|
الحديث عن مشاعر الحب الأول
ومصيرها، هو حديث السهل الممتنع، فعندما
كنت أتجاذب الكلام حوله مع عدد من
الأصدقاء، جذبني تساؤل أحدهم حول مدى
إمكانية تعايش قصص الحب الأول الفاشلة
داخلنا مع الزواج أو أية قصص لاحقة، دون
أن تفشلها؟!
أولا للجملة شقان:
الشق الأول: هو التساؤل هل تعيش
قصص الحب داخلنا حتى بعد الزواج أو ظهور
قصص أخرى؟
أما الشق الثاني فهو: هل تصبح
سببا للفشل أم أنها لا تؤثر إطلاقا على ما
استجد من مشاعر وعلاقات؟
مشاعر نعم.. حب لا
رغم قوة المشاعر الأولى إلا
أنها لا يمكن أن تصنف حبا، على الأقل في
نظري.. وأذكر أنى شخصيا بدأت أبحث عن شخص
لأحبه منذ التاسعة أو العاشرة من عمري..
ربما لبكور مرحلة البلوغ لدي، فكنت أتأمل
كل من أرى من الصبيان الذين كنت أعتبرهم
رجالا لمجرد أنهم يسبقوني بسنة أو سنوات
لا تتعدى الثلاث أو الأربع.
إذن فالبحث ينشأ من الداخل من
دافع فطري خلقه الله بداخلنا نتشارك فيه
مع كل الكائنات المتحركة، ولم أقل
الحيوانات حتى لا يغضب أحد.
وهو دافع قوي جدا تخلقه
الهرمونات الأنثوية أو الذكورية، والتي
من الطبيعي أن تحث صاحبها على البحث عن
الشريك، ولكن ما دمنا أصحاب عقول، وأكثر
من ذلك كمربين وأهالي، أي أننا كبشر يحكم
التعقل تصرفاتنا وأفعالنا، كما يتحكم
فيها أيضا الأهل والمدرس والمجتمع
والبيئة، وكل شيء، وعلى ذلك يكون لدينا
نوع من الرقابة أو الضبط على المشاعر.
فلم نر حتى الآن –ربما نرى في
المستقبل مع كل هذا التحرر والمطالبة
باحترام العواطف وتحريرها من القيود-
فتاة بعد البلوغ تتمحك في شاب لأنها في
مرحلة تبويض ومن الطبيعي أن يحدث إخصاب..
كما هي كلمة "طالْبة" بتسكين اللام،
والتي أصبح يستعملها الشباب بلا أي تقدير
لمعناها الخارج الدارج، وهي كلمة يطلقها
مربي المواشي على حيواناتهم حين يصدر
عنها صوت معين يعرفونه جيدا.. فيتأكدون من
أنها تطلب المعاشرة فيأتون لها بالثور أو
بالحمار أو أيا كان مذكرها.
أقول لم نر هذا يحدث حتى الآن
لأننا كائنات تعقل وتتعلم، ولكن هذه
القوة في الشعور هي التي تدفع هذه
البراعم الصغيرة دفعا إلى الحب الأول،
إذا شئنا أن نسميه هكذا، أو إلى العاطفة
الأولى تجاه الجنس الآخر.. وهي عاطفة بلا
أي تفكير.
"نسخة قديمة من الحب"
في الماضي كان يقع الاختيار على
ابن العم أو بنت الخالة لأنهم ببساطة
كانوا الشخص المختلف الوحيد المتاح، فلم
يكن هناك اختلاط في أي مكان سوى في
الأسرة، وكان المجتمع منغلقا على
مصراعيه.
أما الآن فإذا سألت أحد مراهقي
الشات والإنترنت عن ابنة عمه او ابن
خالها فنسبة كبيرة جدا منهم ستهز رأسها
متعجبة: هل معقول أن أي عاقل يتصور أن
تقوم بينهم مشاعر غير الأخوة الصرفة؟!
فبعد عهود من التطور قفزت
شخصيات محورية أخرى إلى بؤرة الحب الأول
مزيحة جانبا أقارب الدرجة الأولى
والعاشرة، حتى ظهر ابن الجيران.
صبحها الله بالخير الفنانة
شادية حين قالت له بالفم المليان:
مين قالك تسكن في حارتنا
تشغلنا وتقل راحتنا.
كما ظهر صديق الأخ وأخو
الصديقة، فكانت تلك نوعية أخرى من
الاختلاط المتطور الذي طرأ على المجتمع
بعد أن بدأ يكسر قيود الشبابيك المغلقة
والمواصلات المنفصلة والزيارات
العائلية.
فأصبحت البنات تخرج إلى "البلكونة"
لتستنشق الهواء وتتفرج على المارة،
وكذلك يفعل الشباب، وصارت البنت تذهب
لزيارة زميلتها أو صديقتها لتستعير
كتابا غالبا وضع أخوها –أخو الزميلة-
بداخله خطابا أو ورقة صغيرة بموعد، وهكذا.
ونذكر بالخير في هذا الموقف
ليلى مراد حين قالت: الدنيا بكرة من بعد
خمسة اللحظة منها حتساوي خمسة، فيرد
الكورس: فيه إيه حيجرى الساعة خمسة؟
فتقول: حقابله بكرة الساعة خمسة.
وأذكر أن إحدى المجلات القديمة
التي تعود إلى الخمسينات لست متأكدة إذا
كانت مجلة الجيل أو مسامرات الجيب، وتحت
باب تعريفات ضاحكة، اعتبرت: المنحرف
الأول في نظر الأمهات هو ابن الجيران.
طبعا انطلقت الحريات أكثر وأكثر
وظهر حب الجامعة الأول والأخير لجيل كامل
من منتصف الخمسينات إلى بداية
السبعينات، وأقول الأول والأخير لأنه
ساد كما رأيت ببصيرتي المحدودة في هذه
الفترة نمط الزواج بين الزملاء، أي زواج
زملاء الدراسة والرغبة الملحة في الكفاح
المشترك وبناء البيت "طوبة طوبة"،
وربما يذكر البعض أغنية الثلاثي المرح
هنا مقص وهنا مقص والتي يقلن فيها: عش
اتنين فى شجراية وكنبة وقلة وكوباية، أو
حتى الكلمة التي هزت البرنس شوكت في
الأيدي الناعمة:
إحنا بيتنا حيكون طوبة فضة
وطوبة دهب.. الطوبة الفضة كفاحنا
ومجهودنا والطوبة الدهب حبنا.
ما علينا، المهم ثم وصلنا إلى
مرحلة أنه أي شخص ممكن أن يكون الحب الأول
لأن وجوده في حياة الناس في مرحلة معينة
مطلب أقوى من العقل والمنطق.
ويبقى السؤال..
ولكن هل يمكن أن تتعايش قصص الحب
الأول الفاشلة داخلنا مع الزواج أو قصص
لاحقة دون أن تفشلها؟!
أحيانا تستمر هذه العلاقة (الأولى)
وتنتهي بزواج رغم سذاجة البداية، وطفولة
المشاعر حين تظهر في بيئة كانت حتما
ستخلق المشاعر لاحقا.. وهذه النتيجة "الجميلة
القاتلة" هي أحد أكبر أسباب الرغبة
الشديدة في هذه المشاعر أو أحد عوامل
مقاومة العقل والمنطق فيها.
فرؤية تجربة ناجحة وتشدق
أصحابها بها، مع أنها عادة تكون تجربة
ذات طابع خاص جدا وجدت لتعيش، هو ما يجعل
أي حديث إلى محب أو عاشقة صغيرة درب من
القسوة وبلادة الإحساس.
لأن هذه القصص الأولى غالبا لا
تستمر، وتختلف نهاياتها عن بعضها البعض
كثيرا، فمن نضج يدفع أحد الأطراف إلى
إنهائها من طرف واحد، أو من كلا الطرفين
في لحظة تعقل، إلى آلام الهجر، إلى سكين
الخيانة حين يكتفي أحدهما بالفكرة،
ويبحث عن فكرة ومشاعر أخرى، إلى ما نراه
حاليا من مصائب و"بلاوى"؛ حمل،
وترقيع غشاء بكارة، وإجهاض، وزواج عرفي
أو سري.
ولكنى أقول إنها تعيش داخلنا،
فللأوائل دائما علامة على الأرض البكر
والصفحة البيضاء، واللبن الصافي أول خط
يترك فيه أكبر أثر، وأول موعد عاطفي تظل
رعشته في داخلنا، أول شعور قلق وسعادة
وحنين له مذاق آخر، فهل تفشل تلك المشاعر
التي باتت في طي الماضي علاقاتنا
اللاحقة؟
أعتقد أن هذا يعتمد أساسا على كل
شخص على حدة، فإن ردود الأفعال تجاه
تعايش المشاعر مع العقل تختلف باختلاف
الشخصيات والثقافات والأنماط
الاجتماعية والأبعاد الفكرية.
وفي النهاية: هل نحن من اخترع
الحب؟ لا وألف لا، وهو ليس بخيال.. ولكن
المهم أن يكون حبًا فعلا.
فالحب وهج الحياة وبريق العمر،
أوجد الله في النفوس البشرية القدرة على
استيعابه والتعايش به ومعه، ونحن
أفسدناه بتدخلنا السافر فيه، وفلسفته،
وتحريره، ثم تجريده.
الحب كان وما زال وسيزال
موجودا، والعبرة بالقدرة على استيعابه
والتي لا يمكن أن تستمد إلا ممن خلقه
وأودعه في القلوب.
|