|
في الحقيقة هي ليست تجربة شخصية
ولكنها تجربة صديقة عرفتها عن قرب حيث
كنت على علم بكل ما يحدث معها من أحداث
وما يختلج بصدرها من مشاعر مختلفة
وقوية .
كانت هبة فتاة طيبة وذكية جدا
ولكنها كانت خجولة .. لدرجة أنها كانت
مبدعة تستطيع فعل أشياء كثيرة، ولكن لا
تجرؤ على إظهارها لأحد مهما كان سوى لي،
فقد كنت صديقتها المقربة بل حتى أقرب من
كل أفراد أسرتها بمن فيهم أمها وأختها .
كانت تكتب الشعر وترسم وكانت
تصنع أشياء صغيرة كالدمى، وما يستعمل في
البيت مما تجده من أشياء عادة ما ترمى مع
المهملات .. لقد كانت فنانة بحق وهذا ما
أكسبها رقة وحسا مرهفا .
كان يتردد على بيتهم ابن عم لها
كان يكبرها بحوالي تسع سنوات .. وكان
متدينا وهادئا (هي أيضا كانت متدينة) .
كان يعجبها فكره وأسلوبه في
الحديث، ولكنها كالعادة لا تشارك
بالمناقشة مع أنها كانت لها أفكار مهمة
وناضجة رغم صغر سنها.
لم تكن تفكر في الزواج أو في أي
شيء لأنها لم تكن تتصور نفسها كزوجة
تتحمل المسؤولية، بل كانت لا تعرف حتى ما
الذي ينتابها عندما يأتي يوم الأحد _يوم
العطلة الأسبوعية الذي يزورهم فيه عادة.
ومع الأيام صارت تترفب قدوم هذا
اليوم، ويدق قلبها كلما دخل البيت وتضطرب
كثيرا وتعلو وجهها حمرة الخجل عندما تراه
وأحيانا تظل بعيدا مخافة أن يكتشف
الآخرون مدى اضطرابها مضحية برغبتها في
الجلوس إليه و الإنصات لما يقول .
وطبعا هي لم تحدثه أبدا حديثا
خاصا ولا بدرت منها أدنى إشارة لذلك، بل
إنها كانت تحاول أن تظهر بمظهرها
العادي وكأنها تحارب شيئا بداخلها
وتمنعه من الظهور و التعبير عن نفسه .
فماذا عنه هو ؟ هي لم تعلم قط
مشاعره نحوها .. أحيانا كانت تلحظ منه
نظرة إعجاب أو نظرة خاطفة، ولكنها لم تر
أكثر من ذلك.
ولهذا فقد كانت تغالط نفسها،
وكان هذا دوما أسلوبها في جميع المواقف ..
أن تكون واقعية وتبتعد عن الوهم، ولا
تفسر الأمور إلا بما تحتمل وليس أكثر من
ذلك .
ثم أتى اليوم الذي علم فيه
الجميع أن ذلك الشاب قد خطب فتاة هي أخت
زوجة صديقه، وكالمعتاد تظاهرت بأن
الأمر لا يعنيها مع أنها في الحقيقة
قد أحست بشيء ينكسر داخل قلبها حتى أن
دمعة من عينها نزلت وهي تحدثني عن الأمر،
ولكنها حاولت إخفاءها بابتسامة حزينة .
لقد أحسست بها تتعذب في صمت،
ولكنها تكابر ,لا تريد أن تعترف حتى
لنفسها بقوة مشاعرها نحوه، وبخيبة أملها
فيه .
ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد
لقد كان رد فعل والدتها قويا وظاهرا, لقد
ثارت أمها عند علمها بخبر زواج هذا الشاب
وقالت أنه قد حطم قلب ابنتها .. وهنا عرفت
أن صديقتي الحبيبة لم تنجح في إخفاء
مشاعرها رغم اجتهادها في ذلك .
ولعل الباقون أيضا بمن فيهم ابن
عمها قد لاحظوا ما لاحظته والدتها، فهل
كان يتردد على بيتهم للاستمتاع بمنظرها
المضطرب؟؟ لم تجرؤ على مفاتحة أمها في
الموضوع ولا على كفها عن الخوض فيه لأن ما
قامت به الأم قد جرحها أكثر مما فعل بها
زواج ابن عمها .
ومضت الأيام والسنون وتقدمت
السن بهذه الفتاة وحققت نجاحا كبيرا في
دراستها ثم عملها من بعد، وتقدم لها أكثر
من شاب ولكن لا أحد جذب انتباهها ولا دق
له قلبها كما كان يحدث مع ابن عمها، فكانت
ترفض الارتباط خصوصا من الذين يتصلون بها
مباشرة فذاك كان أسهل بينما يحتاج الأمر
إلى جهد كبير عندما يتقدم أحدهم إليها عن
طريق أسرتها .. ولكنها كانت دائما تجد
سببا مقنعا لرفض الارتباط .
هي الآن في السادسة والثلاثين
من العمر مشغولة جدا بعملها لم أعد أراها
كثيرا كالسابق لانشغالي أنا أيضا عنها
بحياتي الخاصة، ولكنني أكاد أجزم أن
بقاءها الآن وحيدة كان نتيجة ذلك الحب
الأول .
حب صادق وطاهر ولكنه للأسف لم
يكن متبادلا ولم تجد الفتاة من يشد بيدها
لينقذها فضحت بحياتها وزهرة شبابها
مقابل وهم.
وأنا صديقتها الحميمة كنت أيضا
غرة ولا أفوقها تجربة فكنت أكتفي
بالإنصات إليها بأذني وقلبي، ولم أكن
أملك من الحكمة و النضج ما يؤهلني
لمساعدتها، وإلى الآن لا أستطيع
مفاتحتها في الموضوع فأنا أحترم مشاعرها
ولا أريد أن أقول أي كلمة تسبب لها أذى .
- صديقة هبة.
|