بريدك الالكتروني


English

 

آخر تحديث: 10:30(غرينتش)، 13:30(مكة) الأربعاء 12 رمضان 1427هـ - 4/10/2006م

مشاكل وحلول للشباب

»

ملفات وصفحات خاصة

الخميس 16 رجب 1427 هـ - 10/8/2006 م

دليل المساندة النفسية

لمتضرري الحروب والكوارث من الأطفال 2006

أ. داليا الشيمي **

التعامل مع الأطفال من متضرري الحروب والكوارث

يختلف التعامل مع الأطفال المتضررين من الحروب والكوارث عن التعامل مع المتضررين، وذلك من حيث الأعراض التي تظهر عليهم وكذلك من حيث الطريقة التي يجب علينا اتباعها في التعامل مع ما يظهر عليهم من أعراض...

ويرجع اختلاف طريقة التعامل مع الأطفال عن الكبار إلى عدة أسباب منها:

1- انخفاض قدرة الطفل على التعبير، بمعنى أنه لا يعرف كيف يعبر عن آلامه وما يعانيه في صورة كلمات أو ألفاظ لغوية.

2- أن ما يظهره الطفل من علامات ومؤشرات ظاهرة (كالبكاء أو ما يظهر عليه من علامات للتعبير عن الخوف).

يمكن تفسيره في أكثر من فئة، بمعنى أن البكاء ربما يعبر به عن القلق النفسي أو عن الحاجات الفسيولوجية كالجوع مثلا... أو قد يعبر به عن رغبته في أن يلفت نظر الآخرين له.

3- إن مساعدة الطفل في التخلص من معاناته لا يصلح معها أيضا الكلام المباشر، وذلك لانخفاض قدرته على إدراك ما يقع خلف الكلمة من محاولة للتخفيف؛ فمن الصعب على الطفل فهم المحاولات الكلامية المباشرة لتعديل أفكاره وجعله يتقبل ما يتعرض له.

4- إن الطفل بوجه عام وفي الظروف الطبيعية يحتاج لطريقة خاصة في التواصل والتفاعل معه؛ فالتعامل معه يحتاج لمهارة من الفرد الذي يرغب في إقامة علاقة معه.

وهي تلك المهارة التي سوف نتحدث عنها بالتفصيل على النحو التالي:

كيفية تكوين علاقة مع الطفل والتواصل معه

ما نعنيه من كلمة تواصل هو وجود طريقة للتفاعل أو التعامل يمكنك من خلالها كراشد أو شخص كبير الدخول مع الطفل في علاقة أخذ وعطاء في حالة من التفاعل المتصل.

الهدف من التواصل:

نهدف من تواصلك مع الطفل أولا إلى إقامة علاقة معه بحيث يستطيع أن يتفاعل معك ويأمنك فتتمكن من تقديم العون له.

وفي حالة رغبتك في تكوين علاقة مع الطفل يجب عليك أخذ ما يلي في الاعتبار:

1- إن الطفل يفهم ويشعر بمدى رغبتك في مساعدته واستعدادك لتقبله مهما كانت حالته.

وعلى هذا فيجب أن تكون لديك رغبة صادقة في التفاعل مع الأطفال واستعداد لبذل جهد لتحقيق ذلك؛ لأنك مهما تحاول اصطناع ذلك دون وجود رغبة حقيقة فسوف يكتشفها الطفل، مما يعوقك عن تكوين علاقة به.

2- ابتعد عن اقتحام الطفل بصورة مباشرة في اللحظات الأولى للقاء.

فالأطفال في الظروف الطبيعية يخشون الاحتكاك بالكبار من اللحظات الأولى؛ فما بالك بهؤلاء الأطفال الذين ربما فقدوا ذويهم أو فقدوا منازلهم أو ...

ومعنى هذا.. ألا تحاول حمل الطفل مباشرة قبل محاولة اجتذابه؛ لأن ذلك يزيد من قلقه ونفوره ويطيل من وقت تكوين العلاقة معه.

3- حاول أن تجذب الطفل من على بعد.

ولا مانع من استخدام بعض الأشياء المحببة للأطفال في بداية الأمر لجذب انتباهه لك، كالحلوى وبعض الألعاب التي من الضروري وجودها معك.

4- لا تكتفي بجذب طفل واحد لك، بل حاول واجتهد في اجتذاب آخرين، وذلك بأن تحاول أنت والأول إحداث بعض الأصوات التي تصدر عن لعبة كلامية أو أن ترفع صوتك بأنك سوف تروي حدوتة أو حكاية عن أرنوب أو.... (اختر ما يحلو لك من حكايات منتشرة في بلدك يميل لها مع الأطفال).

ولا مانع إذا كنت في خيمة أو مكان به أطفال عدة من أن تقوم بإجراء حوار بصوت مرتفع مع الطفل الأول، أو أن تروي الحكاية وكأنك تقولها لكل الأطفال، على أن تكون الرواية شيقة، ثم اخفض صوتك عند جزئية معينة لها أهميتها حتى يحاول البعض أن يقرب منك ليعرف ماذا حدث....

5- عند تواصلك مع الأطفال حاول أن تبالغ قليلا في صوتك وانفعالاتك، بحيث تعبر ملامح وجهك بأكملها عند الفرح مثلا في حالة تحدثك عن شيء مفرح في إحدى القصص التي ترويها.

فهذا الشيء يسعدهم، كما أنه ينشط حواسهم لك، ليس ذلك فقط، بل يخرجهم من الحالة التي تؤثر عليهم.

6- لا مانع من لمس الطفل في أثناء الرواية أو اللعبة التي تمارسها معهم وذلك بهدوء وبدون افتعال أو قصد، إلا أن للمس أهمية كبيرة في إحساس الطفل بالأمان والقرب.

7- حاول أن تساعد الطفل في قضاء حاجاته الفسيولوجية إذا استطعت، فساعده في دخول الحمام إن هو طلب ذلك، أو ساعده في تناول طعامه في حالة رغبته؛ فقضاء الحاجة الخاصة بالطفل يساوي من وجهة نظره الحب، ويشعره بالتقارب.

8- اسمح للطفل بالتحدث حتى لو كان حديثه يبدو غير متماسك، فليس هدفك في هذه المرحلة هو تشخيصه أو فحصه؛ فالمطلوب فقط هنا هو بناء علاقة.

وفي ذلك حاول أن تظهر انتباهك واهتمامك ورغبتك في أن يكمل ما لديه.

ويمكنك في ذلك استخدام إيماءات تعبر عن رغبتك في الاستماع، وذلك بأن تهز رأسك، أو تستخدم كلمات مثل... وبعدين.... هاه....

كل ما سبق يمكنك من إقامة علاقة جيدة بالطفل تسمح لك بالتعرف على ما يعانيه الطفل، كما تسمح لك أيضا بالتدخل لمساندته.

ـ وعلى الرغم من عمومية ما سبق أنه يصلح كخطة للتعامل مع معظم الأطفال، فإن ذلك لا ينفي أن تأخذ في اعتبارك خصوصية كل طفل.

فإذا كان معظم الأطفال يميلون للحلوى، فهناك أطفال قد لا يجذبهم ذلك بقدر ما يجذبهم أن يروا مدى تقبلك لهم.

وفي أثناء إقامتك لهذه العلاقة التي نتحدث عنها سوف تتمكن من تحقيق عملية الفرز الأولية لهؤلاء الأطفال.

ماذا نعني هنا بالفرز النفسي الأول:

ـ المقصود بالفرز النفسي هو تحديدك المبدئي لفئتين إحداهما فئة الأطفال الذين خلفت الكارثة لديهم نوعا من الاضطراب الظاهر، كالبكاء المستمر أو مظاهر الخوف الشديدة أو غيرها من العلامات الظاهرة التي تجعلك تقرر إن هذا الطفل يجب التدخل معه لمساعدته فورا، وهذا لا يعني أنك ستهمل الآخر الذي سوف تضعه في الفئة الثانية (فئة غير المضطرين)، هؤلاء الذين يتفاعلون ويظهر عليهم عدم التأثر الشديد، ولكن الفارق الوحيد بين الفئتين هو:

أن تدخلك سيكون أسرع للأطفال في الفئة الأولى الذين تظهر لديهم الأعراض أو يشكو ذووهم أو المشرفون على الخيام التي يسكنونها منهم.

ملحوظة مهمة:

لاحظ أن هذا الفرز هو عملية مبدئية، فربما تثبت لك المعلومات بعد ذلك أن الطفل الذي يبدو وكأنه غير متأثر بدرجة شديدة هو أكثر الأطفال احتياجا لمساعدتك، ولكنه يقاوم أو لا يملك التعبير عن معاناته أو أن هذا التأثير سوف يظهر عليه لاحقا.

وهنا مكمن أهمية المعلومات التي يجب أن تجمعها عن الطفل.

مهارة جمع المعلومات عن الأطفال:

على الرغم من أن هذه المهارة تأتي في تسلسل كتاباتنا في رقم (3) فإن ذلك لا يعني أنها مرحلة تالية على إقامة العلاقة والفرز النفسي، بل هي مهارة ومرحلة أساسية في كل المراحل أو المهارات السابقة واللاحقة عليها.

فلكي تقيم علاقة جيدة مع الطفل فيمكن أن تساعدك المعلومات التي تجمعها عنه في تحقيق ذلك بسهولة قد تعرف من المعلومات أنه يحب الحكايات أو يميل للعبة كذا أو......

فإن هذا سيختصر لك محاولاتك للتقرب منه.

ـ كذلك فإن المعلومات عن الطفل سوف تساعدك في عملية الفرز المبدئي، بل وربما تجعلك تغير رأيك في حالة ما مثال:

طفل يبكي بكاءً مستمرا وتبدو عليه علامات الضيق وعدم الرغبة في الكلام مع أي فرد

ـ ربما تعتقد هنا أن ما يظهر يرجع إلى ما تعرض له وما يعانيه وأنه أحد الحالات التي يجب التدخل الفوري لمساندتها....

ولكن حينما تعرف من أمه أو المسئول عنه أن ما يظهر عليه هو طبيعته حتى قبل الأزمة، وأن له شروطا ما في الحصول على رضاه وتوقفه عن البكاء فسوف تتغير وجهة نظرك بالتأكيد!.

وحيث إن الطفل كما سبق أن أشرنا من الصعب عليه أن يعبر عن أزمته وما يعانيه فعليك أن تهتم بتعدد مصادر جمع البيانات عن الطفل والتي تشمل:

1- ملاحظتك للطفل بنفسك، وذلك من خلال رؤيتك له عن بعد وملاحظتك لطريقة تفاعله وتحركه و...........

2- جمع المعلومات عن الطفل من خلال سؤال أفراد أسرته أو من يشرف عليه في المكان الذي يعيش فيه أو الراشد المسئول عنه.........

وهناك طريقتان أساسيتان لجمع المعلومات من المسئولين عن الطفل، وهما:

1- السؤال العام عن الطفل وترك المتحدث يذكر كل معلوماته عن الطفل دون مقاطعته، ويتم ذلك في صورة حكاية أو مقتطفات عن سلوكيات الطفل، ويحتاج الأمر منك بعض التدخل في طلب بعض المعلومات أو الاستزادة حول نقطة ما.

2- وتعتمد الطريقة الثانية على سؤالك أنت عن بعض الأمور المحددة والتي تفيدك في التعرف على اضطراب الطفل.

وربما تكون هذه الطريقة أكثر فاعلية في الحصول على ما تحتاجه من معلومات؛ ففي الطريقة الأولى (حكاية المسئول عن الطفل) ربما يغفل دون قصد منه معلومة في غاية الأهمية لتحديد حالة الطفل فيعتبرها قليلة الأهمية مثل أن الطفل يستيقظ أكثر من المعتاد لعدة مرات في أثناء الليل دون بكاء ولكنه فقط يستيقظ ثم ينام بعد دقائق.

إذا كان الأمر كذلك، فما هي الأسئلة أو الموضوعات التي ينبغي عليك أن تضعها في اعتبارك عند السؤال عن طفل:

1- اسأل عن طبيعة الطفل قبل الأزمة وهل هناك اختلاف؟ اطلب من المسئول عن الطفل أن يحدد هذه الاختلافات؟.

مثال:

كان الطفل ينام لمدة ساعات (6 أو 7 أو....) دون استيقاظ في أثناء الليل، وبعد الأزمة أصبح يستيقظ في صراخ في أثناء الليل مرتين على الأقل.....

2- اسأل عن الطريقة التي عبر بها الطفل عما شاهده، وكيف فسرت له أسرته أو من حوله ما حدث، وكيف استقبل ذلك.

3- اسأل عن استجاباته الأولى، هل ظهرت عليه علامات قلق أو خوف أو تبلد أو.....

4- اسأل عن نوم الطفل، طعامه، قضائه لحاجاته.

5- اسأل عن لغة الطفل هل حدث فيها تغير، هل ظهرت عليه مشكلات كان قد تخلص منها كالتبول اللاإرادي مثلا.

6- اسأل عن الأشياء المحببة للطفل فإن ذلك سوف يعينك عند التدخل لمساندته والتقرب له.

ومن خلال التكامل بين ملاحظتك الشخصية للطفل ومعلوماتك من أسرته سوف تكون صورة كاملة عن الطفل مما يساعدك على تحديد أولوية التدخل بالمساندة المطلوبة للحالات الأكثر إلحاحا ولكن.. ما المقصود بتحديد الأولوية في التعامل مع الأطفال؟.

ويعني تحديد أكثر الحالات شدة والتي يجب التعامل معها فورا ويتم ذلك من خلال تقييمك للمعلومات التي حصلت عليها عن الأطفال وحسب شدة الأعراض التي تظهر على الطفل، وفي كل الأحوال هناك حالات يجب عليك اعتبارها على رأس القائمة، وتشمل:

1- الطفل الذي لا يتحدث ولا يظهر أي تأثر، بل يبدو غير مبال أو لا تظهر عليه أي استجابة لا سلبية ولا إيجابية.

2- الطفل الذي توقف عن بعض الأمور الفسيولوجية الأساسية أو حدث اضطراب فيها كالأكل أو قضاء الحاجة (دخول التواليت).

3- هذا بالإضافة إلى باقي الأطفال الذين يظهرون الأعراض المرضية.

ولتحديد الأعراض المرضية يجب عليك أولا الإلمام بها للتدخل حين ظهورها.

التشخيص

سوف تقابل بعض المظاهر أو الأعراض التي يمكن من خلالها تحديد معاناة الطفل وغالبا ما سوف تظهر لك الأعراض في الصورة التالية:

أ‌- أعراض ما بعد الصدمة لدى صغار الأطفال:

تظهر الأعراض المرضية لدى أطفال ما قبل المدرسة في عدد من الأعراض المحدودة والتي يمكنك بسهولة التعرف عليها ورصدها، وتشمل:

1- الخوف الشديد بل وربما الرعب والهلع والذي يظهر في:

- الخوف من الآخرين خاصة الغرباء، فتجده منزويا بعيدًا لا يأمن وجود الأغراب وربما يصرخ إذا حاول أحد الغرباء الاقتراب منه.

- يظهر في صورة فزع وصراخ عند ابتعاد أحد أقاربه عنه (وهو ما يسمى بقلق الانفصال) فهو يخشى أن يترك بمفرده.

- يظهر في اضطراب النوم والتي تشمل الفرغ في أثناء الليل أو زيادة عدد ساعات النوم عن المعدل الطبيعي أو ظهور الكوابيس التي تجعله يستيقظ في حالة صراخ مستمر.

- (لاحظ سؤال أسرة الطفل عن ذلك؛ حيث إنه قد لا يتسنى لك معرفة ذلك أو متابعته نظرا لحدوثه ليلا).

2- تكرار رموز أو ألعاب ترمز للحادث المأساوي وذلك بأن يكرر ضرب النار مثلا باستخدام يديه أو عصا أو أي شيء يتوفر له، وربما يكرر ما سمعه دون تفسير وذلك في صورة لعب.

· ولكي يتميز هذا النوع المرضي من اللعب عن اللعب الطبيعي، وستجد الفرق في علامتين مميزتين لهذا النوع من اللعب، وهما:

أ – أن هذا اللعب يمارسه الطفل دون شعور بالسعادة أو المتعة، حيث يمارسه وكأنه مجبر على تكراره، ولكن دون أي شعور بالبهجة التي غالبا ما ترتبط بحالة اللعب لدى الأطفال في الظروف العادية.

ب- إن هذا اللعب يأخذ شكلا واحدا دون تنوع هذا التنوع الذي يميز لعب الأطفال في الظروف العادية، فنجدهم يكررون نفس اللعبة دون تغيير.

3- الارتداد لممارسات سابقة، فيعاود الطفل أشكال من السلوك أو الممارسات كان قد أقلع عنها بحكم النمو، والتي تشمل:

- مص الأصابع، فنجد الطفل يعاود ممارسة ذلك الفعل بعد أن توقف عنه، وهو ما يعبر به عن قلقه وتوتره.

- عدم السيطرة على علمية الإخراج، فنجد الطفل بدأ يتقهقر أو يرجع إلى التبول اللاإرادي أو التبرز اللاإرادي في بعض الأحيان بعد أن كان قد سيطر عليهما.

وربما تظهر سلسلة أخرى من الأعراض بصورة نوعية تختلف من طفل لطفل، فقد يظهر على بعض الأطفال ما يلي:

- حالة من الشرود أو السرحان وكأنه ينظر لشيء ما فهو هنا ربما يعاود مشاهدة الموقف مرة أخرى أو يتذكره وكأنه يشاهده على شاشة أمامه.

- حالة من الحركة المستمرة غير الهادفة، بمعنى يتحرك بدون هدف واضح للحركة، وهو يعبر من خلال هذه الحركة إلى توتره، وعدم قدرته على ضبطه.

ب‌- الأطفال في المرحلة الابتدائية

وتأخذ الاضطرابات اللاحقة على الصدمة لدى الأطفال الأكبر سنا عدة أشكال تشمل:

1- الاسترجاع البصري للأحداث، والمقصود به أن يعيد الطفل الأحداث التي تعرض لها في شكل صور يحدثك عن تفاصيلها أو يعبر عنها في صورة رسوم أو ألعاب يحددها هو.

2- نسيان أو خلل في ترتيب الأحداث فترى الطفل يروي لك ما حدث ولكن دون ترتيب دقيق كما تجد أن هناك جزءا من الأحداث مفقودا فلم يعد يتذكره، وهي محاولة منه (غير واعية) للتخلص من بعض المشاهد أو الأفكار أو الأحداث التي لا يحتملها أو لا يرغب في الاحتفاظ بها.

3- زيادة الخوف والتوتر:

وفيه يبدو الطفل وكأنه في حالة توقع لحدوث مكروه، فهو يتوقع دائما أنه سوف يتعرض لخطر كالذي مر به، فيحدث له نوع من الحركات اللاإرادية، كما يخشى النوم بمفرده حتى لو كان قد سبق أن تدرب عليه ومارسه، فيخشي أن يكون بمفرده في أثناء النوم.

وينسحب الخوف على أي نشاط يمكن أن يفعله بمفرده وقد يصل الأمر في حالة الخوف الشديد إلى عدم قدرته على دخول الحمام بمفرده أو حتى التحرك لعدة خطوات بعيدًا عن أسرته.

- ودائما ما يلفت الطفل المحيطين به إلى أنه يشعر بأن هنا أو مكروها سوف يقع كالذي حدث ويربط بين ما حدث قبل الأزمة وما يراه الآن، بمعنى أنه إذا كان القصف حدث في أثناء تناول الطعام مع الأسرة، ففي كل مرة يبدأ في تناول الطعام يؤكد أن القصف ربما يحدث الآن، أو يعبر عن ذلك في صورة قلق يظهر من خلال ملامح وجهه أو رعشة يديه أو حتى في مشكلات البلع أو رفض تناول الطعام.

4- تراجع في السلوك: أو الارتداء لممارسة كان الطفل قد تخلص منها، وتشمل:

- الخوف من الظلام: فنجده يصرخ من الظلام أو يعبر عن ضيقه الشديد منه.

- الالتصاق بالوالدين أو من يمثلهم فيربط حركته بحركتهم ولا يستطيع نهائيا الانفصال عنهم.

- مص الأصابع وفقدان التحكم في الإخراج بنفس الطريقة التي تحدثنا عنها لدى الأطفال الأصغر سنا.

5- انخفاض القدرة على التركيز وبعض القدرات المتعلقة بالتحصيل الدراسي:

فنجد الطفل لا يستطيع التركيز أو الانتباه لشيء معين لبضع دقائق، ويظهر ذلك في تواصله مع المحيطين به، فقد تحدثه في موضوع ويدخل على موضوع آخر، أو تتحدث له وعند سؤاله يظهر أنه كان مهتما بأمر آخر، فيشرد فيه بذهنه.

5- زيادة الغضب والعنف السلوكي واللفظي، والإحباط وربما تظهر سلوكيات غير مقبولة سواء موجهة للآخرين أو موجهة لنفسه خاصة لدى المراهقين فنجد الطفل يدخل في ثورات غضب قد يتلعثم فيها؛ فهو يثور لأتفه الأسباب أو حتى دون سبب، أما العنف فيظهر في سلوكيات من خلال كسر ما يقع تحت يده من أشياء أو قذفها، وضرب أقرانه من الأطفال، وأحيانا ضرب بعض أفراد أسرته كذلك يظهر العنف اللفظي في صورة سب الأشخاص أو الأشياء، والذي يعبر من خلاله عن حالة السخط التي تعم شخصيته، ويظهر العنف نحو الذات في صورة تعمد إصابتها فيؤذي نفسه.

6- ويظهر لديه الإحباط في صورة عدم رغبة في المشاركة أو غياب الاندماج مع الآخرين والتعبير عن عدم جدوى أو فائدة أي تصرف يفعله له الآخرون.

7- رفض الحدث وإنكاره:

وفي الحقيقة تعد هذه العلامة من المؤشرات المهمة على مدى الضرر الذي يستشعره الطفل، فهو لا يحتمل مجرد تصديق أن هذا الحدث قد تم بالفعل فينكر ذلك تماما، ولا يصدقه.

وهذا الطفل تحديدًا يحتاج لمضاعفة المجهود معه حتى نصل به إلى مجرد الاعتراف بأن الموقف حدث بالفعل...

إذا كانت هذه هي الأعراض التي تظهر في البداية كاستجابة تظهر على الطفل فإن هناك العديد من الاضطرابات المرضية الأخرى التي قد تظهر لدى الطفل، ربما في وقت متأخر من حدوث الكارثة، فنجد أن الطفل يدخل مثلا في حالة من الاكتئاب مثله مثل الكبار والتي تظهر في صورة الأعراض التالية:

1- عدم القدرة على الاستمتاع بأي شيء.

2- توقع مكروه بصورة دائمة.

3- عدم الرغبة في التحدث أو التواجد مع الآخرين.

4- عدم الاهتمام بالنظافة الشخصية.

5- عدم الرغبة في التعبير عما يعانيه أو الدخول في تواصل.

6- نقص الطاقة، فنجده خاملا لا يحرك ساكنا ولا يرغب في أي نشاط.

وفي مثل هذه الحالة ومع شدة ما يظهر عليه من أعراض، ربما يحتاج الأمر منك كمساند إلى التوصية لتحويله لطبيب نفسي أو معالج نفسي متخصص ليتمكن من مساعدته على الخروج من ذلك بأقل الخسائر ممكنة أو التخلص منه نهائيا.

ولكن كيف لك أن تصل إلى هذا التشخيص أو ذاك خاصة في حالة الأطفال الذين تكمن مشكلة تشخيصهم في كونهم لا يستطيعون التعبير عن معاناتهم بصورة لفظية؟.

وسائل التشخيص

سيتم ذلك من خلال وسيلتين أساسيتين هما:

1- الرسم.

2- اللعب.

وسوف نتحدث عن كل واحدة منهما بالتفصيل على النحو التالي:

أولا: الرسم:

يعتبر الرسم إحدى الوسائل المهمة في تشخيص ما لدى الطفل من مشكلات أو أفكار لا يملك التعبير عنها في صورة كلمات.

ولتحقيق الفائدة المطلوبة من الرسم اتبع ما يلي:

1- أعط الطفل ورقة وعدة أقلام ودعه ليختار القلم الذي يرغب في استعماله، شريطة أن تكون الأقلام مبراة بدرجات مختلفة، فنضع قلما ذات سمك كبير، وقلما آخر ذات سن رفيع، وقلم آخر بينهما.. لماذا؟

فاختيار الطفل لسمك القلم يعبر عن بعض الأمور النفسية لديه، فمثلا استخدام قلم رفيع و عدم الضغط عليه بحيث تظهر الخطوط باهتة،فأن ذلك يعبر عن انخفاض الطاقة لدى الطفل وعدم شعوره بالأمان أو قلة الرغبة في التعبير عن الذات.

2- حاول أن ترقب الطفل وهو يرسم، دون أن يلتفت لذلك، ما أهمية ذلك؟ سوف يظهر على وجه الطفل بعض العلامات عند رسم بعض الموضوعات ربما تعطيك فكرة عما يفكر فيه مثلا تردد الطفل في رسم الذراعين أو توقفه عند رسمهما أو انزعاجه عند رسمهما، فقد يعبر ذلك عن مشهد رآه لشخص مبتور الذراعين أو أصيب في إحدى ذراعيه، وهو ما يخشى أن يرسمه.

3- حاول في نهاية الرسم السؤال عما رسمه الطفل فقد يرسم الطفل بعض الموضوعات التي لا تفهمها أو تراها تحتاج إلى تفسير، فلا مانع من سؤاله عن ذلك، فقد يرسم طفلا دون رأس، وعند سؤاله يقول إن هذا هو حال الطفل بعد القصف وهو ما يشير إلى مدى تركيز الصور التي رآها في ذهنه أو حتى تخيلها إن لم يكن رآها.

- وقد يكون من المفيد أن تطلب منه أن يحكي قصة عن الأشخاص والموضوعات في رسمه فهذا قد يساعدك أكثر في الفهم، كما يساعده على التعبير اللفظي عما رأى، وربما يظهر لك بعض الخلط في أفكاره التي يعرضها تعليقا على رسمه.

أمثلة عملية

لكي يتيسر لك تفسير رسم الطفل وتفهمه، والتعرف على مدى أهميته، إليك بعض النماذج لرسومات أطفال في أثناء تأثرهم بصدمة تعرضوا لها أو كارثة:

النموذج الأول:

رسم طفلة فلسطينية عاصرت قصف مدينتها والمنازل المجاورة لها:

رسمت الطفلة عدة أشجار متدرجة في الطول الشجرة الأولى قصيرة ولكنها مثمرة بدرجة كبيرة وأوراقها كاملة ثم شجرة أطول ولكنها ذات إثمار ضعيف، ثم شجرة أكثر طولا ولكنها ذات إثمار ضعيف جدا وأوراق معدودة، ثم شجرة أخرى أطول ولكنها خاوية تماما من الأوراق والفروع وتبدو ساقا فقط.

- وعند سؤالها عبرت أن هناك ريحا تأتي لتأخذ من الشجرة أوراقها وثمارها كلما كبرت، بحيث لا يستطيع أهل الشجرة وأصحابها الاستفادة من أوراقها في إطعام أطفالهم.

- وكانت تعبيراتها اللفظية كالتالي:

" الريح الشريرة ترفض أن يأكل الأهالي من ثمار زرعهم...."

وبالطبع ترمز الريح الشريرة للعدو الصهيوني الذي يقتلع كل شيء حتى لا يستفيد به أهل البلد.

النموذج الثاني

رسم الطفل "محمد" الذي نجا من العبارة السلام "98" رسم فيه ما يلي:

رسم سمكة كبيرة تأكل سمكة صغيرة، وهنا استخدم محمد الأسماك كرموز.. فالسمكة الصغيرة هي أهله الذين غرقوا في البحر، مما يكشف عن شدة قلقه، رغم عدم قدرته على التعبير.

والسمكة الكبيرة ترمز للبحر الذي أكل الناس بالفعل.

النموذج الثالث

رسم طفلة (آية) تبلغ من العمر 6 سنوات، وقد فقدت في زلزال مصر 1992 أسرتها ومنزلها فقد عبرت فيه كما يلي:

رسمت منازل، وأشخاصا وكتبا وأدوات منزلية تطير في السماء وبعضها يغيب وراء السحاب المنتشرة في السماء....

وفي هذا الرسم تعبر "آية" عن فقدان منزلها وأسرتها، وعلقت على ذلك "كل حاجة راحت عند ربنا، وماما خدت المطبخ معاها عشان تعمل لبابا أكل هناك لحسن ربنا تكون عنده الأنبوبة فاضية وبابا بيجي جعان... ولما ماما تخلص الأكل هاتنده عليا عشان أطلع آكل...

فقد عبرت آية عن شعورها بفقدهم، وعن رغبتها في اللحاق بهم للحياة وسطهم.

وقد يرمز الطعام هنا للحب، والاحتياج العاطفي.

النموذج الرابع

رسم طفل 5 سنوات في حالة انهيار منزلهم:

رسم فيه عددا كبيرا من الأفراد في صورة عائلات أم وأب وأطفال في مكان كبير يقفون كالمعلقين لا هم على الأرض ولا هم في السماء، وكل منهم يمارس نشاطه، فهناك من يخلع ملابسه، ومن يسرح شعره...، وقال معلقا:

"كلهم هايقعوا عشان الأرض بعيدة وهمه عبيطين مش عارفين وبيسرحوا، همه هايقعوا أنا عارف..."

وفيها عبّر الطفل عن غياب الشعور بالأمان، وإحساسه بأن الموقف سوف يتكرر ثانية، وعليه فينبغي على الأفراد الحذر، وعدم ممارسة حياتهم بشكل طبيعي تحسبا لوقوع هذا الحادث مرة ثانية.

وهناك العديد من النماذج التي يمكن أن ننقلها يعبر فيها الأطفال عما يدور بداخلهم، ويمكنك الاستفادة منها في الفهم والتشخيص.

فالرسم وسيلة جيدة لتحقيق ذلك خاصة أنك لم تقم بتقييد الطفل برسوم معينة... ولكن!!

عند استخدامك للرسم في التفسير والفهم احذر ما يلي:

1- أن تعتمد على الرسم وحده كوسيلة لفهم حالة الطفل والتعرف على معاناته، فعلى الرغم من أهمية وسيلة الرسم كوسيلة لفهم حالة الطفل والتعرف على ما يجول بخاطره فإنها وحدها ليست كافية، كما أنه لا بد من التحدث معه حول رسمه لأن ذلك يشعره بالاهتمام كما أنه يمكن أن يساعدك في التفسير.

2- لا تتسرع في تفسير رسومات الطفل بما تفهمه أنت، فربما يكون تفسيرك هو ما تشعر به أنت وليس ما يقصد الطفل توصيله؛ لذا فإن سؤاله عما رسم أمر في غاية الأهمية.

3- حاول الحفاظ على رسومات الطفل في كل المراحل؛ حيث إن اختلاف رسوماته، وتوجهاتها يساعدك في التعرف على تطور الحالة، ومدى نجاح ما تقوم به من تدخل في تحسين الحالة النفسية للطفل وهو ما سوف ينعكس على رسومه، فتجده يرسم رسوما أكثر تنظيما، وتشعر فيها بالأمان أكثر.

4- حافظ على هدوئك؛ فلا تظهر أي تعبيرات لا لفظية ولا غير لفظية في أثناء رسم الطفل حتى يجعل من رسمه مجالا حرا ينفس فيه عما بداخله هو دون تدخل، مهما بدا الرسم غريبا.

اللعب كوسيلة من وسائل التشخيص:

اللعب أحد المجالات المهمة في حياة الطفل بوجه عام ليس في إدخال المرح والسرور على حالته النفسية فقط، بل إن اللعب وسيلة لتعلم الطفل بعض الأدوار التي سوف يقوم بها.. كالطفلة التي تهتم بدميتها كما تقوم أمها بذلك نحوها....

وللعب دور كبير في تنفيس الطفل عن نفسه، فنجد الطفل يضرب عروسته أو دميته ليعلمها الأدب كما تفعل معه أمه ووالده.

ولهذا يمكن أن نستخدمه في التشخيص والفهم كما يمكن أن نستخدمه في العلاج كوسيلة لتفريغ الطفل للشحنات التي تقع داخله، سواء كانت شحنات غضب أو عدوان أو قلق أو ....

كيف يظهر اللعب الحالة النفسية للطفل؟

يلجأ الطفل للعب للتعبير عن حالته بصورة مختلفة، فقد يلعب الطفل لعبة يخبر بها عما رآه أو ما تعرض له في صورة قهرية أو رغما عنه، فنجده يكرر الحدث في صورة لعبة فيمسك الأشياء ويقذفها أو يضرب الأشخاص أو يصيح بالكلمات التي سمعها في أثناء المشهد الذي تعرض له.

ومن أمثلة ذلك:

النموذج الأول:

طفل في الخامسة من عمره تعرض والده للاعتقال بصورة وحشية أمامه، فأتى بعض أفراد السلطة لأخذه من منزله أمام أطفاله، فظل هذا الطفل يكرر تلك اللعبة مع الأطفال معه في الحي، فيلعب دور الضابط الذي يقبض على الناس، وذات مرة ظل يضرب الطفل الآخر (المفترض أنه المتهم أو المعتقل) حتى أصابه فأدمى جسمه.

على الرغم من أن ذلك لم يحدث مع والده بهذه الدرجة، فإنه أراد أن يعبر عن عدوانه بهذه الطريقة.

النموذج الثاني:

طفلة أخرى تعرض منزلها للهدم في حملات الاجتياح الإسرائيلية على منازل الفلسطينيين أخذت تمارس لعبة فردية وهي أن تقوم بتجهيز وتركيب القطع المكونة لمنزل وتحرص على إتمامه بصورة دقيقة ووضع كل شيء في مكانه، ثم لا تلبث أن توقعه بطريقة عنيفة حتى لتتطاير القطع وتظل تبكي وتبكي حتى تدخل في حالة من الإغماء وحين منعها من ذلك تظل تحاول وتجاهد حتى تفعل، وحينما منعت من قطع المنزل استعاضت عنه بالورق لكي تفعل نفس الشيء.

- وكانت لعبة الطفلة رمزا لما تعرضت له أو بالأحرى كانت تكرارا له، وإظهارا للتعبير الذي لم تظهره وقت وقوع الحدث، حيث لم تبك الطفلة وقت الهدم الحقيقي لمنزلها.

ومن خلال الأمثلة السابقة يتضح لنا أهمية اللعب في فهم الحالة والتعرف على اضطراباتها أو معاناتها.

وما سبق أن ذكرناه على الرسم يستقيم على اللعب حيث يجب عليك توفير جو مناسب للطفل ليلعب كيفما يشاء ولتحقيق ذلك لا بد من تحقيق ما يلي:

1- اترك للطفل بعض الأدوات التي تعينه على اللعب كلما أمكن ذلك، ويمكن أن تكون هذه الأدوات في غاية البساطة وغير مكلفة، كالدمى أو العرائس والصلصال وبعض النماذج البلاستيكية للبعض الأسلحة وكرة و.....

2- دع الطفل ليختار منها ما يشاء دون توجيهه فيختار أن يلعب بصورة فردية أو جماعية أو ما هي اللعبة التي سوف يختارها، على الأقل في بداية الأمر، إلى أن يمكنك الفهم ثم تكوين فريق منهم للعبة ما بحسب اختيارهم.

3- لاحظ الطفل جيدًا، ولو أتيحت لك الفرصة حاول أن تدون سريعا بعض الملاحظات عن الأطفال الذين ترى في لعبهم بعض الاضطراب أو بعض الغرابة كاستحواذ الطفل على عدد من اللعب ثم لا يستخدمها وذلك بمجرد الاستحواذ عليها أو الامتناع عن الاقتراب من الألعاب نهائيا والاكتفاء بالنظر لها فقط.

السيكودراما كوسيلة في التشخيص:

وهي إمكانية ربما لا تتوفر في الظروف التي تعمل بها إلا أنها إحدى الوسائل التي ربما تصلح في فهم حالة الأطفال.

والمقصود بالسيكودراما هو مساعدة الأطفال على عمل مسرحية تمثيلية يعبرون من خلالها عما يشاءون وتصلح للأطفال من عمر المدرسة، فيطلب منهم تجهيز المسرحية من حيث التأليف وتحديد الأدوار كذلك القيام بتمثيلها، دون التقيد بأي شيء لا في الموضوع ولا في طريقة التقديم...

وسوف ترى من خلال اختيارهم أكثر الموضوعات إلحاحا على مجموعة الأطفال، حيث تطلب منهم أن الموضوع الذي سيقدمونه يتفق عليه معظم الأفراد بحيث يحصل على أغلبية منهم.

ثم اجعلهم يختارون فيما بينهم الأدوار الأكثر مناسبة لكل طفل منهم.

وحتى لو كانت المسرحية أو العمل الفني لا يسمح لكل طفل بأخذ الدور الذي يرغب فيه، بمعنى أن الدور الواحد طلب أكثر من طفل أداءه، فلا مانع من ذلك فيعاد عرضها أو تقديمها عدة مرات ليلعب كل طفل الدور الذي يرغب فيه، لأن ذلك سوف يجعله يعبر من خلال الدور (الذي يرى فيه نفسه) عن حاجاته ومعاناته، ويضيف له بشكل ربما يبدو مختلفا من طفل لآخر.

ومن خلال كل ما سبق يمكنك التوصل لتشخيص دقيق لحالة الطفل.

ولا يتوقف دور الأدوات السابقة (الرسم – اللعب – السيكودراما) عند حد تشخيص حالة الطفل، بل يتعدى دورها ذلك، فتصبح وسائل للتفريغ النفسي الذي يعد أولى خطوات المساندة والتدخل العلاجي (إن جاز التعبير)....

ما المقصود بالتفريغ النفسي؟

المقصود به مساعدة الطفل على التعبير عما بداخله من معاناة وإخراجها خارج نطاق ذاته حتى لا تظل حبيسة لديه تهدم في حالته النفسية وفي قدراته على التوافق أو الاندماج مرة أخرى في الحياة الجديدة...

ويمكن في ذلك استخدام الرسم للتعبير عن الحالة الراهنة، كما يمكنك استخدامه في صورة تعليمية لتغيير أفكار الأطفال (بعد أن يعبروا عن نفسهم) فتعلمهم وضع رسومات أكثر تفاؤلا، أو أكثر إيجابية، فبدلا من رسوم الأرض الخاوية من الزرع، علمهم في صورة مجموعات كيف يرسمون عليها بعض الزهور أو وضع زرع؛ فعلى الرغم من أنه رسم فإنه اتضح ما لذلك من تأثير إيجابي على نفسية الطفل.

كذلك رسوم البناء بدلا من الهدم وهكذا.. فمن ناحية سوف تشغلهم فكرة التعلم لشيء جديد ومن ناحية أخرى سوف تجعلهم يعملون في مجموعات وهو يخلق نوع من التفاعل يخرج الطفل من أزمته الذاتية ويشعر بأنه ليس وحده، بل هناك أطفال آخرون مثله، فيشعر بأن الهم واحد ومقسم على المجموعة.

ومن ناحية ثالثة كما سبق أن ذكرنا ما للرسوم الجديدة من تأثير إيجابي على الحالة النفسية للطفل.

نفس الأمر بالنسبة للعب، فيمكنك وضع الأطفال في مجموعات وتعليمهم ألعابا جديدة أكثر اعتمادًا على المجموعة (أكرر أن يتم ذلك بعد أن ينفس هو عما بداخله باختياره للعبة التي يراها ويمارسها وحده) دربهم على تقسيم الأدوار، والهدف من ذلك أن يتفاعل مع الآخرين، ويعاود الاندماج، ويري أن له دورا، وأن هناك حياة مرة أخرى يمكن أن يشارك فيها بدور ما.

ويأتي ضمن الألعاب أن يروي كل طفل قصة أو حكاية أخرى بها نجاح أو انتصار، أعطهم مثلا على ذلك، بحيث تتداخل قصة النجاح والانتصار مع القصة أو المشاهد التي تعرض لها، فتقلل من حدتها وتأثيرها على حالته النفسية.

بعد ما سبق عرضه حول ما يمكنك فعله مع الأطفال، فسوف يظهر لك نتيجة تدخلك ومساندتك، فسوف تجد تغيرا في رسوم الأطفال وفي ألعابهم، وربما تتحسن حالتهم الفسيولوجية أو الانفعالية، فيقل استيقاظهم في أثناء الليل، ويقل بكاؤهم، كما يمكن إرشاد الأسرة لمساعدة الطفل في التخلص مما قد لحق به مثلا: فكرة عدم السيطرة على التبول يمكنك وضع برنامج للطفل يشمل تهدئة الطفل قبل النوم بساعتين – كذلك إيقاظ الطفل كل ساعتين لدخول الحمام – تشجيعه كلما استيقظ جافا وعدم عقابه أو إذلاله إن قام مبتلا.

لاحظ في كل الأحوال أن تدخلك ونجاح مساندتك للطفل ومساعدته على التخلص من أعراضه ومواجهتها بصورة إيجابية وسرعة التوافق مع الظروف الجديدة.. كل هذا رهن بشعور الطفل بالأمان.

فاجتهد في تحقيق ذلك، فهو لم يعد يثق في أن هناك من يمكنه مساعدته، ويكون جهدك الأكبر هو في الوصول لذلك من خلال مساعدته، وعدم التخلي عنه، الاجتهاد في توصيل كلمات وتعبيرات وإشارات تبلغه بها أنك تتقبله وأنك جئت لأجله، وأنك على استعداد لفعل أي شيء (في حدود إمكانياتك) من أجل أن تساعده.

بقي أن أذكرك أن دورك لا يتوقف أيضا عند ذلك ولكن هناك دورا آخر لا يقل أهمية عما فعلته، والذي أشرنا له خلال عرضنا السابق وهو (التحويل) أو (التوصيل بالتحويل).

والذي يعني أن تقوم بتحويل الطفل الذي لا ترى أنه يمكنك مساعدته، أو أن كل محاولاتك للتدخل لا تفيده إلى طبيب نفسي أو معالج مختص.

بل وهناك بعض الحالات التي يجب عليك سرعة تحويلها اختصارا للوقت وإنقاذا للطفل من مزيد من التدهور وذلك مثلا عندما ترى طفلا يرفض التحدث رغم كل اجتهاداتك، مع استمراره في البكاء ورفضه للطعام أو التحدث، كل ذلك نذير بسوء حالة الطفل خاصة مع معرفتك باستمرار الحالة لعدة أيام...

وقبل النهاية أذكرك بمعلومة مهمة، وهي:

لا تخشى من بكاء الطفل وتعبيره عن تألمه وتكرار رواية ما شاهده، ولا تطلب منه في أول الأمر التوقف عن ذلك، بل إنك لو لاحظت طفلا لا يظهر أي علامات حزن أو انفعال بما حدث ساعده على البكاء والتحرر مما بداخله؛ فالبكاء منفس، والرواية منفس، والحركة منفس، فلا تحرمه منها قدر الإمكان.

فالخوف حق طبيعي للطفل وللراشد، ولا يمكن منعه على الأقل في المراحل الأولى التي تعقب التهديد الشديد الذي تعرض له الطفل.

كذلك الشعور بعدم الأمان، وربما رفض ما حدث، كذلك ثورات الغضب، كلها حقوق إنسانية يعبر بها الطفل عما إصابة من ضرر.

ونهاية أبلغك وأؤكد عليك أهمية دورك، فإذا كان هناك جنود على ساحة القتال يحمون الأفراد والممتلكات، فدورك لا يقل أهمية عنهم؛ فهؤلاء الناجون، هم ناجون بأجسامهم فقط ولكن نفوسهم حزينة نتيجة لما تعرضوا له، ويكون دورك -بعد الله- في تحسين تلك الحالة وإعادتهم بناة جددا للبنان وفلسطين مرة وثانية وثالثة، فهؤلاء الأطفال هم من يعقد عليهم البناء، ودورك هو إعادة بنائهم، فهل أنت مستعدة؟؟.

أحسبك مستعدا، ومناضلا من أجل تحقيق ذلك أعانك الله، وأعاننا، وأكرر على مسامعك ومسامعي أن نصر الله قريب قريب، ونحن في انتظاره وكل منا يقوم بدوره.

عودة


** منتدب للتدريس بقسم علم النفس جامعة عين شمس.

ـ أخصائي تنمية مهارات وتدخل مبكر وتعديل سلوك للأطفال بمستشفى الجلاء.
ـ مدرب قياس نفسي وتعديل سلوك بمركز دراسة الطفولة بجامعة عين شمس.

 


 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع