بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

دول وممالك

ثورات وحركات | دول وممالك | شخصيات | كتب ومطبوعات | مؤسسات | مذاهب ونحل | معارك وغزوات | معاهدات ومؤتمرات | فنون وعمارة


تونس.. في قبضة الاحتلال الفرنسي

(في ذكرى سقوط مدينة قابس: 28 من شعبان 1298)

 أحمد تمام

ظلت فرنسا سنوات طويلة ترنو ببصرها إلى احتلال تونس، وتمني نفسها باستغلال خيراتها، وكانت تونس بموقعها ومواردها الطبيعية والبشرية تمثل فريسة عظيمة تثير لعاب الدول الاستعمارية الكبرى كإنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وكانت فرنسا أكثرهم لهفة على افتراس هذه الدولة الصغيرة وأشدهم رغبة في التهامها في أقرب فرصة، فلما وقعت الجزائر في قبضتها سنة (1245هـ=1830م) اشتعلت رغبتها في السيطرة على تونس، وتأمين حدود ممتلكاتها الاستعمارية في شمال إفريقيا ومنع الدول الأوروبية المنافسة من السيطرة عليها.

أحوال تونس في هذه الفترة

وكانت أطماع الدول الأوروبية في تونس تتزايد كلما ضعفت الولاية المسلمة وتقهقرت أحوالها الاقتصادية والإدارية، وكانت تونس في أثناء القرن الثامن عشر الميلادي تمتلك أسطولا قويا، وتتمتع بهيبة في البحر المتوسط، وفضلا عن ازدهار أحوالها الاقتصادية نتيجة لوصول قوافل التجارة إليها من قلب إفريقيا عبر الصحراء حاملة إليها المنتجات الاستوائية التي كانت ترسلها إلى أوروبا لكن هذا لم يدم طويلا، فتآمرت الدول الأوروبية على تونس وضغطت عليها بدعوى أن أسطولها الحربي يعمل في القرصنة حتى توقف على العمل، وأثر ذلك تأثيرا سيئا على التجارة، كما أن تونس فقدت أهميتها التجارية نتيجة وصول التجار الأوروبيين رأسا إلى مصادر المنتجات الإفريقية، وبعد أن أنشئت المراكز البحرية والتجارية الاستعمارية على طول سواحل إفريقيا الغربية، وجاء احتلال فرنسا للجزائر لكي يغلق معظم طرق القوافل التي كانت تصل إلى تونس من وسط إفريقيا. وقد تضافرت كل هذه الأسباب في إضعاف تونس وتدهور اقتصادها.

ولم يقف حكام تونس موقفا صلبا من الضغوط التي مارستها الدول الأوروبية على بلادهم وأظهروا تجاوبا واضحا مع سياستهم، بل إن بعضهم أبدى عدم ارتياحه وترحيبه بمندوبي الجزائر حين طلبوا منه مساعدتهم في سنة ( =1830م) في جهادهم ضد فرنسا التي احتلت بلادهم، وتجاوز ذلك إلى تهنئة الفرنسيين حين انتصروا على المجاهدين الجزائريين، ونسي أنه يحكم ولاية إسلامية، وأن الحملة الفرنسية هجمت على الجزائر باسم أوروبا المسيحية.

وفي الوقت نفسه أظهر حكام تونس وكان يطلق عليهم "البايات" ميلا إلى فرنسا، حتى يظهروا وكأنهم حكام مستقلون لا يتبعون الدولة العثمانية، وإن كان ذلك على حساب التضامن والترابط بين الأقاليم الإسلامية في شمال إفريقيا.

وقد استغلت فرنسا هذه النزعة لدى بايات تونس، حتى تفصل بينها وبين الدولة العثمانية من ناحية، وفي الوقت نفسه تزيد من نفوذها في هذه المنطقة من ناحية أخرى.

وقد اندفع حكام تونس نحو فرنسا، فاستعانوا بها في إنشاء إدارة حديثة في البلاد، وإقامة المدارس، وتنظيم الجيش، وكل هذا أدى ازدياد النفوذ الفرنسي في قطاعات كثيرة في الدولة.

وفشلت كل محاولات الإصلاح التي قام بها حكام تونس، لأنها لم تحاول أن تقلد النموذج الغربي بحذافيره، واهتمت بالمظاهر البراقة دون وضع أسس إصلاح تعتمد على ثوابت الأمة الدينية والثقافية، ولم تجن الدولة من وراء ذلك سوى الوقوع في براثن الديون وتدخل الدول الأوروبية في شئون تونس بحجة إصلاح ماليتها.

فرنسا تستعد لغزو تونس

وقد مهدت فرنسا لحملتها على تونس بإثارة مشكلة القبائل التي تسكن الحدود التونسية الجزائرية، وتضخيم آثارها، على نحو يظهر أن أمر هذه القبائل التونسية قد أفلت من قبضة "الباي"، وأن اعتداءاتها تكررت على القرى والمدن الجزائرية القريبة، ثم تعود إلى أوكارها في الجبال التونسية والأماكن الوعرة، وأن ذلك كله يزيد الأعباء على كاهل الحاكم العام الفرنسي في الجزائر حين يحاول تأديب هذه القبائل ويكلفه خسائر جسيمة.

وأخذت الحكومة الفرنسية تهيئ الرأي العام الفرنسي لاستقبال ما تنوي القيام به من أعمال ضد تونس حتى لا يكون الأمر مفاجأة لأحد، وأن هذا العمل العسكري إنما يستهدف الدفاع عن مصالح فرنسا في شمال إفريقيا.

وفي الوقت نفسه أصدرت الحكومة الفرنسية الأوامر إلى حاكم عام الجزائر للإسراع في إنهاء مد خط السكك الحديدية الذي يصل الجزائر بتونس، حتى يسهل نقل الجنود والمؤن.

فرنسا تطلب معاونة الباي لاحتلال بلاده!

وقبل أن تغزو فرنسا تونس عرضت سنة ( 1296هـ=1879م) على الباي محمد الصادق حاكم تونس عن طريق قنصلها هناك مسودة لمعاهدة الحماية التي تقترح أن يوقع عليها الباي بطريقة ودية، ولكن الباي رفض توقيعها؛ الأمر الذي دفع القنصل "روستان" إلى أن يطلب من حكومة بلاده إرسال بعض قطع أسطولها إلى المياه التونسية، واتباع أسلوب التهديد، لعل هذا يجبر الباي على قبول هذه الحماية والتوقيع على مسودتها.

وعرضت الحكومة الفرنسية الأمر على الجمعية الوطنية وعلى مجلس الشيوخ الفرنسي، ووزع على الأعضاء كتاب يتضمن مبررات العمل العسكري التي تنوي القيام به الحكومة الفرنسية، وقد وافق البرلمان الفرنسي على الاعتمادات اللازمة للقيام بالحملة، ورصد خمسة ملايين ونصف مليون فرنك فرنسي لتغطية نفقات الحملة.

لماذا كان الغزو الفرنسي؟

انتهزت الحكومة الفرنسية بعض الحوادث البسيطة على الحدود الجزائرية التونسية لتنفيذ مخططها لغزو تونس، وبخاصة بعد أن انتشرت دعوة حركة الجامعة الإسلامية التي تستهدف توحيد العالم الإسلامي وتخليصه من تسلط الدول الغربية، وكان وراء هذه الحملة التي لقيت استجابة كبيرة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. وخشيت فرنسا من انتشار هذه الحركة في تونس، وما يترتب على ذلك من امتداد نفوذ السلطان العثماني إلى بلاد المغرب العربي، وازدياد الوعي لمقاومة التسلط الأوروبي، وكان هذا يخيف فرنسا والدول الأوروبية.

وقد حدث أن عبرت قبيلة "بنو خمير" التونسية الحدود الفاصلة بين تونس والجزائر واقترفت بعض أعمال السرقة والنهب المعتادة بين القبائل في تلك المنطقة، فقام القنصل الفرنسي في تونس بإبلاغ الباي محمد الصادق بأن الجنود الفرنسيين سيعبرون الحدود إلى بلاده لتأديب هذه القبائل، وطلب منه أن يعاون الحملة الفرنسية على أداء واجبها، وإقرار الأمن والسلام على الحدود، لكن الباي رفض هذا الطلب، وحاول من جانبه أن يتدخل لتأديب القبيلة المعتدية، لكن هذا لم يكن كافيا لمنع فرنسا من عملية الغزو التي استعدت لها.

الغزو الفرنسي وإعلان الحماية

كانت القوات الفرنسية على الحدود تنتظر الإشارة للعبور إلى تونس، فلما جاءتها الأوامر بالتحرك، اجتازت الحدود في (24 من جمادى الأولى 1298هـ=24 من إبريل 1881م) دون مقاومة تذكر، ولم يكن في حساب الباي أن يبدي مقاومة أمام جحافل الفرنسيين، فاحتلت القوات الفرنسية "الكاف" و"طبرقة"، وفي الوقت نفسه أنزلت فرنسا بعض قواتها التي أبحرت من ميناء طولون في بنزرت، وبعد احتلالها تقدمت القوات الفرنسية صوب العاصمة، وعسكرت على مقربة منها في (12 من جمادى الآخرة 1298هـ=12 من مايو 1881م).

وكان الباي في أثناء ذلك يرفض فكرة الحماية على بلاده، أملا في أن تتدخل الدول الأوروبية إلى جانبه، أو أن يرسل السلطان العثماني أسطوله إلى تونس، لكن ذلك لم يحدث.

وفي اليوم نفسه الذي عسكرت فيه القوات الفرنسية قدم القنصل العام الفرنسي إلى الباي نسخة من المعاهدة المطلوب التوقيع عليها، وأعطى الباي مهلة حتى الساعة التاسعة مساء لقبول هذه المعاهدة أو رفضها.

واجتمع الباي بكبار رجال دولته، وعرض عليهم الأمر، وكان الحاضرون يميلون إلى الرفض وإعلان المقاومة والجهاد وتعبئة الأمة لذلك، لكن ذلك لم يجد آذانا صاغية، أمام تهديد الفرنسيين بخلع الباي محمد الصادق عن العرش وتنصيب أخيه "الطيب باي" مكانه إذا رفض التوقيع على المعاهدة، وكان ممثلو الاحتلال الفرنسي ينتظرون في غرفة مجاورة للحجرة التي اجتمع فيها السلطان برجاله، وبعد ساعتين من الاجتماع خرج باي تونس حاملا نسختي المعاهدة وقد وقع عليهما، وبذلك انتهى الاستقلال الفعلي لتونس، بعد توقيع المعاهدة التي عرفت بمعاهدة "باردو" وتضمنت هذه المعاهدة تقييد سلطة الباي ووضعه تحت حماية فرنسا، وسلبت تونس كل مقومات الدولة المستقلة.

المقاومة ورفض الاحتلال

لم يرضخ الشعب التونسي لاحتلال فرنسا لبلاده تحت عنوان براق وهو إعلان الحماية، الذي استهدفت فرنسا من اختياره عدم إثارة الدول الأوروبية، والتمويه على أبناء تونس بأنها لم تحتل بلدهم وتنزلها منزلة المستعمرات وحتى تحمل الجانب الوطني نفقات الاحتلال.

واشتعلت الثورة في معظم أنحاء تونس وعجزت فرنسا عن وقف العمليات الحربية في تونس، واتضح أن القبائل التي تسكن شرقي تونس وجنوبها أظهرت رفضها وعداءها للطريقة التي خضع بها الباي لطلبات الفرنسيين، وعلت الأصوات داعية إلى الجهاد والبذل والعطاء، وفي الوقت نفسه اتصلت رسل السلطان العثماني بالمجاهدين تعلن رفض السلطان للمعاهدة ووقوفه إلى جانب الشعب، وتمكن الثوار من قطع المواصلات، وفرت معظم جنود الباي إلى الثائرين، وأعلن المسلمون الجهاد ضد الفرنسيين.

وبعد أن كانت فرنسا تفكر في أنه يكفي أن يقوم جيش صغير على استتباب الأمن في تونس وجدت أنها تعاني مشكلة كبيرة في السيطرة على البلاد، وتطلب ذلك تعاون الأسطول الفرنسي مع الجيش، وحشد قوات جديدة بلغت خمسا وأربعين ألف جندي.

وكان قد تزعم حركة المقاومة في قابس "علي بن خليفة"، إلى جانب كثيرين قادوا الثورة في صفاقس والقيروان، وكان الأولى أن تنتظم هذه الجهود تحت لواء واحد، وقد حاول علي بن خليفة أن يوحد القيادة في شخصه، واجتمع لهذا الغرض مع مجاهدي صفاقس والقيروان، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح بعد أن أصر زعيم كل منطقة أن يتولى الأمر بنفسه، فاستطاعت فرنسا أن توقع بهم واحدا بعد الآخر.

وكان من جراء ذلك أن سقطت قابس في أيدي المحتلين الفرنسيين بعد مقاومة شديدة، لكن المجاهدين كان يعوزهم الأسلحة الحديثة، ولم تستطع أسلحتهم القديمة أن تحقق النصر أمام قوات مدربة تمتلك القوة والتخطيط الحديث، ونجح الفرنسيون في احتلال المدينة القديمة ذات التاريخ العتيق في 28 من شعبان 1298هـ.

وانسحب علي بن خليفة، وظل يقاوم قوات الاحتلال مدة تقرب من أربع سنوات، حتى أنهكت قواه، واضطر للجوء إلى طرابلس مع عدد كبير من أتباعه، في الوقت الذي قضت فيه القوات الفرنسية على المقاومة في صفاقس والقيروان.

أهم المصادر:

* جلال يحيى – المغرب العربي (الحديث والمعاصر) – الجزء الثاني – الهيئة المصرية العامة للكتاب – الإسكندرية – 1982م.

* شوقي عطا الله الجمل – المغرب العربي الكبير في العصر الحديث – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1977م.

* صلاح العقاد – المغرب العربي – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1964م.

* مجموعة من المؤلفين – دائرة المعارف التونسية – بيت الحكمة – قرطاج – تونس – 1994.


المحرم . صفر . ربيع الأول . ربيع الآخر . جمادى الأولى . جمادى الآخرة . رجب . شعبان . رمضان . شوال . ذو القعدة  . ذو الحجة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع