|
كان
الأجانب إبان القرن الثالث عشر = التاسع
عشر الميلادي يمثلون العمود الفقري
للرأسمالية المصرية، سواء كانوا من
البيوت المالية الأوربية أو اليهود
المنحدرين من أصول أجنبية، وكان النظام
المصرفي المصري خاضعا للملكية الأجنبية
تملكا وإدارة.. وغالبا ما وقع العديد من
المصريين ضحايا لألاعيب المصرفين
الأجانب، مما جعل الإقدام على دخول تلك
المصارف والاستفادة من خدماتها أمرا
مستحيلا.
وعلى
الرغم من التغييرات التي طرأت نهاية هذا
القرن بإنشاء البنك
الأهلي المصري عام (1315هـ=1898م)،
فإن إقبال الوجهاء والأعيان -وهم الطبقة
الأرستقراطية الزراعية- كان هو الغالب
في التعامل مع البنك، بينما ظلت جمهرة
المصريين لا تطأ أقدامها ذلك البنك أو
غيره من البنوك لأسباب عديدة، ليس أقلها
الخوف على المدخرات القليلة التي
ينجحون في توفيرها.
وقد
ترجم هذا العزوف إلى شكلين: الأول هو
الاحتفاظ بالأموال داخل البيوت
وإخفاؤها في مكان ما، وهو ما يعبر عنه
بالتعبير المصري الدارج "تحت البلاطة".
والشكل الثاني هو تحويل هذه المدخرات
إلى مصوغات ذهبية تضعها الزوجات في
أيديهن لوقت الحاجة.
وفي
خلال هذا الجو العام ظهرت فكرة إنشاء
صندوق للتوفير بمصلحة البريد المصري
يأمن فيه العامل والموظف والفلاح على
الفائض من إيراده؛ لاستغلاله وقت
الحاجة، وخاصة بعد ما اكتسبه نظام
البريد من رسوخ في التربة المصرية في
الريف والحضر من خلال تعاملات يومية مع
مكاتب البريد.
بل
ارتأت السلطات أن انتشار فروع ذلك
الصندوق قد يساعد كثيرا في استتباب
الأمن؛ حيث سيؤدي إلى قلة الجرائم
الناتجة عن سطو اللصوص على البيوت التي
يحتفظ أصحابها فيها بأموالهم.
دور
سابا باشا
حين
تولى "سابا باشا" إدارة "البوستة"
(البريد) المصرية في عام (1304هـ= 1887م) قام
بإرسال خطابات إلى جميع الإدارات
البريدية في العالم وإلى بعض المصارف
العالمية طالبا أن تطلعه على النظم
المتبعة في صندوق التوفير، وعلى
القوانين المتعلقة به، وكتب أيضا إلى
نظارة (وزارة) المالية المصرية وفي (رمضان
1305هـ= يونيو 1888م) خطابا مسهبا فصّل فيه
المشروع، ودلل على أهميته في إنماء ملكة
الادخار بين أفراد الشعب، فوضع مشروع
صندوق التوفير مستعينا في ذلك بما
أكتسبه من دراسة قوانين صندوق التوفير
في البلدان الأجنبية.
وكان
من أهم ملاحظات سابا باشا التي أوردها
في مشروعه أن بعض مسلمي الهند يودعون
أموالهم في صندوق التوفير ولا يقبلون
ربحا لأسباب دينية، فنص في مشروعه على
أن للمودعين حرية إيداع أموالهم بغير
ربح، كما رأى من باب التشجيع أيضا أن
يجعل من حق المودع أن يشترط استثمار
ودائعه في الأعمال المقبولة شرعا؛
فاستصدر في ذلك فتوى شرعية من المرحوم
الشيخ الأمام "محمد
عبده"
مفتي الديار المصرية في ذلك العهد، وكان
لهذه الفتوى أثرها العظيم في تشجيع
المسلمين على إيداع أموالهم بصندوق
التوفير.
وفي
(شوال 1318 هـ= فبراير 1901م) قام سابا باشا
بمقابلة "الخديوي عباس"، الذي
أظهر ارتياحا كبيرا لهذا المشروع،
وأبلغه أنه سيكون أول من يودع مالا في
هذا الصندوق تنشيطا للأهالي على هذا
العمل المفيد؛ وهو ما تم بالفعل حيث قام
بإيداع مبلغ في (ذي القعدة 1318 هـ= مارس
عام 1901م).
البداية
20 فرعا
كانت
بداية المشروع من خلال عشرين فرعا
افتتحت في القاهرة والإسكندرية ومدن
القناة الثلاثة، ثم زادت عشرين فرعا
أخرى في عواصم المديريات في الدلتا
والصعيد.
وكان
من شروط الصندوق ألا تقل الدفعة الأولى
من المال المدخر عن 200 مليم، وكل دفعة
بعدها لا تقل عن 50 مليما، وألا تزيد
إيداعات أي فرد عن 50 جنيها في السنة، وعن
200 جنيه في عدة سنوات، وألا يقل المبلغ
المسترد عن 50 مليما. وقد بلغت الفائدة
المضافة 2.5%، وتُختم تلك الشروط بطمأنة
المودعين بأن الحكومة المصرية تضمن رأس
المال وفوائده.
وعلى
الرغم من عدم الإقبال الشعبي الكافي على
الصندوق في السنوات الثلاثة الأولى من
عمره فإن القائمين على المشروع قاموا
بفتح المزيد من الفروع في مديريات
الدلتا والصعيد، ونظمت أعمال الصندوق
بعدة أوامر أصدرتها الحكومة تباعا،
ورفعت الفائدة المقررة من 2.5% إلى 3% عام
(1330هـ = 1912م) بغية جذب المزيد من المدخرات.
توسع
النشاط
إلا
أن أعمال صندوق التوفير لم تتطور تطورا
حقيقيا إلا بداية من عام (1331هـ = 1931م) حيث
نشطت مصلحة البريد للدعاية للصندوق بكل
ما تملك من وسائل وقرنت دعايتها بإدخال
تحسينات هامة باتباع نظام جديد في
التعامل مع الحسابات الجارية لرصد
عمليات السحب والإيداع، وكذلك رخصت
لثلاثة وسبعين مكتبا رئيسيا بمراجعة
دفاتر التوفير محليا دون الرجوع إلى
الإدارة العامة.. وكان أهم تلك
التسهيلات ما تم تنفيذه عام (1333هـ= 1933م)
من إلغاء الحد السنوي للإيداع، ورفع
الحد الأقصى للمبالغ الجائز إيداعها
للفرد من 200 جنيه إلى 500 جنيه.
كان
من نتاج هذا التطوير أن زاد عدد
المودعين زيادة كبيرة؛ حيث وصل في عام
1932 إلى 355.744 مودعا، بلغ رصيدهم 3.028.341
جنيها، بعد أن كان 6740 مودعا عام 1901 برصيد
47491 جنيها. وكانت هذه الأموال تستثمر في
الغالب في شراء سندات الدين المصري.
هيئة
مستقلة
وفي
عام (1373هـ= 1954م) صدر القانون رقم 86
باعتبار صندوق توفير البريد هيئة
مستقلة لها شخصية معنوية يديره مجلس
إدارة تُعرض عليه جميع شئون الصندوق،
وخاصة فيما يتعلق بإدارة أمواله وكيفية
استثمارها. ثم ألحق الصندوق في عام (1386هـ
= 1967م بهيئة البريد بالقرار الجمهوري
رقم 1583 الذي ألزم هيئة البريد بإيداع
حصيلة التوفير في صندوق الاستثمار وفقا
للقانون رقم 45 لسنة 1966 بإنشاء هذا
الصندوق.
البنك
وخطة الدولة
وتمثل
أموال المودعين بصندوق توفير البريد في
الوقت الحالي -بلغت في يونيو عام 2004 نحو
28.4 مليار جنيه، طبقا لبيانات البنك
المركزي المصري- ركيزة أساسية في تمويل
خطة الدولة؛ وهو ما حدا بإدارته الجديدة
إلى استحداث أنظمة وأساليب جديدة لجذب
المزيد من المدخرات سواء برفع وتحسين
مستوى الخدمة أو بمشاركة بعض البنوك
المصرية كبنك مصر في إنشاء دفتر توفير
حساب جار وعائد يومي، وبنك فيصل
الإسلامي لعمل دفتر استثمار إسلامي.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب وباحث مصري.
|