بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

شخصيات

ثورات وحركات | دول وممالك | شخصيات | كتب ومطبوعات | مؤسسات | مذاهب ونحل | معارك وغزوات | معاهدات ومؤتمرات | فنون وعمارة


حمزة فتح الله.. باكورة الكلام عن حقوق النسوان

(في ذكرى وفاته: 8 من جمادى الأولى 1336هـ)

أحمد تمام

وقف حمزة فتح الله في مؤتمر المستشرقين الذي عقد في أستوكهولم عاصمة السويد سنة (1306هـ=1889م) يلقي بحثا جديدا في موضوعه، كان بعنوان "باكورة الكلام على حقوق النساء في الإسلام" احتفل فيه بإبراز موقف الإسلام من المرأة على نحو قصد به إلى دفع ما يتوهمه كثير من الأوربيين عن النساء في شريعة الإسلام.

ومما عرضه في بحثه أن طلب العلم مشترك الوجوب بين الرجال والنساء، وأن تعليم النساء واجب عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة"، وبناء على هذا الأصل فقد برع كثير من النساء المسلمات على نحو يثير الدهشة، وقد خصهن بعض العلماء بالتأليف، مثلما فعل ابن عساكر حين خصص مجلدا كبيرا من كتابه تاريخ دمشق لتراجم النساء.

فقبل أن يفتح قاسم أمين هذا الباب على النحو الذي اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، كان حمزة فتح الله مشغولا بقضية إصلاح أوضاع المرأة المسلمة، بل إنه اختار لطرح هذا الموضوع مؤتمرا دوليا يحضره أساطين العلماء وأئمة الاستشراق في العالم، وهو ما يسم المناقشات التي تدور حول الموضوع بالعلمية والموضوعية دون صخب وجلبة، واستقبل الحاضرون هذه الدراسة التي ألقاها العالم المصري حمزة فتح الله بمزيد من التقدير والإجلال.

النشأة والتكوين

ولد الشيخ حمزة فتح الله بن حسين بن محمد شريف في مدينة الإسكندرية سنة (1266هـ=1849م)، وهو ينحدر من أصول مغربية؛ فأبوه تونسي الأصل هاجر من بلده إلى مصر، واستقر بها وعمل إماما في يخت سعيد باشا والي مصر، وشاءت الأقدار ألا يرى ابنه، فقد توفي قبل أن يولد، فكفل حمزة زوج أخته، وبدأ تعلمه في أحد الكتاتيب حيث حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره.

ثم التحق بجامع الشيخ إبراهيم، وكان يشبه الجامع الأزهر في مناهج التعليم وطرق التدريس، وبعد فترة من انتظامه انتقل إلى القاهرة واستكمل تعليمه بالجامع الأزهر، وفيه تلقى الفقه والتفسير والأدب واللغة، غير أنه مال إلى دراسة الآداب العربية، وحفظ الغريب من اللغة وبعد أن حصل على الإجازة من الأزهر عاد إلى الإسكندرية وعمل بالتدريس بها.

في ميدان الصحافة

وإلى جانب عمله بالتعليم اشتغل بالصحافة، فساهم في تحرير جريدة الكوكب الشرقي، وهي جريدة أسبوعية سياسية أنشأها سليم حموي سنة (1290هـ=1873م)، لكن إقامته لم تطل بالمدينة، وسافر إلى تونس بعد أن تلقى دعوة من حكومتها لتحرير جريدتها الرسمية جريدة الرائد التونسي، بالتعاون مع منشئها "منصور أفندي كرلتى"، ثم استعانت به الحكومة في تولي إدارة المطبعة الأميرية التونسية فقام بعمله على خير وجه.

وبعد أن قضى في تونس ثماني سنوات عاد إلى الإسكندرية سنة (1296هـ=1881م)، وعمل مع محمد عوض فريد في تحرير جريدته البرهان وكانت أسبوعية تصدر من الإسكندرية كل خميس، وكانت من الصحف الموالية للخديوي توفيق، وتقف في وجه الحركة الوطنية النامية، ثم لم يلبث أن تركها وأنشأ لنفسه جريدة جديدة أطلق عليها "الاعتدال" في (15 من رمضان 1299هـ=31 من يوليو سنة 1882م)، ولم تكن سياستها التحريرية تختلف كثيرا عن جريدة البرهان فهي تقف مع الخديوي توفيق وتكره تغيير النظام السياسي بالقوة، وترى في إقامة الدين سبيلا لنجاح الأمة الإسلامية.

في قاعات الدرس

غير أن عمله بالصحافة لم يشغله عن التدريس الذي ملك عليه نفسه باعتباره من وسائل الإصلاح والتغيير التي تحتاج إليها الأمة، وهو ما جعله ينحاز إليه وينصرف إليه بكل همته، فعمل مفتشا للغة العربية، ثم رئيسا لقلم الإنشاء والترجمة وبقي في ذلك المنصب حتى سنة (1305هـ=1887م)، ثم انتقل مدرسا إلى مدرسة الألسن ولم يمكث سوى أقل من عام، ليستعين به علي مبارك ناظر المعارف في تطوير المناهج في مدرسة دار العلوم، مع عدد من نوابغ الفكر في ذلك الوقت، مثل الشيخ حسن الطويل والدكتور عثمان بك غالب وكيل مدرسة الطب.

وفي قاعات مدرسة دار العلوم ألقى الشيخ حمزة فتح الله دروسه الشهيرة في اللغة والأدب، وهي التي جمعت بعد ذلك في كتابه المعروف باسم "المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية"، وقد افتتح هذه المحاضرات في (14 من ربيع الأول 1306هـ=18 من نوفمبر1888م)، وكانت في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: العالم أمين الله في الأرض.

والكتاب يقوم على شرح عشر قصائد من الشعر العربي، بدأها بمعلقة امرئ القيس، وعشرة نصوص من روائع الخطب، ومثلها من الرسائل الأدبية القديمة، بالإضافة إلى مقارنات بين عدد من النصوص الشعرية، وهو في أثناء شرحه ينثر كثيرا من الفوائد اللغوية والتاريخية التي تدل على علم واسع وثقافة غزيرة. والكتاب يعد من أوائل الكتب في العصر الحديث التي مهدت للنهضة الأدبية التي عرفتها مصر في هذه الفترة المبكرة، وإن كان أقرب إلى صور كتب النقد الأدبي القديم.

في مؤتمرات المستشرقين

اعتاد المستشرقون أن يعقدوا مؤتمرا كل فترة يحضره أئمة الاستشراق وكثير من العلماء والأدباء في بلاد المشرق لمناقشة البحوث العلمية واللغوية وآخر ما توصلوا إليه في الشأن الشرقي، وبدأت أول مؤتمراتهم في باريس سنة (1290هـ=1873م).

تكرر عقد مثل هذه المؤتمرات، وحرصت مصر على حضورها بداية منذ المؤتمر السابع الذي عقد في فيينا سنة (1303هـ=1886م)، وكان الشيخ حمزة فتح الله أول من مثّل مصر في هذا المؤتمر، واختير لمكانته العلمية وتمكنه الواسع في علوم العربية، وفي هذا المؤتمر ألقى بحثا عن الحضارة العربية، وعن الترجمة والتعريب وسعة العربية وقدرتها على استيعاب الحضارة الأوربية الجديدة.

ثم اشترك مع ثلاثة آخرين في حضور المؤتمر الثامن للمستشرقين الذي عقد في أستوكهولم سنة (1293هـ= 1889م)، وكان الكونت دي لاند برج قنصل السويد والنرويج في مصر قد رغب الحكومة المصرية في حضور هذا المؤتمر، فاستجابت لرغبته واختارت لحضوره أربعة من خيرة علماء مصر، هم عبد الله فكري وابنه النابه أمين فكري وكان في ذلك الحين قاضيا بمحكمة الاستئناف الأهلية، وقد راعى مجلس الوزراء في اختياره أن يكون مرافقا لوالده ودليلا للوفد في هذه الرحلة.

لكن أمين فكري لم يشأ أن يكون أكثر من مرافق، فأعد بحثا نفيسا لإلقائه في المؤتمر كان بعنوان "إبطال رأي القائلين بتعويض اللغة العربية باللغة العامية في الكتب والكتابة"، ومحمود أفندي عمر، وكان من خيرة من تخرجوا في دار العلوم سنة (1298هـ=1880م) وكان بحثه بعنوان "أمثال المتكلمين من عوام المصريين"، وقد حظيت هذه الرحلة بتسجيل دقيق قام به أمين عبد الله فكري في كتابه "إرشاد الألبة إلى محاسن أوربا" الذي ظهر سنة (1296هـ=1892م).

وفي هذا المؤتمر ألقى حمزة فتح الله بحثه الذي أثار إعجاب الحاضرين وتقديرهم، وكان بعنوان "باكورة الكلام على حقوق النساء في الإسلام"، واشتمل هذا البحث على مقدمة وعشرة أبواب تناولت القضايا المتصلة بالمرأة، مثل التعدد والطلاق والزواج، ومن أطرف ما ذكره أنه عقد بابا في أن الزواج لمجرد قضاء الشهوة خروج عن الإنسانية، ولا يثاب عليه شرعا.

ويذكر أن هذا الوفد قد شهد في أثناء إقامته بباريس افتتاح برج إيفل في (24 من شوال 1305هـ=4 من يوليو1888م)، وكان الوفد المصري من أوائل من صعد إلى طبقات هذا البرج الهائل.

في خدمة اللغة

كان الشيخ حمزة فتح الله محبا للعربية غيورا عليها حريصا على الفصحى حتى إنه ليتكلم بها مع خادمه، فلما أسند إليه تفتيش اللغة العربية في مدارس الحكومة على اختلاف أنواعها، وجد الفرصة مفتوحة أمامه لتخليص اللغة العربية مما خالطها من العامية والدخيل وشابها من فساد التركيب وعجمة الأساليب، فقام بإرشاد المعلمين إلى ما يعثر عليه من ذلك في كتابة التلاميذ، ويدلهم على مرادفه الصحيح، أو يرشدهم إلى المظان التي يستعان بها في معرفة الفصيح، فأحدث ذلك وعيا بين المعلمين، فراحوا يدققون في كل كلمة وجملة.

وحين أحس بأن الطلاب في حاجة إلى معجم عربي يسهل استخدامه ويكون عونا لهم في الوقوف على معاني الكلمات، ويزيد من رصيدهم اللغوي، فاختار معجمين من أصغر المعاجم العربية رأى أنهما كافيان لسد حاجة الطلاب، هما: "مختار الصحاح "و"المصباح المنير"، فقام عليهما تحقيقا وتصحيحا، ونهضت وزارة المعارف بطبعهما وتوزيعهما على الطلاب.

ولم يكتف الشيخ حمزة فتح الله بهذا الباب من أبواب الإصلاح فاشترك مع نفر من أئمة الأدب واللغة والفكر في إنشاء مجمع يؤدي للغة العربية ما تؤديه الأكاديمية الفرنسية للغة الفرنسية يتقدمهم الإمام محمد عبده، والشيخ حسن الطويل، وحفني ناصف، والشنقيطي الكبير، ومحمد المويلحي، ومحمد عثمان جلال، واختار الأعضاء السيد محمد توفيق البكري رئيسا لهذا المجمع.

وقد اشترك حمزة فتح الله مع البكري في تقديم بحث ألقي في إحدى جلسات هذا المجمع، قام فيه العالمان باختيار واشتقاق الكلمات العربية المرادفة للكلمات الأجنبية التي تسللت إلى العربية، وكانت البداية ترجمة عشر كلمات أجنبية هي: مرحى لكلمة برافو، ومدرة لكلمة أفوكاتو، ومسرة للتليفون، وعم صباحا لبون جور، وعم مساء لبون سوار، وحماد لكلمة مِرسي، وبهو للصالون، وقفاز لكلمة جوانتي، ونمرة لكلمة نمرو، ووشاح لكلمة كوردون. ولم يكتب لهذا المجمع الاستمرار، فأسدل عليه الستار بعد قيامه بعدة أشهر، لأن الدولة لم تقف إلى جانبه، ولأن المجمع لم يتخذ من الوسائل التي تضمن له البقاء والاستمرار.

آثاره العلمية

وللشيخ فتح الله مجموعة من المؤلفات معظمها رسائل صغيرة تدور حول اللغة والأدب والتاريخ والتوحيد والتفسير:

- العقود الدرية في العقائد التوحيدية، وقد طبع سنة 1308هـ.

- الكلمات غير العربية في القرآن الكريم، وقد طبع في المطبعة الأميرية بالقاهرة سنة 1309هـ.

- هداية الفهم إلى بعض أنواع الوسم، وطبع في مطبعة بولاق سنة 1313هـ.

-التحفة السنية في التواريخ العربية، وطبع في مطبعة بولاق سنة 1315هـ.

-باكورة الكلام على حقوق المرأة في الإسلام، وطبع في القاهرة سنة 1306هـ.

-المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية ويقع في جزأين، طبع الجزء الأول سنة 1312هـ، والجزء الثاني سنة 1326هـ.

وإلى جانب ذلك كان الشيخ فتح الله يقرض الشعر، لكنه كان بدوي الشعر من حيث ألفاظه ومعانيه وتراكيبه واستعاراته على طريقة شعر العلماء، وله نثر فني التزم فيه بالسجع والولع بالغريب من اللغة.

ومن رسائله ما كتب إلى السيد توفيق البكري يمدحه بقوله: "أليست كتنك هذه حجة للموجب دامغة للسالب، أليس ذلك البيان غاية شأو قس وسحبان، أليس قصارى ابن العميد، وحمادى عبد الحميد؟ وبعد فقد أعيد العرض الذي هو الكلام في الدنيا ففي الآخرة أحرى، فتراني يا مليك اليراعات وقسور تلك الغابات أسيفا على ضن الزمان بك إلى الآن".

وفاته

عمل الشيخ فتح الله في وزارة المعارف نحو ثلاثين سنة متنقلا بين التدريس والتفتيش حتى صار المفتش الأول للغة العربية سنة (1328هـ=1910م)، وهو يعد أول من تولى هذا المنصب في مصر، وبعد تقاعده عن العمل استمر مشتغلا بمدارسة العلم لم يمنعه عن ذلك أنه كف بصره في آخر عمره، وقد وصفه معاصروه بالورع والتقوى، وبأنه يميل إلى الصالحين من المعلمين، ويحارب من يشاع عنهم التهاون في الدين، حفظا للناشئة وحماية لهم من الزيغ والضلال، وظل كذلك حتى وافته المنية في (8 من جمادى الأولى سنة 1336هـ= 19 من فبراير سنة 1918م).

من مصادر الدراسة:

  • أنو الجندي – أعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر – القاهرة بدون تاريخ.

  • زكي محمد مجاهد – الأعلام الشرقية – دار الغرب الإسلامي – بيروت -1994م.

  • أحمد الإسكندري ومصطفى العناني – الوسيط في الأدب العربي – مطبعة المعارف – القاهرة - 1343هـ=1925م.

  • محمد عبد الغني حسن – عبد الله فكري – الدار المصرية للتأليف والترجمة -سلسلة أعلام العرب – القاهرة - بدون تاريخ.

  • حمزة فتح الله - المواهب الفتحية - تقديم وفهرسة محمود إبراهيم الرضواني -مكتبة دار التراث - القاهرة 1417هـ=1996م.


المحرم . صفر . ربيع الأول . ربيع الآخر . جمادى الأولى . جمادى الآخرة . رجب . شعبان . رمضان . شوال . ذو القعدة  . ذو الحجة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع