بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أدباء

ثورات وحركات | دول وممالك | شخصيات | كتب ومطبوعات | مؤسسات | مذاهب ونحل | معارك وغزوات | معاهدات ومؤتمرات | فنون وعمارة


"الصابئ".. يصوم رمضان

(في ذكرى وفاته: 12 من شوال 384هـ)

محمد المشطاوي**

كان العصر العباسي نموذجا فريدا لتعايش المسلمين مع غيرهم من الملل الأخرى، وكانت الثقافة الإسلامية من القوة بحيث ذاب فيها غير المسلمين، ولم تكن هذه الثقافة طاردة بل كانت هاضمة لجهود هؤلاء وهؤلاء، مقدّرة لهم جهدهم، معلية قيمة العمل في حد ذاته، بعيدا عن مذهب صاحبه أو نحلته أو عرقه.

ولم يقتصر الأمر على الذوبان في الثقافة الإسلامية فحسب، بل تعدى الأمر إلى أركان العقيدة الإسلامية، فقد رأينا في هذه الفترة الكثير جدا ممن يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ورأينا من يدعو إلى فوائد بعض العبادات الإسلامية كالصيام، بل يصوم مع المسلمين في شهر رمضان، وكان منهم أبو إسحاق الصابئ.

المولد والنشأة

ولد أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن زَهْرُون الصابئ في بغداد سنة (313هـ= 925م) لأسرة اشتهرت بالطب والأدب، وتوارثته، وعُرف عنها قربها من الحكام وصانعي القرار، فجده إبراهيم بن زهرون كان طبيبا مشهورا، مات سنة (309 هـ= 921م)، وكان أبوه أبو الحسن هلال بن إبراهيم بن زهرون وعمه ثابت بن إبراهيم بن زهرون طبيبين مشهورين أيضا.

ولم يقتصر هذا الاشتهار والنبوغ في الطب على أسرة أبي إسحاق من ناحية آبائه، بل إن خاله أيضا كان طبيبا ذائع الصيت، وهو ثابت بن قرة.

وكما كان الآباء والأخوال في الطب بارعين مشهورين فإن الأبناء والأحفاد لم يعدموا هذا النبوغ والتفرد، فابنه المحسّن كان أديبا وكان يلقب بصاحب الشامة، وحفيده هلال بن المحسن بن إبراهيم الذي ولد سنة (359هـ= 970م)، وتوفي سنة (448هـ= 1056م) كان من أشهر الأدباء والمؤلفين في عصره، وله العديد من المؤلفات منها: تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء، وغرر البلاغة في الرسائل، وكتاب بغداد، كما كان طبيبا مشهورا أيضا، وحفيده هذا أسلم وترك دين الصابئة.

في ميدان السياسة

ذاع صيت أبي إسحاق ومهارته وكفاءته في ميدان الرسائل، فعمل في بلاط الخلفاء العباسيين في عهد الخليفتين المطيع لله والطائع لله، وفي بلاط البويهيين، في أثناء الفترة الأخيرة لحكم معز الدولة، وعمل مع ابنه عز الدولة بختيار، وكان قربه منه سببا في سجنه على يد عضد الدولة سنة (367هـ= 978م)، وذلك بعد أن تملّك بغداد، وقتل ابن عمه عز الدولة بختيار.

وكان أبو إسحاق ساعتها متوليا لديوان الرسائل ومستخلفا على الوزارة من قبل الوزير المهلبي الذي تولى الوزارة لمعز الدولة بعد أبي جعفر أحمد الصيمري وعرف بكفايته وحسن اضطلاعه بالأمور وتقريبه لأهل العلم وكشف الظلم عن المظلومين، وكان المهلبي قد ذهب لقتال حاكم عمان ومات هناك.

تدخل الحكماء والوسطاء فشفعوا لأبي إسحاق، فوافق عضد الدولة على أن يفك أسر أبي إسحاق بشرط أن يؤلف كتابا في تاريخ بني بويه، فوافق أبو إسحاق وأخذ في تأليف كتاب التاجي في تاريخ بني بويه، إلا أن وشاية بلغت عضد الجولة عنه فهم بقتله ولكنه لم يفعل، وظل الرجل حبيسا إلى أن أطلق سراحه في سنة (371هـ= 981م) وكان معه في فترة سجنه ولداه، وظل يستعطف في أن يفكهما عضد الدولة ويكتب في ذلك الرسائل شعرا ونثرا.

ظل أبو إسحاق بعد أن أطلق من محبسه بعيدا عن بني بويه، بعيدا عن السياسة إلى أن توفي، إلا أنه كان مهتما بكتبه التي منها: كتاب رسائله، وكتاب التاجي السابق ذكره، وكتاب في أخبار أهله، وآخر في اختيار شعر أبي محمد المهلبي، وترك أيضا ديوان شعر.

أديب لا طبيب

كان والد أبي إسحاق في بداية حياته يدفعه إلى تعلم الطب ووراثة مهنة العائلة، وينهاه عن كل ما يلهيه عما يريده له، وقوي الابن وبرع فيما أراده له الوالد، إلا أنه كان في نفس الوقت شغوفا بالأدب، ميالا إليه، بالرغم من أن والده جعل له مبلغا كبيرا عن كل شهر يقضيه في البيمارستان، وهو عشرون دينارا، وهو مبلغ (مرتب) كبير في ذلك العصر.

إلا أن أبا إسحاق كما يقول هو عن نفسه: "كاره للطب، ومائل إلى قراءة كتب الأدب كاللغة والشعر والنحو والرسائل، وكان إذا أحس بهذا مني يعاتبني عليه وينهاني عنه ويقول: يا بني لا تعدل عن صناعة أسلافك". وغلبت الأقدار على ما يريده والده؛ إذ جاء لوالده كتاب من بعض وزراء خراسان، يتضمن أشياء كثيرة كلفه بها صاحب الرسالة، وسؤالات عديدة في الطب وغيره، وكان هذا الكتاب طويلا بليغا، قد تأنق منشئه وأغرب في ألفاظه.

أجاب ابن زهرون عن تلك المسائل وعمل جملا لما يريده، وبعث ابنه أبا إسحاق بهذا الكتاب إلى كاتب لم يكن في ذلك العصر أبلغ منه، ليحرر له الجواب عن الخطاب، وبدلا من أن يذهب أبو إسحاق إلى الكاتب الذي بعثه إليه أبوه، حرر هو الجواب وجوده، وجاء به أباه فلما قرأه قال: يا بني سبحان الله ما أفضل هذا الرجل وأبلغه، فقال له أبو إسحاق إن هذا الكتاب من إنشائه، فكاد أبوه يطير فرحا وضمه إليه وقبل بين عينيه، وأذن له في ممارسة الأدب والكتابة، وهكذا تفرغ أبو إسحاق للأدب وترك الطب الذي تعلمه وأرداه له أبوه.

الوزارة برسالة

أما قصة توليه ديوان الإنشاء فلم تقل غرابة عما كان منه في تركه الطب وعكوفه على الأدب، يحكي هو أنه كان في مجلس محمد المهلبي وكان به أبو الفضل العباس بن الحسين، وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن، وأبو علي الحسين بن محمد الأنباري، وأبو الفرج بن أبي هشام، وبعض خلصاء المهلبي وكُتّابه، وقد آنس الجميع وانتشوا، فقدم على المهلبي كتاب مهم من معز الدولة البويهي يأمره فيه أن يخطب فيه ابنة صاحب كرمان محمد بن إلياس لابنه عز الدولة بختيار.

قال المهلبي لمن حوله حينما جاءه كتاب معز الدولة: هذا كتاب يحتاج إلى تأمل وتثبّت، وما في الكُتّاب من فيه مع النشوة عقل له، ثم التفت إلى أبي علي الأنباري فقال له تتمكن يا أبا علي من كتابته فقال أما الليلة وعلى مثل هذه الحالة والصورة فلا، وحينما رأى المهلبي أبا إسحاق مصغيا للحديث قال له : تكتبه يا أبا إسحاق؟ فقال أبو إسحاق: نعم، فكتب أبو إسحاق الكتاب على مرأى ممن في المجلس ، وحينما انتهى منه أعطاه المهلبي فوقف عليه وتهلل وجهه في أثناء قراءته، وأعطاه إلى أبي علي بن الأنباري ثم قال للقاعدين: هذا كتاب حسن دال على الكفاية المبرزة.

ومن ساعتها قدمه المهلبي من مجلسه وأدناه منه بل قال لحاجبه بأن تقدم دابة أبي إسحاق إلى حيث تقدم دواب خلصائي ويوفى من الإكبار والإكرام ما يوفونه، فعامله الجميع بعد ذلك معاملة الند والمثيل، ثم قلده دواوين الرسائل والمظالم والمعاون تقليدا سلطانيا سنة (349هـ= 960م)، وكتب بذلك إلى نواحي الدولة.

صداقاته ومراسلاته

لم يكن اختلاف الدين والملة عائقا عن التواصل والصداقة بين أبي إسحاق ومشتهري عصره؛ بل كانوا يقدرون فيه علمه، ويحفظون له قدره ومنزلته، فمما اشتهر عنه صداقته الحميمة مع الشريف الرضي على ما بين الاثنين من فارق عمري؛ إذ كان الصابئ يكبر الشريف الرضي في السن كثيرا، وقد كانت بينهما مراسلات عديدة سواء أكانت شعرا أم نثرا، وكان الصابئ دائما ما يهنئ الشريف بالمناسبات الدينية، وكان الشريف يرد على تهنئته بأحسن منها، بل إن الشريف رثاه عند موته، ولما عوتب على رثائه له وهو الصابئي قال: إنما رثيت فضله.

وكان بينه وبين الصاحب بن عباد مراسلات ومواصلات ومتاحفات "مع اختلاف الملل وتباين النحل، وإنما كان ينظمهم سلك الأدب، مع تبدد الدين، والنسب". وكان الصاحب يحبه أشد الحب، ويتعصب له، ويتعاهده على بعد الدار بالمنح، وكثيرا ما كان الصاحب يقول: كُتاب الدنيا وبلغاء العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق الصابئ، ولو شئت لذكرتُ الرابع، يعني نفسه.

ولم تقتصر مصادقاته على هذين بل إن الرجل راسل المتنبي طالبا منه أن يمدحه بقصيدتين ويعطيه خمسة آلاف درهم، فبعث له المتنبي قائلا: "والله ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك ولا أوجب عليّ في هذه البلاد أحد من الحق ما أوجبت، وإن أنا مدحتك تنكّر لك الوزير (يعني أبا محمد المهلبي) وتغير عليك؛ لأنني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذه الحال فأنا أجيبك إلى ما التمست، وما أريد منك منالا ولا عن شعري عوضا"، فتنبه أبو إسحاق إلى ما أشار إليه المتنبي، فلم يعاود طلبه.

صومه رمضان

وفي جو من التسامح السائد في ذلك العصر بين أصحاب الملل والنحل، نشأ أبو إسحاق متشددا في دينه الصابئي، وحينما كان في خدمة عز الدولة بختيار عزم عليه كثيرا أن يترك دينه ويسلم ويوليه الوزارة فلم يقبل أبو إسحاق.

وبالرغم من تمسكه بدينه فقد كان يعرف للمسلمين فضلهم وفضل عقائدهم وكان عفيفا معهم، بل كان يصوم شهر رمضان مع المسلمين كأنه فرد منهم؛ توددا إليهم وحسن عشرة معهم ومعرفة بفوائد الصيام، بل كان يدافع عن هذه الشعيرة، ويكفيه أداؤه لها دفاعا.

وكان أبو إسحاق يحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ، ويستعمله في رسائله، ويدور القرآن على طرف لسانه دائما، وكان متأثرا بأسلوبه أشد التأثير.

من شعره

ولم يكن أبو إسحاق شهيرا فقط بالكتابة النثرية وبرسائله التي اشتاق إليها حتى الشعراء: 

أصبحتُ مشتاقا حليفَ صبابةٍ

**

برسائلِ الصابي أبي إسحاقِ

صوبُ البلاغةِ والحلاوةِ والحِجى

**

ذوبُ البراعةِ سلوةُ العشاقِ

طورا كما رقَّ النسيمُ وتارةً

**

يحكي لنا الأطواقَ في الأعناقِ

لا يبلغُ البلغاءُ شأوَ مبرَّزٍ

**

كُتبتْ بدائعُهُ على الأحْداقِ

بل كان للرجل أشعارٌ جيدة، فمن ذلك قوله: 

حذّرتُ قلبي أنْ يعودَ إلى الهوى

**

لمّا تبدّل بالنِزاع نزوعا

فأجابني: لا تخش مني بعدما

**

أفلتُّ من شرَك الغرَام وقوعا

حتى إذا داعٍ دعاه إلى الهوى

**

أصغى إليه سامعا ومطيعا

كذُبالةٍ أخمدتَها فإذا دنا

**

منها الضِرَام تعلّقته سريعا

ومن شعره أيضا: 

كلُّ الورى من مسلمٍ ومعَاهدٍ

**

للدين منه فيك أعدلُ شاهدِ

فإذا رآك المسلمون تيقّنوا

**

حورَ الجِنان لدى النعيمِ الخالدِ

وإذا رأى منك النصارى ظبيةً

**

تعطو ببدرٍ فوق غصن مائدِ

أثنوا على تثليثهم واستشهدوا

**

بك إذ جمعتَ ثلاثةً في واحد

وإذا اليهودُ رأوا جبينَك لامعا

**

قالوا لدافع دينهم والجاحدِ

هذا سنا الرحمنِ حين أبانه

**

لكليمِه موسى النبي العابدِ

ويرى المجوسُ ضياءَ وجهك فوقَه

**

مسودَّ فرْعٍ كالظلام الراكدِ

فتقومُ بين ظلامِ ذاكَ ونورِ ذا

**

حُججٌ أعدّوها لكل معانِد

أصبحتَ شمسهمُ فكم لك فيهمُ

**

من راكعٍ عندَ الظلامِ وساجدِ

والصابئون يرون أنّك فردةً

**

في الحسن إقرارا لفرْد ماجدِ

كالزهرة الزهراء أنت لديهمُ

**

مسعودةً بالمشتري وعُطاردِ

فعلى يديكَ جميعُهم مستبصِرٌ

**

في الدين من غاويِ السبيلِ وراشدِ

أصلحتهم وقتلْتَنِي فتركتني

 **

من بينهم أسعى بدينٍ فاسدِ

وفاته

وبعد حياة حافلة في السياسة والأدب توفي أبو إسحاق الصابئ في (12 من شوال 384هـ= 25 من أكتوبر 994م) ودفن ببغداد التي شهدت مولده ونبوغه وكانت مستقره الأخير.

اقرأ أيضًا :

من المراجع والمصادر:

- الأعلام: الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة.

- شذرات الذهب: ابن العماد الحنبلي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الثانية، 1406هـ.

- عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ابن أبي أصيبعة، دار مكتبة الحياة، بيروت.

- نور الطرف ونور الظرف: أبو إسحاق القيرواني، تحقيق: لينا عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع.

- هدية العارفين: الباباني، دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان.

- الوافي بالوفيات: الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، 1420هـ= 2000م.

- وفيات الأعيان: ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، (1398هـ= 1978م).


** محرر حدث في العام الهجري


المحرم . صفر . ربيع الأول . ربيع الآخر . جمادى الأولى . جمادى الآخرة . رجب . شعبان . رمضان . شوال . ذو القعدة  . ذو الحجة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع