- وتهون الحياة، للحظات نادرة في حياة أي إنسان!!

حين تكون وسط الموت تماما يسقط عنك كل خوفك، وترتقي روحك لتعانق السحاب، وتصافح الملائكة، ووسط هذا وذاك يصبح للحياة طعم آخر، لأنك في الحالين ستعيش: شهيدا إذا رحلت، أو شاهدا إذا بقيت!!

أعتقد أن هذه كانت بعض مشاعر الذين صمدوا في "بنت جبيل" وغيرها ممن صنعوا لنا نصرا لا نعرف قيمته حتى الآن، ولا نستثمره بالتالي كما ينبغي!!

نزلت من "مارون الرأس" لأستكمل جولتي في "بنت جبيل" أشم رائحة التين، واقطف من ثماره الناضجة، ليصبح المكان والزمان جزءا من تكويني البيولوجي، ولم أشم رائحة تين، ولم أذق له طعما بهذا الجمال والجلال من قبل!!

وقطفت زيتونة بأوراقها واحتفظت بها، وجمعت شظايا صاروخ، وعدت به، وقطفت زهرة صغيرة دسستها وسط أوراقي للذكرى، ولا أحسبني سأنسي هذه المشاهد والروائح والمشاعر!!

ملحمة الصمود في الجنوب لم تكن عسكرية فقط، وزيارتي لمستشفي الشهيد "صلاح غندور" على مداخل "بنت جبيل" أتاحت لي فرصة مقابلة "جورج جالوي" البرلماني البريطاني المعارض، والمثير للجدل، وكان يزور نفس المستشفي، وأتاحت الزيارة لي أن التقي بشركاء الصمود والنصر من زملائي الأطباء الذين عملوا في ظروف قاسية للغاية، ومع ذلك حققوا نجاحات مهنية لا تعد ولا تحصى.

هناك شكوى عامة في"الجنوب" من عدم وصول القدر الكافي من المساعدات إليهم، ويدور كلام أقل، ولكنه متواتر عن تمييز مناطقي، وطائفي بالتالي، في وصول المساعدات سرعة وكيفا وبخاصة إلى الجنوب المنكوب، وهذا مسائل تستدعي تحقيقا وتقصيا على الأقل من الذين عملوا لأيام وساعات طويلة في جمع مساعدات ربما لم تصل إلى المناطق التي استهدف المتبرعون أن تصل إليها!!

الكهرباء والمياه غائبة عن "بنت جبيل"، وما حولها، كما هي غائبة عن"الخيام" وغيرها من المناطق التي استهدفها القصف الإسرائيلي بتركيز، وصحيح أن جهود الأعمار التي يقودها "حزب الله" في الجنوب عبر البلديات التي يحظى فيها بأغلبية مطلقة، صحيح أن هذه الجهود تدور سريعة تسابق الزمن، ولكن هذا يحتاج إلى دعم أيضا من الدولة اللبنانية، ومن أصحاب المساعدات دولا أو منظمات أو حتى أفراد للتأكد أن المال والمواد تذهب إلى المكان الذي يستحق، ولا عيب في أن يتم تدقيق هذا بأسلوب أو آخر!!

غادرنا "بنت جبيل" بعد أن رأيت الدمار قد طال المدارس كما البيوت، وأبراج الكهرباء كما الجسور والطرق، واللافتات هي نفس اللافتات، وإن كان فوق الدمار كتب الأهالي: "هذا هو الشرق الأوسط الجديد"، ورسم البعض نجمة إسرائيل السداسية، وكتبوا: من هنا مرت إسرائيل "المتحضرة"!!

في خروجنا من "بنت جبيل" كانت أفواج السيارات تعود إلى بيروت وغيرها، حيث يأتي سكان الجنوب لزيارة منازلهم، ويقضون اليوم هناك، ويعودون مع الغروب إلى حيث لجئوا حتى يصبح الجنوب ممكنا للسكن!!

ففي إحصائية أولية للدمار وجدوا أن حوالي 15% من مباني "بنت جبيل" يصلح للترميم، والباقي مدمر أو شبه مدمر بحيث لا يصلح معه ترميم!!

وعندما مرت بنا مركبة تابعة لقوات الأمم المتحدة قال محمد: هل تعلم أن رجال الأمم المتحدة يحتمون بالأهالي، وسألته عن النقطة الخاصة بهذه القوات، والتي قصفتها إسرائيل فقتلت أربعة على الأقل، فرد: هذه القوات ضعيفة جدا، وتسليحها ضعيف، ولا تستطيع حماية نفسها، وأي عاقل ينبغي أن يتساءل: لو ظلت بحالتها هذه، فما قيمتها؟! وحتما ستترك إسرائيل تمر وقت أية أزمة!!

ولو تمت تقويتها على الأرض فمن ستردع بقوتها هذه؟! إسرائيل؟!

كنت قد قرأت عن جمال الجنوب طبيعة ومنازلَ، وهو ما رأيته بنفسي، وإن كنت قد شاهدته مدمرا حزينا، ولكنه بالوقت ذاته شامخة في كبرياء، وحين كنت أتجول مع عائلة جنوبية وسط أطلال الفيلا الفخمة المحطمة التي تكلفت ملايين، هزني المشهد، ولكن هزني أكثر أنهم كانوا أبعد ما يكونون عن الحسرة أو السخط.

ملامحهم وكلماتهم، وحتى ضحكاتهم وحكاياتهم، ورغم أنهم لم يقولوا الشائع هنا: فدا السيد حسن، وشباب المقاومة!!

واضح أنهم من الطبقة الوسطى التي عمل بعض أبنائها في الخليج، وعادوا ليعمروا بيتا في بلدتهم، ولما سقط تحت القصف لم يسقطوا هم!!

كان لا بد إذن للجنوب، وهؤلاء ساكنوه، أن يفعل بالصهاينة ما فعل، وما خفي كان أعظم.

 العودة إلى بيروت 

صورة من الضاحية الجنوبية (خاص بإسلام أون لاين)

في نفس الليلة كان السيد "حسن نصر الله" يدلي بحواره التليفزيوني إلى قناة الجديد "New T.V. "، ولم يكن صعبا أن ترى وتسمع كل لبنان تتابع هذا الحوار، عبر المذياع في السيارات، وعبر كل شاشة في دكان أو منزل، أشكال وألوان وأزياء من البشر، كل الفسيفساء اللبناني كان يصغي للرجل، وهو يجيب بهدوء -رغم انفعاله الداخلي- على محاورته الهادئة الملحة، والناس تصغي صامتة وواثقة في صدقه وشفافيته، واللبنانيون أصلا شعب مسيس إلى حد كبير، وزاد هذا في فترة الحرب، وحتى الآن كما قالت لي مخرجة في قناة فضائية شهيرة، ونحن نقطع الطريق إلى "بيروت" في يوم آخر، قالت: كل لبنان اليوم يحكي بالسياسة، حتى أنا لم أكن أعرف فيها، أو أفهم كثيرا، الآن أصبحت أقرأ وأتابع وأهتم، ولي رأي وموقف، وهذه من حسنات الحرب.. هكذا قالت.

تدفق كلام السيد "نصر الله"، وهو لم يكذب ولم يبالغ؛ لأن كل جهود الإغاثة والإعمار، ومبالغ التعويض، وتحركات المواساة، وإعادة البناء، كلها تجري على الأرض حتى يهيأ لزائر لبنان أنه قد دخل إلى ورشة عمل بطول البلد وعرضه، تعمل طوال الأربع وعشرين ساعة!!

الكل يعمل ويتحرك منذ أول لحظة بعد وقف إطلاق النار، وهكذا وبهذا ستجد أن الحياة تهزم الموت دائما في لبنان.

"وحزب الله" لا يعرف رجاله النوم، كوادره المهنية والمدنية تصل الليل بالنهار لترد عمليا على كل الإشاعات والخرافات ومحاولات التشويه، والحروب الإعلامية، وألاعيب المنافسة السياسية، وصحيح أن الكل يتكلم ويطلق التصريحات، بينما الحزب يعمل لتثبيت مصداقيته عند الناس، صحيح أن منافسيه في موقف لا يحسدون عليه، ولكنه أيضا يبدو في وسط ألغام كثيرة، وملفات متشعبة، وحسابات دقيقة للغاية، وانتهزت الفرصة لأقول لصديقي المهندس عضو مجلس النقابة العامة لمهندسي لبنان، قلت له: كان الله في عونكم، وواجب على كل مخلص مساعدتكم، ماذا يمكن أن يقدم لكم الداعمون؟!

رد مبتسما: نستطيع تدبير حالنا، فقط أن يكفوا الأذى عنا في الداخل والخارج، هذا أقصى طموحنا!!

كبرياء الصامدين المنتصرين، وطبيعة اللبناني الذي تهمه صورته فرديا وجماعيا، والعلاقات الغنية، والاتصالات الواسعة لكل طائفة في لبنان تجعل من الشكوى أو طلب المساعدة لغة نادرة في الأحاديث المتداولة على كافة المستويات هناك.

صورة قد يراها البعض مسكونة بثقة زائدة في النفس، أو الاستغناء المؤدب، وربما أيضا بعض الاحتياط باليأس بدلا من خيبات الأمل، كما قال كاتب لبناني شهير منذ سنوات طويلة، واحتفظت بها في ذاكرتي لأفهم جانبا من التركيب اللبناني.. ربما!!

نفس الروح وجدناها في حوار مع مسئولي وزارة التربية، أقصد الترحيب الراقي، مع الاستغناء المؤدب، مع الرغبة في التواصل ضمن آخرين هرعوا لأداء مهام إغاثية تشبه المهمة التي قدمنا من أجلها، رغم أن ما نقدمه يبدو متميزا من وجهة نظر المسئول الذي التقينا به في الوزارة، على الأقل!!

الانفتاح اللبناني على الخلق والبلدان، والدنيا بأسرها ظاهرة ملفتة، سيقول قائل: طبيعي بحكم التنوع الطائفي، وبالتالي الثقافي!!

وفريق ثانٍ سيقول: أغلب سكان البلد يعيشون حول العالم أصلا!!

وسيقول آخرون: هذا مفهوم في حال ضعف الدولة، ونشاط المؤسسات الأهلية القائمة على التكوينات الطائفية أيضا، وفي إطارها.

ولكن المسألة تتجاوز هذا!!

فمن يمر في شوارع "لبنان" سيجد مثلا أعلاما لدول أوربية، وجنوب أمريكية، وربما أفريقية، هذه الأعلام مرفوعة على البيوت في بيروت وغيرها، ووجدتها في الجنوب أيضا، وهو أمر ملفت ومدهش ويدعو للتساؤل: لماذا يرفع بيت في حارة من حارات "بنت جبيل" علم إيطاليا، أو ألمانيا أو البرازيل، وعندما سألت في مرة سابقة علمت أن من يشجع فريق كرة قدم في كأس العالم يرفع علم دولته!!

والسياحة في لبنان أغلبها عبارة عن أهل البلد المغتربين الذين يعودون لقضاء عطلة الصيف في وطنهم، وهؤلاء عادوا غالبا بعد وقف النار، لينقذوا، ولو جزئيا، موسم السياحة هذا الصيف، بعدما رحل أغلب الخليجيين إلى عمان والقاهرة ودمشق. أقول هذا، وقد رأيت "بيروت" عامرة كعادتها، وإن كان بكثافة أقل،و غالبا فإن تمويل إعادة العافية للاقتصاد اللبناني سيتكفل به أهل البلد أنفسهم.

في طريقي إلى زيارة عائلة صديقة في الضاحية سألت الابن، وهو مهندس معماري على وشك التخرج من الجامعة الأمريكية: لماذا لا يحصل نوع من إعادة الانتشار الطائفي فيما يخص التوزيع الديمغرافي، مثلا لماذا لا يقدم آخرون من غير الشيعة لسكنى الضاحية، بينما يسكن الشيعة في كل بيروت؟!

بهدوء مفرط وثقة ووعي أجابني: بعدما حصل مستحيل أن يحدث ما تقول، فمن ناحية سيخاف غير الشيعة من سكنى منطقة مستهدفة، كما رأوا بأعينهم، ومن الجهة الأخرى سيتمسك الشيعة أكثر بما ضحوا من أجله ببيوتهم، ويعتبرونه جزءا من ملحمة صمودهم وانتصارهم، وأردف:

لاحظ أن أسعار الأراضي كانت هي الدافع الأهم للتوزيع الطائفي الديمغرافي في بيروت، أي أن كثيرا من الشيعة لن تكون لديهم الإمكانات المادية أصلا للانتقال إلى خارج الضاحية!!

وفي منزل العائلة سمعت المزيد من الحكايات، سمعت عن الأم التي كان ابنها ضمن المجاهدين واتصل بها في أواخر أيام القتال، وقال لها: وقف إطلاق النار قد أوشك، وأنا لم أمت شهيدا كما أحلم، ألم أتوسل إليك كثيرا أن تطلبي لي الشهادة من الله سبحانه وتعالى، وقد خذلتني في حرب التحرير السابقة، وتريدين الشيء نفسه في هذه الحرب، هل ترين أنني غير جديرة بالشهادة؟!

أو أنني أقل ممن نالوها؟!

وتحرك قلب الأم الذي كان معلقا وحائرا فكيف تدعو الله بهذا دعاء؟!

غالبت مشاعرها، واستجابت لرغبة فلذة كبدها ليصعد شهيدا في اليوم التالي، كما أراد!!

إذا سألت الناس مباشرة عن مشاعرهم ومشاعر المحيطين بهم ستتلقى جوابا بحسب الشخص الذي تسأله، وانتمائه السياسي أو الطائفي، وكذلك موقعه ومصالحه، وهذا طبيعي!!

الأغلبية من الناس العاديين سيقولون إنهم فقدوا أشياء يعرفون ثمنها مقابل حصولهم على أشياء أخرى لا تقدر بثمن!!

هذه الإجابة سمعتها من "محمد" مرافقي في رحلة الجنوب، ومن آخرين، ومسألة الانتصار على إسرائيل بالصمود أمامها، وعدم انكسار الإرادة، ومسألة الإعمار السريع والتعويضات الكبيرة التي يدفعها حزب الله، وكذلك الدولة، كل هذا يكمل المشهد المركب الذي يعيشه لبنان واللبنانيون، ولكنهم أيضا كعادتهم لا يتوقفون عن الجدل والمناظرة، والنقد المفتوح لكل شيء، ولكل أحد، ولا أحد عندهم فوق المساءلة، أو حتى التهكم والسخرية والتنكيت، ما زالت هذه هي المعادلة اللبنانية لم تتغير، وإن استعصت على فهم البعض!!

وهذه من نقاط التميز اللبناني النادر في المحيط الذي حوله!!

اللبناني حريص على كسب الجميع -ما أمكن- وهو ماهر في رسم صورته، والترويج لنفسه ولأفكاره، ولكل ما يهمه الترويج له، وهو دبلوماسي بالفطرة، وناعم في غير ضعف، وذكي اجتماعيا وسياسيا، ولا فارق في النوع هنا بين عضو حزب الله أو الكتائب أو رجل أعمال صغير أو كبير، فقط فروق في اللون والدرجة.

نجاح لبنان المستمر والمتصاعد، وهو البلد الصغير محدود الموارد الطبيعية، يستفز كثيرين ممن نسميهم في مصر "أعداء النجاح" وقد قيل أثناء الحرب أنه يستفز إسرائيل أيضا.

لبنان في تنوعه واحترامه لهذا التنوع، في تقديسه للحرية والتعددية، في رفضه للانغلاق والتعصب السياسي أو الفكري أو حتى الطائفي أو المذهبي، في نجاحه محتضنا لتجارب فضائية تتعايش رغم تناقضها، وكيانات سياسية تتحاور مع اختلافها، لبنان يتحدى، ومن يطلب رأسه كثيرون.. وهم جميعا يريدونه ميتا،، وهو يستعصي فيزيدهم غيظا وحنقا وتآمرا وعداوة.

 قبل الرحيل

رحلة إلى الجنوب

توالت بعد ذلك الأيام.. ذهبت للتدريب على المساندة النفسية أمام حضور متنوع من المخيمات الفلسطينية تارة، ومن مناطق لبنانية تارة أخرى، ولفت أنظارنا هذا الثبات والاعتزاز الذي يبدو ظاهرا في سلوك الجميع.

في "ثرثرة فوق النيل" يقول أحدهم: من كثرة الأشياء التي نخاف منها، لم نعد نخشى شيئا قط! ومصادر الخوف في لبنان كثيرة، وأهل لبنان يبدون غير عابئين، وكأنهم يكادون يتكيفون مع الشعور الدائم بالتهديد والخوف، وإن كنت وسط هذا يمكن أن تسمع أنينا مكتوما من الذين تعاملوا مع الأشلاء والدماء، من الذين صدمت مشاهد الحرب والقصف مشاعرهم الإنسانية، أو هددت وجودهم الآدمي، ولم يجدوا بأسا من أن يقولوا: آه!

وقليل ما هم!‍‍‍

يقتضي استيعابنا لفكرة أن التعبير عن الحزن أو الألم ليس ضعفا أو نقصا مخلا، بالرجولة أو بالإيمان، أن ننضج معرفيا وشعوريا، وأحسب أن أمامنا وقتا نحتاجه وجهدا صار حتما أن نبذله لنحقق هذا النضج فندرك أنفسنا أفضل، وندير أمورنا أحكم وأنجح!‍‍

لاحت أيضا من حسنات هذه الحرب أنها قاربت بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان –عددهم يقترب من المليون، وأوضاعهم صعبة للغاية- وبين شيعة لبنان، وكشفت لي رحلتي هذه عن صفحة مجهولة للغالبية العظمى من أهلنا العرب والمسلمين، وبخاصة الشباب!

سمعت عن حرب المخيمات التي دارت في منتصف الثمانينيات بين ميليشيا حركة أمل، وبين أنصار منظمة فتح، بل وكافة سكان المخيمات، ووقع فيها قتلى بأعداد كبيرة!‍‍

وقرأت مؤخرا في تحليل كتبه شخص سعودي أن هذا الاقتتال كان في إطار حرب طائفية بين الشيعة والسنة!‍‍

والذي أغفله هذا الباحث أو تغافل عنه، وربما يجهله!‍‍

هو ما سمعته هناك -من الفلسطينيين أنفسهم- أن موقف حزب الله في تلك الحرب كان ضد موقف حركة أمل، رغم اتفاقهما في المذهب!‍‍

حتى أن حزب الله ساهم في استدعاء قيادة إيرانية كبيرة، في حينه، وهكذا تلازم شيخان: إيراني شيعي، وفلسطيني سني أقاما في المخيمات إقامة دائمة حتى حقنت الدماء!‍‍

ثم يدور الزمان ليأتي من يكذب ويروج البهتان بأن حرب المخيمات كانت محض معركة مذهبية، ألا لعنة الله على الجهل، وعلى المتآمرين!‍‍

هذه المرة اختلفت الصورة تماما، في المخيمات‍، أنصار حماس يشكلون كتلة لا بأس بها من العناصر الناشطة هناك، وحزب الله هو صاحب التمثيل الأعلى في أواسط الشيعة اللبنانيين حاليا، على حساب حركة أمل، وعلى خلفية تقارب حماس وحزب الله في الأفكار والأهداف، والأيدلوجية الإسلامية، فإن التعاون والانسجام كان هو السائد، وهكذا قوبل النازحون من الجنوب "الشيعي" مقابلة أخوية حميمة من سكان المخيمات، حتى نشأت أكثر من قصة حب ومشاريع ارتباط بالزواج بين فتيات جنوبيات نزحن مع أسرهن، وشبان فلسطينيين من المخيمات!‍‍

بداية عملية جيدة يمكن البناء عليها لتصحيح الأوضاع الطائفية المتوترة في لبنان، بل وفي المنطقة العربية كلها، ولعل الفلسطينيون يلعبون دورا في هذا التحريك الإيجابي من خلال وجودهم وانتشارهم في أكثر من قطر عربي!‍‍

ولا أزيد على ما قاله قبلي كثيرون عن أهمية معالجة الملف المذهبي بسرعة وعمق وفعالية تتجاوز الخفة المعتادة السابقة في معالجته، وتسابق الزمن لأن سيناريو الاقتتال الطائفي مرشح ضمن مخططات "الفوضى الخلاقة".. وتفريغ الصمود الفلسطيني، والنصر اللبناني من مضمونه !‍‍

استثمار النصر الذي حصل هو مهمة الجميع، والنصر أكبر من حزب الله وأكبر من لبنان، هو نصر أكبر من صانعيه، ويحتاج لإدراك عميق لأبعاده، وآفاق تطوير العائدات منه، لا التعثر والتلعثم في ملفات مثل الطائفية!‍‍

في ملف الطائفية تحديدا يمكن أن تلعب مصر دورا أساسيا عبر الأزهر الذي يحظى بمصداقية ووزن معتبرين، أدعو الله أن يأمر سيدنا إسرافيل فينفخ الروح في أزهرنا ليمارس دورا يطمح الجميع إليه وينتظرونه.

خصصت جزءا من وقتي وحكاياتي في لبنان أروي لهم عن حركة التأييد الشعبي الجارف الحاصلة في مصر تعاطفا مع المقاومة ودعما لصمود أهلنا هناك، وهناك قصور واضح في نقل حقيقة هذه الصورة الضخمة لهذا الدعم والتأييد، مما يجعله مفهوما أن يسأل أكثر من لبناني قابلناهم: أين مصر والمصريون؟؟

حدثتهم عن عشرات الألوف من الشبان والفتيات ممن نشطوا في جمع التبرعات المالية والعينية، وإقامة الحفلات الفنية والأمسيات الثقافية، وعروض الفن التشكيلي، وغيرها من أشكال التعبير والتضامن، حتى الأطفال كان لهم دور وحركة، لكن أغلب الذي حصل هنا لم يصلهم هناك!‍‍

أخذت في حقيبتي بعض النماذج من المطبوعات والملصقات والمواد المتنوعة لأريهم كيف كنا وما نزال معهم بقلوبنا وجهودنا، لكن هذا لا يكفي، وأخشى أن ننشغل عنهم كعادتنا بمفردات حياتنا من ياميش ومسلسلات رمضان، والدوري العام، والثانوية العامة!‍‍

لبنان لن ينادي أحدا، ولن يطلب من أحد، وأنا قلت من أول يوم للحرب أن العرب يحتاجون لبنان بأكثر مما يحتاجهم هو بكثير، والأحاديث المسمومة عن لبنان للبنانيين، هي مثل الخرف القديم المتجدد عن مصر للمصريين، الذي رأيناه واقعا أن يقال هذا الكلام بينما لا تلعب في أحشائنا أجهزة الأمن والمخابرات المحلية والمعادية، ونصبح غنيمة للرائح والغادي، ثم حين يحاول أحد من الناس التواصل لدعم بالكلمة أو المشورة أو الجهد، خارج قطره، يقال له: مصر لأهلها، أو لبنان.. شأن داخلي، خاص بأهله!

أقول: نحن أهله، وكل من شارك أو يريد المشاركة في ملحمة بطولته أو دعم صموده أو إغاثة شعبه أو إعمار أرضه هو من لبنان، له ما لأهله وعليه ما عليهم.. سواء بسواء.

قالت لي مضيفتنا في منزلها بالضاحية: لقد كانت رسائلك اليومية بالمحمول، وما تحمله من أنباء حركة الشارع المصري، ومشاعر التأييد الجارف في قلوب المصريين، وجهودهم في التضامن معنا، رسائلك هذه مثلت دعما معنويا لي ولمن حولي بشكل لا يمكن أن تتصوره، بارك الله فيكم وفي جهودكم، وأبقاكم ذخرا لأمتنا.

وعدت إلى العوامة.. أقصد إلى مصر.. لأجد نفس المعارك ونفس المانشيتات ونفس الهراء.. والهواء الساخن الملوث!‍‍

عدت إلى الثرثرة فوق النيل حيث "مصطفى راشد” وأمثاله، ولسان حالهم يقول:

"إننا لا مصريون ولا عرب ولا بشر، نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوامة"!‍‍

فيرد "علي السيد" وأمثاله:

"لا تصدقي كلام مصطفى حرفيا، لسنا أنانيين بالدرجة التي صورها، ولكننا نرى السفينة تسير دون حاجة إلى رأينا، أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئا، وربما جر وراءه الكدر، وضغط الدم"..

عدت إلى حيث "نعيش فوق الماء فنهتز لوقع أي قدم"!

إلى حيث يشغل بعضنا نفسه بسؤال:

كيف تتحول المهزلة التي نعيشها إلى دراما هادفة؟؟

كيف يكتسب هذا العبث معنى؟؟

وما زلت سارحا متأملا مع الثرثرة فوق النيل.. حيث "ليس في العوامة زمن"

أسمع الصارخين الساخطين: "فيا أي شيء افعل شيئا فقد طحننا اللاشيء"..

أرقب مشاحنات يومنا وليالينا في البرلمان وفي الشوارع وفي نادي الزمالك وفي كل شبر، ومعاركنا الملتبسة والمفتعلة أحيانا: شيعة وسنة، إسلاميين وعلمانيين، أشعر أننا نهرب بها من الخواء، ونقطع بها أوقات الفراغ أو أعمار الفراغ ‍!‍‍

وبالتالي كلما اقتربت جهودنا من تفاهم ينفع أو تحالف يفيد يرتفع صوت، تكون له الغلبة فيما بعد.. صوت من وسط الثرثرة يقول:

"لا تبالغوا في توطيد السلام، وإلا حل بنا الملل"..

رحم الله نجيب محفوظ..


** مستشار القسم الاجتماعي بشبكة إسلام أون لاين.نت، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net.

 


 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع