English

 

آخر تحديث: 09:26(غرينتش)، 01:26(مكة) السبت 27 صفر 1428هـ - 17/03/2007م

الحب وحده لا يكفي » الحب الأول » صفحات وملفات خاصة » مشاكل وحلول للشباب

"كورنيش القاهرة".. حب وبلطجة

      1/03/2007م

حمدي الحسيني**

  حب الكورنيش تحكمه قواعد خاصة

تسالي يا.. ترمس، حمص الشام الحراق، معسلة.. معسلة أوي يا.. بطاطا، مشوي يا.. درة، معطرة يا.. مناديل، ورد يا بيه، يا.. رب تتجوزوا، وهكذا...، يبدو مشهد كورنيش نيل القاهرة بمنظره الساحر كملاذ للمحبين، وآخر متنزه مجانيّ لسكان العاصمة المزدحمة.

عشرات من الشباب والفتيات يصطفون في سلسلة متصلة لا يفصل بينهم سوى أمتار معدودة في ثنائيات تجمعها مشاعر فياضة من الرومانسية والمشاعر الحميمة، هذه الثنائيات قررت فيما بينها التمرد على واقعها، وعزلت نفسها عما يدور حولها من أحداث وتحولات صاخبة.

ما بين استغلال الباعة، وحكايات المترددين عليه، يظل كورنيش النيل، "هايد بارك" مفتوحًا تتنوع على شاطئه الجميل المعاناة اليومية لشريحة عريضة من المجتمع المصري.. تتجدد المشاهد بسرعة، لكنها تدور في إطار شباب وشابات بعضهم على أعتاب فترة المراهقة، والبعض الآخر تخطاه قطار الزواج، فلم يجد سوى شاطئ النيل ينعى له حظه العاثر.

مجتمع "الكورنيش"

زبائن الكورنيش يتميزون بالتجدد الدائم، فالثابت الوحيد هم الباعة الجائلون الذين اكتسبوا خبرة رجال مباحث الآداب فأصبحوا قادرين على فرز الزبائن، وتحليل شخصيتهم بسرعة والدخول في الوقت المناسب لفرض بضاعتهم.. حينها يضطر الشاب أن يشتري منه السكوت بدلاً من بضاعته المضروبة.

وهكذا تحول الكورنيش إلى ملتقى لعاطلين يبيعون همومهم بطريقة لا تخلو من الانتهازية، وزبائن أغلبهم عاطلون دفعتهم حالة الغلاء وظروفهم الاقتصادية القاسية إلى اللجوء إلى النيل يطلقون على شاطئه عواطفهم المكبوتة بلا مقابل، فمعظمهم ليس لديهم القدرة على مواجهة الـ"منيمم تشارج" التي أصبحت موضة تطبقها الكافيتريات والمقاهي، فلم يبقَ أمامهم شيء مجاني سوى الكورنيش.

مشادة كلامية ساخنة نشبت بين شرطي وشاب نحيل كان يلتصق جسده بفتاة شقراء تجلس بجانبه.. بداية الأزمة عندما اقترب منهما بعد مراقبة سريعة.. الشرطي أشار للشاب بصوت خفيض، ثم طلب الاطلاع على هويته.. عندها سأله الشاب باستغراب عن السبب، وهنا بدأ صوت الشاب يعلو تدريجيًّا معترضًا على التدخل غير المبرر لإفساد لحظات جميلةيقضيها مع خطيبته.

لكن يبدو أن الشرطي كان مدربًا على مثل هذه المواقف.. فقال له حسنًا، وصمَّم على الاطلاع على بطاقة هويته فتدخل بعض المارة.. الشرطي تمسك بطلبه، ووعد بإطلاق سراحه مباشرة بعد التعرف على العلاقة التي تربطهما.. فسلَّم هويته للشرطي الذي توجه بسؤال إلى الفتاة عن البيانات الشخصية للشاب ففشلت في الاختبار.. وهنا تمسك الشرطي بتحرير محضر لهما بممارسة أفعال فاضحة في الطريق العام.. انهارت الفتاة، وثار الشاب مستعطفًا الشرطي أن يتركه ليذهب إلى دراسته الجامعية.

بينما تجد على الكورنيش وتحديدًا في المنطقة الفاصلة بين مبنى الخارجية والتلفزيون المصري.. زحامًا شديدًا من البشر يلتفون حول رجل ملقى على الأرض، وملابسه ملوثة بالدماء والمارة يحاولون القبض على رجل يرتدي ملابس غير مرتبة، وشارف عمره على الأربعين.

بعد قليل حضرت سيارة الشرطة، فتبين أن المصاب شاهد المتهم في وضع غير طبيعي ليلاً جمع بينه وبين سيدة كانت تقف بجانبه على سور الكورنيش فتدخل لنصيحته دون أن يدري العلاقة التي تربطهما.
ودافع المتهم عن نفسه بأن أخرج من جيبه ما يثبت زواجهما عرفيًّا قبل عدة سنوات، لكن عدم توافر مسكن جعل زواجهما مع إيقاف التنفيذ باستثناء لقاءات عابرة في الهواء الطلق.

العاملون في أقسام الشرطة على طول كورنيش النيل اعتادوا على التعامل اليومي مع هذا النوع من المشكلات، وأدى تكرارها المستمر إلى إصدار تعليمات شفوية لهذه الأقسام بعدم مضايقة الشباب، ومراعاة الظروف الاجتماعية المعقدة.

مناطق نفوذ

  عم علي درة .. تآلف مع الكورنيش

كورنيش نيل القاهرة الممتد بطول حوالي 15 كم يمتد من منطقة شبرا وحتى المعادي، مرورًا بروض الفرج والزمالك وميدان التحرير وجاردن سيتي والعجوزة والجيزة والمنيل وينتهي عند منطقة حلوان.. الكورنيش تحول في السنوات الأخيرة إلى مصدر رزق لباعة جائلين يعولون عشرات الأسر الفقيرة.

هؤلاء الباعة قسموا الكورنيش إلى مناطق نفوذ، سيطروا عليها بطريقة "وضع اليد"، باستثناء بعض مناطق الكورنيش المجاورة للسفارة البريطانية والأمريكية والإيطالية، وبعض المنشآت الأمنية المطلة على النيل.

هذه الأماكن يتجنب الباعة الاقتراب منها بينما باقي الكورنيش مفتوح أمام الباعة لمن يستطيع فرض وجوده، ثم يبدأ في فرض "إتاوة" في صورة مشروبات إجبارية للثنائي الذي يقف في منطقة نفوذه مستغلاًّ ضعف الموقف.

وتتنوع المشروبات حسب فصول السنة ففي الشتاء حمص الشام والبليلة، بجانب الشاي والقهوة.. أما في الصيف تظهر المثلجات، والعصائر والمياه المعدنية.. بعض الباعة حوَّلوا مناطق نفوذهم إلى مقهى متحرك يضم طاولات وكراسي بلاستيكية، يتم فردها فوق الكباري، وأسفلها، يختارون لها مواقع جانبية بعيدة عن أعين أجهزة الرقابة الرسمية.

مقهى خالد الفيومي، أو كما يطلق عليه الشباب "الشاب خالد" الذي نجح في السيطرة على موقع إستراتيجي بالكورنيش، حيث يرصّ كراسيه أسفل كوبري قصر النيل منذ الصباح الباكر حتى بعد منتصف الليل.. وعلى بعد خطوات قليلة يضع الشاب خالد الأدوات التي يستخدمها على طاولة حديدية.

خالد من محافظة الفيوم حصل على دبلوم تجارة منذ ٤ سنوات، وفشل في العثور على فرصة عمل بالفيوم، فعمل بنصيحة أحد أقاربه في العمل كبائع على الكورنيش، وتحولت الفكرة إلى مشروع يساعده في إدارته شقيقه وأربعة عمال.
أما "علي درة" يعرفه معظم طلاب جامعة القاهرة، فهو يتخذ من "كوبري الجامعة" مقرًّا دائمًا له على بُعْد أمتار من مقر السفارة الإسرائيلية، حيث يفترش "علي درة" الأرض يوميًّا، وأمامه "قفص خشبي وصفيحة فحم" يبيع الذرة المشوي، وأحيانًا إذا فشل في العثور على الذرة، يضطر أن يستبدل الترمس أو البطاطا بها.

يرتبط "علي" بعلاقة خاصة بالكورنيش فقد ربَّى أبناءه الأربعة من عائد هذا العمل الذي يجمعه كل مساء، وما زال مصممًا على مواصلة عمله فلقد اعتاد العمل، ولم يَعُد يستطيع البقاء في البيت حتى بعد أن أصبح جدًّا.

ويضيع هدوء ورومانسية وصخب الكورنيش مع المظاهرات التي تعتبر العدو الأول لزبائن الكورنيش، فكراهيتها يشترك فيها المراهقون والباعة.. يوم المظاهرة يمنح الباعة أنفسهم إجازة ولا يفكر أحد في الذهاب إلى موقعه على الكورنيش، حيث يحتلها رجال الأمن في هذا اليوم.

كذلك الحال بالنسبة لزبائن الكورنيش، فيوم التظاهر يكون واضح المعالم من بعيد، ففي الحال يغيرون وجهتم بدلاً من المضايقات التي يمكن أن يواجهوها في مثل هذا اليوم.


** صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي، يمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحة holol@iolteam.com
 
New Page 1
 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع