|
كثيرا ما تحدث الكثيرون عن
فوائد التكنولوجيا الحديثة، وأنها ساهمت
في خلق حالة من الاتصال الفعال بين الناس
لدرجة أصبح العالم فيها قرية صغيرة، فأنت
تستطيع وأنت جالس في بيتك مخاطبة سكان
أقاصي الشرق والغرب.
لكن العجب أن يبدأ البشر في
استخدام تلك التكنولوجيا في التعبير عن
مشاعر الحب، وتبادل المشاعر التي ربما
تعجز ألسنتهم عن التعبير عنها، سواء كان
ذلك عن طريق الإنترنت، أو أجهزة المحمول،
أو حتى عبر الرسائل القصيرة المكتوبة على
شاشات القنوات الفضائية، والتي تحمل بين
طياتها مشاعر دافئة، وأخرى مراهقة،
وثالثة فجة.
وفي زماننا هذا طال التطور
التكنولوجي كل شيء، حتى وسائل التعبير عن
الحب التي انتقلت من الخطابات الغرامية
الورقية والقصائد الشعرية والشرح المطول
إلى رسائل الغرام القصيرة التي يتم فيها
اختزال جمل طويلة من الحب ربما في حروف قد
تكون غير مفهومة للبعض.
وحيث إن الإنترنت والهواتف
المحمولة هي وسيلة اتصال في الأساس لا
تواصل، تتبدى خطورة هذا النوع بالنظر إلى
أن أغلب حالاته يحيطها الغموض -وربما
الكذب- حتى تقع الصدمة، ومع ذلك فإن هناك
من يرون أن فرص حدوث حب حقيقي عبر تلك
الوسائل تبقى قائمة.
وهم التجربة
ياسر عبد الله – طالب جامعي، 21
عاما- يتذكر أول حالة حب مر بها حين كان في
المرحلة الثانوية، والتي بدأت من خلال
أحد برامج المحادثة على الإنترنت، وذلك
عندما كان يتجاذب أطراف الحديث في الأمور
العامة مع إحدى الفتيات، حتى تطرق الحديث
لتبادل كلمات الحب، التي تبعتها لقاءات
كثيرة على أرض الواقع.
في كل مرة لقاء كنت أظن أني لا
أستطيع الاستغناء عن محبوبتي، ولكن في
إحدى المرات تعرفت على زميلة لي في
الجامعة، وتعلقت بها، فرأيت نفسي قد نسيت
حبي الإلكتروني الذي تحول إلى عبء
بالنسبة لي، خاصة بعدما تأكدت أنه لم يكن
حبا بالمعنى المعروف، وإنما كان مجرد
تجربة جديدة جذبتني لخوضها.
ويتفق معه في الرأي يحيى منير –مهندس
زراعي 37 عاما- قائلا: إنه وقع أسيرا لحالة
وهم الحب، عندما أعجب بشخصية جارته
إعجابا حسبه حبا من طرف واحد، وكان وقتها
شخصا غير مجرب، وليست له خبرة بالمشاعر،
حتى إنه لم يستطع مصارحة جارته بمشاعره،
فحاول الوصول إلى رقم تليفونها.
وبالفعل حصل عليه، وبدأ يتحدث
معها، مؤكدا أنه حسن النية، ولا يريد سوى
الزواج منها.. وقد استمرت علاقتهما عبر
الهاتف عدة شهور حتى تقدم شاب "جاهز"
للزواج من حبيبته في الوقت الذي لم يكن
مؤهلا فيه للزواج، وكانت صدمته أن وافقت
الفتاة وأسرتها على الشاب، وهو ما سبب له
ألما نفسيا في البداية، حتى وجد نفسه
ينسى الأمر كلية بعد أيام قليلة، بل يضحك
على محاولته لإقناع نفسه بتجربة حب "على
الخط".
غير أن منصور سعيد -ضابط متقاعد
بالقوات المسلحة، وصاحب مقهى إنترنت، 58
عاما– يختلف مع الرأي السابق، مشيرا إلى
أن وسائل الاتصال أفادت المحبين
المخلصين كثيرا من خلال أنها أصبحت
المنفذ الوحيد لبعض الشباب والفتيات
اللاتي لا يستطعن البوح بحبهن في مواجهة
من يحبونه، فاتخذوا المحمول والنت منفذا
طبيعيا ليعيشوا خلاله قصة حب جميلة.
غير أنه يعود ويحذر من مغبة
الإغراق في صناعة علاقات الحب بهذه
الطريقة؛ لأنه من امتلاكه لمقهى إنترنت
وجد أن أغلب كلام الشباب والفتيات كذب في
كذب، وأن معظم الشباب والفتيات
يستخدمونه للتنفيس عن مشاعر مكبوتة
بداخلهم، قد تكون أي شيء غير الحب.
ويحكي هيثم حسين –طبيب بشري، 31
عاما- قصة لا يزال يعيش فصولها، قائلا:
أنا طبيب أعمل في مستشفى بإحدى محافظات
الدلتا، ولي صديق عنده مقهى إنترنت، وكنت
أتردد عليه كثيرا، فأجده يتحدث أمامي مع
بنت على الشات، ويحكي لها عن حبه ورغبته
في الارتباط بها.
وبمرور الوقت انقطعت علاقتهما،
وكأن شيئا لم يحدث، بل إن صديقي أعطاني
بريدها الإلكتروني حتى "أتسلى"
معها، وبالفعل بدأت في محادثتها، وهي لا
تعرف بالطبع من أكون، ومع الوقت نمت
مشاعر الحب الحقيقية بيننا، وبدأنا
نلتقي، قبل أن أصارحها بأنني صديق الشخص
الذي كانت تعرفه.
ويضيف: لدي الآن مشكلتين أحاول
حلهما لكن دون جدوى، الأولى تتعلق بأهلي
وكيفية مصارحتهم بأنني تعرفت عليها من
خلال الإنترنت، والثانية كمية الهواجس
التي بدأت تخالط ذهني من أنها كانت تعرف
صديقي وتستلطفه، وربما تكرر هذه الفعلة
بعد الزواج.
حب تحت الطلب
أما رشا البصيري – محررة بموقع
إلكتروني –27عاما- فتعتبر أن مجرد
استخدام الغزل الهاتفي المتحرك هو "أيسر
طريقة للخداع"، ولا يمكن أن تصلح لنقل
المشاعر؛ لأن الحب إحساس، وليس شفرات
وذبذبات.
وتوضح: ما يحدث من علاقات
بالمحمول لا يتعدى أن يكون تضييعا للوقت،
فقد يتحدث معك الطرف الآخر ويسمعك مئات
الكلمات عن الحب والغرام، وهو يمثل عليك،
وقد تكون بجواره مجموعة من الأصدقاء، وقد
تأتيك قهقهاتهم عبر الهاتف.. أي أنه حب
على المشاع، أما حينما يحب الإنسان
بقلبه، فإن الحب يظل داخله حتى إن ابتعد
عنه حبيبه.
وتسرد رشا تجربتها الشخصية عبر
المحمول ورسائل الفضائيات مع أحد
الأشخاص الذين كانت تكن لهم مشاعر خاصة،
وما إن بدأت في الذوبان تماما في هذه
التجربة حتى اختفى ذلك الشخص من حياتها
دون سابق إنذار، وأغلق هاتفه المحمول
للأبد، وفيما تعتبره هي حبها الوحيد، تثق
في أنه كان يمثل عليها دور الحبيب في كل
اتصالاته.
هوس التقنية
الدكتور حسام القاضي –أستاذ
الطب النفسي بكلية الطب– جامعة جنوب
الوادي، يقول: إن الحب عبارة عن مشاعر
نبيلة تداعب وجدان الشاب والفتاة، وتسبب
ميله للآخر إلا أن المشكلة في الحب
الإلكتروني أن التطور الذي قدمته وسائل
الاتصال، وخصوصا الهاتف المحمول، من
خدمـات تبـدو هجوما على مجتمعاتنا
الشرقية؛ لأنها جاءت لتقضي على ما بقي
فيها من عادات اجتماعية كاللقاءات
والزيارات والحفلات.
ويحذر الدكتور القاضي من هوَس
الشباب والمراهقين باستعراضات
الموبايل، واستعمالها بشكل سيئ في
الترويج لمشاعر الحب، بما يدفع في اتجاه
تسطيح تلك المشاعر.
أما الدكتور أحمد شوقي العقباوي
–أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، وأحد
المهتمين بالكتابة في هذا المجال_ فيرى
أن شيوع الحب بالمحمول وعبر الإنترنت لا
يمكن أن يؤدي لاعتماده كأساس لبناء علاقة
أسرية ناجحة؛ ذلك لأن استعمال
التكنولوجيا في حوار الحب ينطوي علي كذب
وتدليس.. خاصة الشاب الذي كثيرا ما يكذب
ويبرهن لمحبوبته بأنه قادر على فعل أمور
خارقة، وأنه يحبها ولا يستطيع الاستغناء
عنها، وهو في حقيقة الأمر لا يحبها ولكنه
يحاول "التسلية" فقط، وبقدر ما
تعطيه الفتاة من تنازلات، بقدر ما يكون
هروبه سريعا لأنه يخشى المواجهة.
ويضيف: إن حب النت والمحمول
كثيرا ما يخرج عن نطاق الحب الشريف إلى
الألفاظ الجارحة التي "تدغدغ" مشاعر
المراهقات أو العوانس، فتنجرف في الكلام
غير عابئة بتقاليد أو قيم، ولذلك فما جرى
للمجتمع في السنوات القليلة الماضية من
تطور تكنولوجي كان له تأثير سلبي على
المشاعر.
ويختتم الدكتور العقباوي حديثه
بالتأكيد على ضرورة أن تنتبه الفتيات
للكلام المعسول الذي تنطق به شفاه الشباب
عن الحب، وأنه يتمنى الارتباط بها؛ لأنه
لو كان محقا في كلامه فلماذا لا يدخل
البيت من بابه؟.
أما الدكتور إبراهيم غانم –رئيس
وحدة الرأي العام بالمركز القومي المصري
للبحوث الجنائية والاجتماعية_ فيشدد على
أن رغبة الشباب في التعارف وإنشاء علاقات
حب بعيدة عن أعين الأهل، خاصة في فترة
المراهقة، تضطرهم للجوء إلى عالم
التكنولوجيا الذي يواصل غزوه للعقول
البشرية، بل يمتد لمشاعرهم.. فوجدنا أن
شركات المحمول مثلا تدغدغ مشاعر الشباب
بإيجاد أكثر من نموذج لحساب المكالمات،
وذلك بغرض زيادة مبيعاتها حتى وصل عدد
مستخدمي المحمول في مصر إلى ما يفوق الــ20
مليون نسمة.
ويركز الدكتور غانم على أن
استخدام التكنولوجيا في التعبير عن
مشاعر الحب ليس عيبا، إنما العيب هو
استغلال مراهقة البنات تحديدا في تغذية
مشاعرهن والضحك عليهن تحت اسم الحب، خاصة
أن فترة المراهقة تنجذب فيها البنت
للآخر، وتحب سماع كلمات الإطراء منه في
ظل رغبتها في أن تكون مطلوبة.. ومن ثم فهي
مستعدة نفسيا وعاطفيا لسماع مثل هذه
الكلمات.
بالإضافة لما سبق نجد أن الدور
الرقابي للأسرة -وخاصة الأم- يوشك على
الاختفاء الكامل، حتى غابت الأم
الصديقة، وغابت معها سبل الرقابة
الرشيدة.
|