|
كتب
أبو إسحاق إلى بعض أصدقائه يقول: "ولو
حملت نفسي على الاستشفاع والسؤال، لضاق
علي فيه المرتكض والمجال، لأن الناس
عندنا -ما خلا الأعيان الشواذ الذين أنت
بحمد الله أولهم- طائفتان: مجاملة، ترى
أنها قد وفتك خيرها، إذا كفتك شرها،
وأجزلت لك رفدها، إذا أجنبتك كيدها.
ومكاشفة، تنزو إلى القبيح، نزو
الجنادب، أو تدب، دبيب العقارب، فإن
عوتبوا، حسروا قناع الشقاق، وإن
غولظوا، تلثموا بلثام النفاق".
وقال
في رسالة قوس البندق:
"أقبلت
رفقة [من] الرماة، قد برزت قبل الذرور
والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق،
متقلدين خرائط، شاكلت السيوف بحمائلها
ونياطها، وناسبتها في آثارها ونكايتها،
تحمل من البندق الموزون المفتول
الملمون، ما هو في الصحة والاستدارة
كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط في الجهر،
فجاء كفتات الفهر، وقد اختير طينه،
وأحكم عجينه، فهو كالكافور المصاعد في
اللمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر، في
المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه،
مجلوب من أطيب معادنه، كافل بأكف
حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام
الحمام، متناول لها من أبعد المرام،
يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم
وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة
بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر
ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها،
والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا
جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك
الملاحف، ورأيت منها مناظر معجبة
أنيقة، وقدودا مخطفة رشيقة، صليبة
المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت
والمناجم، خطية الانتماء والمناسب
سمهرية الاعتزاء والمناصب، تركبت من
شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال
الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها،
واحتوت عليه بكلتا يديها، وقد تحنت تحني
المشيخة النساك، وصالت صيال الفتية
الفتاك، طواهرها صفر وارسة، ودواخلها
سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت على
متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو
زعفرانا جرى في مناكبها، أو غالية جمدت
على ترائبها، أو هي قضبان فضة ذهب شطرها
وأحرق الشطر، أو حيات رمل اعتنق السود
منها الصفر، فلما توسطوا تلك الروضة،
وانتشرت على أكناف تلك الغيضة، وثبتت
للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم،
أوتروها بكل وتر [فوق سهمه منه وهو مفارق
للسهم وخارج عنه] مضاعف عليها من وترين،
كأنه رمح ذو جسدين، أو عناق ضم مجتمعين،
في وسطه [عين] كشرجة كيس مختوم، أو سرة
بطن خميص مهضوم، محولة عن المحاذاة،
مزورة عن الموازاة، كأنها متحاذر ينظر
شزرا، أو مصغ يستمع سرا، تروع قلوب
الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع
الأغراض، فلم يزل القوم يرمون ويضيبون،
وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق
خرائطهم، وامتلأت من الصيد حقائبهم،
فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن
آباء لها وأمهات استجابوها فأطاعت، وقد
انقادت نوافرها صغرا، واقتسرت أدانيها
قسرا، وكسرت أجنحتها وجأجيها، واستطارت
في الجو قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين
عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيض وحضر
فرأيت كبشا متقادم الميلاد، من نتاج قوم
عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه
العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين
حملهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس
الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن
القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته،
وعاد ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادي
السقام، عاري العظام، جامعا للمعايب،
مشتملا على المثالب، يعجب العاقل من
حلول الحياة به، وتأتي الحركة له، لأنه
عظم مجلد، وصوف ملبد، ولا تجد فوق عظامه
سلبا، ولا تلقى يدك منه غلا خشبا، لو
ألقي إلى السبع لأباه، ولو طرح للذئب
لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد
بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائما،
ولا عرف الشعير إلا حالما.
وقد
خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غناء
الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الأهل.
فملت إلى استبقائه لما تعرفه عني من
رغبتي في التوفير، ومحبتي للتثمير،
وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه
مستمتعا لبقاء، ولا مدفعا لفناء، لأنه
ليس بأنثى تحمل، ولا بفتى ينسل، ولا
بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى، فملت إلى
الثاني من رأيك، وعملت على الآخر من
قولك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال،
وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدني
وقد أضرمت النار، وشمر الجزار، وحدت
الشفار [قول أبي الطيب]:
أعيذها
نظرات منك صـادقة ** أن تحسب الشحم فيمن
شحمه ورم
وقال:
ما الفائدة لك من ذبحي وأنا لم يبق إلا
نفس خافت ومقلة إنسانها باهت، لست بذي
لحم لأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل
لحمي، ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام
قد مزقت أديمي، ولا صوفي يصلح للغزل لأن
الحوادث قد حصت وبري، فإن أردتني
للوقود، فكف حطب أبقى من ناري، ولن تفي
حرارة جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن
تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم..
فوجدته
صادقا في مقالته، ناصحا في مشورتهن ولم
أعلم من أي أمريه أعجب، أمن مماطلته
الدهر بالبقاء، أم صبره على الضر
والبلاء! أم قدرتك عليه مع إعواز مثله!
أم تأهيلك الصديق مثله مع خساسة قدره!
ويا ليت شعري إذا كنت والي سوق الغنم،
وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش
سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك،
تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت
هديتك هذا [النذر] الذي كأنه ناشر
القبور، أو قائم عند النفخ في الصور،
فما كنت مهديا لو كنت رجلا من عرض
الكتاب؟!.. كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت
تهدي إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب،
والسلام.
|