هل تعرف السر العظيم وراء رحلة الإسراء والمعراج؟ لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد قطعٍ خارقٍ للمكان والمسافات، بل كانت معجزة ربانية تشكل نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية. عندما أُسري بالنبي محمد من مكة إلى القدس، ومن ثم عُرج به إلى السماوات، أظهر الله بذلك قوة إيمانية تكرم النبي وتشد من أزره بعد تحديات قاسية واجهته. قد تتساءل، كيف استطاعت هذه الرحلة أن تكون مصدرًا دائمًا للإلهام والقوة للمسلمين عبر الأجيال؟

فمن خلال هذه الرحلة، فرضت الصلاة، وظهرت مكانة القدس في الإسلام كرمز للوحدة والتقديس، وأكدت على وحدة الرسالات السماوية كافة.

إذا كنت ترغب بمعرفة تفاصيل أعظم حول هذه الرحلة، معجزاتها، ودروسها العميقة، فتابع القراءة واستلهم من عظمة هذا الحدث الرباني ودلالاته الخالدة.

تُعدُّ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، إذ تجسّد فيها الإعجاز الرباني الذي يُظهر قدرة الله المطلقة وتكريمًا خاصًا لنبي الإسلام محمد . وقد جاء هذا الحدث الاستثنائي ليكون رسالة من الله لرسوله تثبيتًا لقلبه، وتعزيزًا لإيمانه في أصعب مراحل الدعوة، فكانت رحلة فريدة بين السماء والأرض تضمنت العديد من العجائب والدروس العميقة. وفي هذه المقالة، نتناول تعريف الإسراء والمعراج، تفاصيل الرحلة، وأهميتها في التراث الإسلامي، لنرى كيف مثّلت نقطة تحول فارقة في الدعوة الإسلامية.

تعريف الإسراء

الإسراء هو الحدث الذي ساق الله فيه النبي محمد من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس بقدرة إلهية خارقة. وردت هذه الواقعة في سورة الإسراء، في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} سورة الإسراء، الآية 1]. يُشير هذا الحدث إلى انتقال النبي ليلاً من مكة إلى القدس بفضل إرادة الله، حيث كُرِّم المسجد الأقصى باعتباره مسرحًا لهذه الرحلة العظيمة.

تعريف المعراج

أما المعراج فيُشير إلى صعود النبي محمد من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلى، حيث عُرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى مراتب السماء وأقربها إلى عرش الرحمن . وكان هذا الصعود جزءًا من تكريم الله لنبيه، فقد خُصّ النبي محمد برحلة روحية وجسدية لم يحظَ بها أحد من الخلق.

رحلة الإسراء

بدأت رحلة الإسراء من مكة إلى القدس، حيث أُسري بالنبي على ظهر دابة البراق، وهي “دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ” [ صحيح مسلم، رقم 162] لقطع المسافات بسرعة فائقة. وقد صاحب النبي في هذه الرحلة جبريل عليه السلام. عند وصوله إلى المسجد الأقصى، ربط الدابة بالحلقة ثم دخل وصلى النبي إمامًا بالأنبياء والمرسلين [تخريج الحديث: صحيح مسلم، رقم 172]، مما أظهر مقامه الرفيع بين الأنبياء وتأكيده لخاتمية النبوة.

رحلة المعراج

بعد أن انتهى النبي من الصلاة بالأنبياء، بدأ رحلة المعراج عبر سلم الصعود السماوي، حيث صعد بقدرة الله إلى السماوات العلا [صحيح البخاري، رقم 3887، وصحيح مسلم، رقم 162]. في كل سماء، التقى النبي بنبيّ من الأنبياء:

  • آدم في السماء الأولى.
  • عيسى ويحيى في السماء الثانية.
  • يوسف في السماء الثالثة.
  • إدريس في السماء الرابعة.
  • هارون في السماء الخامسة.
  • موسى في السماء السادسة.
  • إبراهيم في السماء السابعة وهو مُسنِدٌ ظهره إلى البيت المعمور [صحيح البخاري، رقم 3887، وصحيح مسلم، رقم 164].

وصل النبي بعدها إلى سدرة المنتهى حيث تجاوز كل المقامات الكونية، وأخذ يتلقى الرسائل الإلهية، من أبرزها فرض الصلاة على المسلمين، فكانت صلاة المسلمين خمسين صلاة ثم خُففت إلى خمس صلوات في العمل بخمسين في الأجر [تخريج الحديث: صحيح البخاري، رقم 349، وصحيح مسلم، رقم 163].

الإسراء والمعراج .. في ذكرى الحادثة
رحلة الإسراء والمعراج

تعرف عن الإسراء والمعراج؟

الإسراء هو الرحلة الأرضية الليلية التي هيّأها الله لرسوله من مكة المكرمة إلى القدس الشريف؛ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أما المعراج فهو رحلة الصعود من الأرض إلى السماء، من بيت المقدس إلى السماوات العُلى، إلى مستوى لم يصل إليه بشر من قبل، حتى بلغ سدرة المنتهى، حيث يعلم الله عز وجل.

كانت هاتان الرحلتان محطة مفصلية في حياته وفي مسيرة دعوته بمكة؛ إذ جاءتا بعد أن قاسى من قريش أشد ألوان العنت والأذى، ثم قال : «لعلي أجد أرضًا أخصب من هذه الأرض» فاتجه إلى ثقيف عند أهل الطائف [ السيرة النبوية لابن هشام 2/60، ودلائل النبوة للبيهقي 2/413]، فوجد منهم أشد الرد وأقساه؛ إذ سلطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، وكان مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه يدافع عنه ويتقي عنه الحجارة بجسده حتى شُجَّت في رأسه جراحٌ عدة [ الطبقات الكبرى لابن سعد 1/211، والبداية والنهاية لابن كثير 3/166].

لماذا عرج بالنبي من بيت المقدس وليس من مكة مباشرة؟

تعتبر رحلة الإسراء والمعراج معجزة عظيمة أكرم الله بها نبيه محمدا ؛ حيث بدأت بالإسراء ليلا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، ثم عرج به منه إلى السماوات العلا. ولم يكن اختيار بيت المقدس محطة للانطلاق إلى السماء مصادفة، بل كان
لحكم ودلالات عقدية وتشريعية وتاريخية بينها أهل العلم، ومن أبرزها:
– إقامة الحجة على قريش وإثبات صدق المعجزة : ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن الله تعالى جعل المعراج من بيت المقدس لأن قريشا تعرف بيت المقدس وتتردد عليه بالتجارة ولا تعرف السماء. فلما أنكروا الإسراء والمعراج وسألوه عن نعت بيت المقدس، جلا الله له بيت المقدس فصفه لهم بابا بابا وموضعا موضعا، فكانت رؤيتهم لصدقه في وصف الأرض دليلا قاطعا على صدقه في خبر السماء.
بيت المقدس مجمع الأنبياء وبوابة السماء: بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر ومهاجر الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام. وقد نص العلماء على أنه “معراج الأنبياء” قبله ومحط تنزل الملائكة، فكان انطلاقه منه ليطأ بأقدامه الموضع الذي عرجت منه أرواح وأجساد الأنبياء السابقين.
– إعلان إمامة النبي ووراثة الرسالات: جمع الله للنبي الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى فصلى بهم إماما. وفي هذا إشارة صريحة إلى انتقال الريادة الدينية والإمامة الروحية لأمة محمد ، وأن الإسلام هو الخاتم والمهيمن على كافة الرسالات السماوية السابقة.
الجمع بين شرف المكانين والقبليتين: ربطت الرحلة بين المسجد الحرام (أول بيت وضع للناس) والمسجد الأقصى (قبلة المسلمين الأولى)، لتأكيد العلاقة العقدية بين الموضعين، وليجمع النبي بين شرف البقعتين والقبليتين.
– التدرج في الانتقال العجيب : في الانتقال الأرضي من مكة إلى القدس تدرج وأنس للنفس البشرية؛ حيث انتقل أولا بين نقطتين معلومتين على الأرض مسافة وسيرا، قبل الانتقال الخارق لطبيعة البشر من الأرض إلى السماوات العلا.
– تثبيت مكانة المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين: جعل الأقصى جزءا لا يتجزأ من حادثة الإسراء والمعراج ربط عقيدة المسلمين بهذه البقعة ربطا كليا إلى يوم القيامة، وجعل حمايته ورعايته جزءا من مسؤولية الأمة الإسلامية.

الإسراء بالروح أم الجسد

اختلف العلماء قديماً في صفة رحلة الإسراء والمعراج، والاستقرار العلمي عند جمهور الصحابة والتابعين وأئمة الحديث والتفسير أنها كانت بالروح والجسد جميعاً وفي اليقظة لا المنام. ويُستدل على ذلك بظاهر النصوص الشرعية كقوله تعالى: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}، والعبد اسم للروح والجسد معاً، ولأن قريشاً استعظمت الحدث وكذّبته، ولو كان رؤيا منامية لم تستنكره.

موضع انطلاق الإسراء

بدأت رحلة الإسراء بالنبي من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس، كما نص القرآن الكريم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].

والثابت في الصحيحين (البخاري: 3887، ومسلم: 164) أن انطلاق الرحلة كان والنبي في الحطيم (أو الهِجْر) عند المسجد الحرام. وما يُذكر في بعض كتب السير عن انطلاقها من بيت أم هانئ رضي الله عنها، جمَعَ العلماء بينه وبين النصوص الصحيحة بأن البداية كانت في بيتها ثم انتقل إلى المسجد الحرام ومنه كان الإسراء.

سبب اختيار المسجد الحرام كبداية للإسراء

  • مكانة مكة المكرمة: مكة هي أصل القرى والقبلة والمركز الروحي، فكانت الانطلاقة منها إشعاراً بعلو شأن هذا المكان المبارك.
  • الربط العقدي بين المسجدين: الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى يرسخ قدسية بيت المقدس في عقيدة المسلمين باعتباره قبلتهم الأولى وأرض المحشر والمنشر.
  • توارث الرسالات: الانطلاق من الكعبة (بيت إبراهيم عليه السلام) إلى المسجد الأقصى (مُصلى الأنبياء) يؤكد وحدة الدين والتتابع الإلهي للرسالات.

وصول النبي إلى المسجد الأقصى ثم الصعود إلى سدرة المنتهى

بعد أن وصل النبي إلى المسجد الأقصى، ربط دابة البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء عند باب المسجد [صحيح مسلم: 162]، ثم دخل فصلى بالأنبياء إماماً، مما أظهر شرفه وعلو منزلته وخاتميته للرسالات.

ويجب الإشارة إلى الثابت في السنة الصحيحة أن البراق كان مخصصاً لرحلة الإسراء الأرضية فقط (من مكة إلى القدس)، وبقي مربوطاً عند بيت المقدس. أما الصعود إلى السماوات العُلى وسدرة المنتهى فلم يكن على ظهر البراق، بل كان عبر “المعراج” برفقة جبريل عليه السلام، حتى بلغ النبي سدرة المنتهى التي لم يتجاوزها خلق قبله.

تاريخ الإسراء والمعراج والآراء في توقيته

وقع الإسراء والمعراج قبل الهجرة النبوية يقيناً، ولم يثبت في حديث صحيح مرفوع تحديد دقيق لليلة أو شهر وقوعه. وأبرز الأقوال العلمية في توقيته:

  • السنة العاشرة من البعثة: ذكر ابن إسحاق أنها كانت بعد البعثة بنحو عشر سنين، وهو القول الذي مال إليه جمع من أهل السير بعد عام الحزن ووفاة أم المؤمنين خديجة وأبي طالب.
  • قبل الهجرة بسنة أو سنة ونصف (السنة 12 أو 13 من البعثة): وهو القول الذي رجّحه الإمام النووي وجمع من المحققين.
  • ليلة 27 رجب: شاع هذا التاريخ في المرويات المائة والأوساط الشعبية، إلا أنه لم يصح فيه دليل حديثي قطعي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها [مجموع الفتاوى: 25/298].

أبعاد رحلة الإسراء والمعراج وتوقيتها

تأتي الرحلة تكريماً إلهياً للنبي وتثبيتاً لقلبه بعد المحن العظام التي سبقت حادثة الإسراء وهي : الحصار الشديد في شِعب أبي طالب، ووفاة خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، ثم الخروج إلى الطائف وما لقيه فيها من الأذى والإعراض.

البُعد التشريعي والعقدي للرحلة

  • فرضية الصلاة: فُرضت الصلاة مباشرة في السماء بلا واسطة، وكانت خمسين صلاة ثم خُفّفَت إلى خمس في العمل بخمسين في الأجر رحمة بالأمة [صحيح البخاري: 349].
  • اختبار الإيمان وموقف الصديق: كانت الحادثة تمحيصاً للمجتمع المكي؛ إذ كذّبها المشركون، بينما ضرب أبو بكر رضي الله عنه أروع أمثلة الإيمان المطلق بقوله: “إن كان قال ذلك فقد صدق”، فنال لقب “الصديق”.
  • الإعداد لمرحلة الهجرة: كانت الرحلة شحنة إيمانية ومعنوية كبرى للنبي وأصحابه، وتهيئة لبناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ومواجهة التحديات القادمة.
الإسراء والمعراج .. في ذكرى الحادثة
الإسراء والمعراج

أراد الله تعالى أن يُريَ نبيه محمدًا من آياته الكبرى ليقوى قلبه، ويصلب عوده، وتشتد إرادته في مواجهة ألوان الكفر والضلال؛ كعادة الله جل وعلا مع أنبيائه ورسله. فقد صنع الله ذلك مع موسى عليه السلام حينما أرسله إلى فرعون الطاغية المتأله الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} [النازعات: 24]، وقال: {مَا علِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

فعندما ناجى موسى ربه، أراه الله من الآيات ما يثبت قلبه، كما جاء في محكم التنزيل: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ} [طه: 17-23].

فكان الإعجاز وإراءة الآيات لترسيخ اليقين بأن من يعتصم بالرب الحفيظ الركين لا يخاف عدواً ولا يخشى طغياناً. وهكذا أرى الله نبينا محمدًا من آياته الكبرى في الأرض وفي السماء، ليكون على أتم الاستعداد للمرحلة القادمة في بناء الأمة ومواجهة التحديات.

فرضية الصلاة ومكانتها المنيفة

كان الإسراء والمعراج تكريمًا وتسليةً لرسول الله عما أصابه، وفي الوقت ذاته شهد الحدث التشريع الأعظم في حياة المسلمين؛ وهو فرض الصلاة. ولم تُفرض الصلاة في الأرض كبقية الشرائع عبر الوحي النازل، بل استدعى الله عز وجل رسوله إلى السماوات العُلى بغير واسطة، إيذاناً بعلو قدر هذه الفريضة ومكانتها في بناء الفرد والمجتمع. وقد فُرضت أول الأمر خمسين صلاة، فما زال النبي يراجع ربه بسؤال التخفيف بإشارة من موسى عليه السلام، حتى جعلها الله خمس صلوات في العمل بخمسين في الأجر والميزان [صحيح البخاري: 349، وصحيح مسلم: 163].

الصلاة معراج الروح

تعبير “الصلاة معراج المؤمن” معنى إيماني جليل استعمله العلماء والفقهاء للدلالة على أن الصلاة صلة روحية يرتفع بها العبد إلى ربه، وليست حديثاً نبوياً مرفوعاً بهذا اللفظ. وتتجلى هذه الصلة المباشرة في الحديث القدسي الصحيح عن كيفية مناجاة العبد لربه في الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَىٰ عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. [صحيح مسلم: 395]

قيادة جديدة

 إن المسلم وهو يؤدي صلاته يرتقي بقلبه وروحه، حتى ليكاد يستحضر مناجاة ربه جل وعلا؛ فالصلاة في جوهرها هي المعراج الروحي للمسلم إلى الله تبارك وتعالى.

وعند التأمل في معجزة الإسراء والمعراج، ينبغي النظر في الحكمة من جعل نقطة الانطلاق إلى السماوات العلا تبدأ من المسجد الأقصى ببيت المقدس، بدلاً من العروج المباشر من المسجد الحرام بمكة المكرمة؛ إذ لم يكن هذا المرور بهذه المحطة القدسية في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين عابراً، بل كان مقصوداً بذاته لعدة دلالات:

إن إمامة النبي بالأنبياء الذين استقبلوه في بيت المقدس تحمل دلالة عميقة على أن القيادة الروحية قد انتقلت إلى أمة جديدة ونبوة جديدة؛ نبوة عالمية عامة وخالدة لكافة الناس، رحمة للعالمين لجميع الأقاليم وسائر الأزمان، وليست محصورة في قوم أو زمن بعينه كالنبوات السابقة. فكان الاجتماع ببيت المقدس -أرض النبوات الأولى (إبراهيم، وإسحاق، وموسى، وعيسى عليهم السلام)- إيذاناً رسمياً بوراثة هذه الرسالة العامة.

أراد الله عز وجل أن يربط في وجدان المسلم بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ربطاً عقدياً لا يفك؛ ولهذا نُعت المسجد الأقصى بالبركة في القرآن الكريم: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وكان ذلك قبل أن يُنشأ المسجد النبوي الشريف في المدينة بعد الهجرة. وهذا التثبيت القرآني لمكانة المسجدين يزرع في عقيدة الأمة أن التفريط في المسجد الأقصى هو مقدمة للتفريط في المسجد الحرام.

ارتبط المسجد الأقصى بالصلاة منذ فرضها؛ إذ كان قبلة المسلمين الأولى التي توجهوا إليها نحو ثلاث سنين في مكة، وستة عشر شهراً في المدينة المنورة. وبجمع هذه الفضائل -كونه القبلة الأولى، ومسرى النبي ومستقر معراجه، وأحد المساجد الثلاثة التي لا تُشد الرحال إلا إليها- تبوأت القدس مكانتها العظيمة كالثالثة في التكريم والتقدير بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة.

بشارة للمسلمين

هكذا ينبغي أن يعي المسلمون أهمية القدس في تاريخهم، ومكانة المسجد الأقصى في دينهم وعقيدتهم وحياتهم؛ ومن أجل ذلك حرص المسلمون طوال التاريخ على أن تظل هذه البقعة المباركة تحت راية الإسلام.

وحينما احتل الصليبيون المسجد الأقصى وأقاموا إماراتهم في فلسطين إبان الحملات الصليبية، هيأ الله تعالى من القادة والعلماء من نذروا حياتهم لتحرير هذا المسجد العظيم؛ وكان في طليعتهم قادة عظماء من غير العرب:

  • عماد الدين زنكي: القائد المؤسس الذي بدأ مشروع المواجهة والتحرير.
  • نور الدين محمود زنكي: الملقب بـ «الشهيد» لتوقه الشديد للشهادة في سبيل الله، وقد اشتهر بزهده وعدله وحسن سياسته حتى شبهه المؤرخون بالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز.
  • صلاح الدين الأيوبي: القائد الكردي وتلميذ المدرسة النورية، الذي حقق الله على يديه النصر المؤزر في معركة حطين، ثم توج انتصاره بفتح بيت المقدس؛ حيث دخلها سالماً وأمن أهلها وصان دماءهم وأرواحهم تجسيداً لأخلاق الإسلام، في مقابل المجازر المروعة التي ارتكبها الصليبيون حين احتلالها غيلة.

البشارة النبوية والفتح العمري:

لم يكن هناك بناء مشيد يُعرف بالمسجد الأقصى وقت رحلة الإسراء والمعراج، وإنما كان المكان بقعة مقدسة ومحددة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. فكان وصف المكان بـ «المسجد الأقصى» بشارة نبوية بأن هذه البقعة -التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية البيزنطية- ستتحول إلى مسجد للمسلمين، وأن الإسلام سيمتد ملكه وينتشر نوره شرقاً وغرباً.

وقد تحقق هذا الوعد الإلهي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين فتح المسلمون بيت المقدس، وأبى بطريركها «صفرونيوس» أن يسلم مفاتيح المدينة إلا لخليفة المسلمين شخصياً. فجاء عمر في رحلته التاريخية المشهورة، وتسلم المفاتيح، وكتب لأهلها وثيقة الأمان الخالدة المعروفة بـ «العهدة العمرية».

إن ربط المسجد الأقصى بمعجزة الإسراء والمعراج يجعل من ذكراها العطرة مناسبة متجددة في قلوب المسلمين، تذكرهم بمسؤوليتهم الدائمة تجاه هذا المسجد المبارك وحمايته والرعاية لحقوقه.

دروس مستفادة من رحلة الإسراء والمعراج

تضمّنت معجزة الإسراء والمعراج دروساً عقدية وتربوية وتشريعية خلدتها كتب السيرة والتفسير، وتُعَدّ محطة مفصلية في تاريخ الدعوة الإسلامية. وفيما يلي تدقيق وضبط لأبرز هذه الدروس وفق ما تقرر في أمهات المصادر:

  • التسلية والتثبيت بعد الشدائد (سُنّة الفَرَج بعد الضيق):جاءت الرحلة بعد “عام الحزن” وما شهده من وفاة السيدة خديجة وأبي طالب، وما لقيه النبي من أذى أهل الطائف؛ فكانت الرحلة تكريماً إلهياً ورسالة تسلية تثبت أن التضييق في الأرض يعقبه الفتح والرفع من السماء.
  • المكانة الفريدة للصلاة:الصلاة هي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماوات العلا دون واسطة جبريل عليه السلام، مما يدل على عظم شأنها ومحوريتها؛ فهي معراج العبد الروحي وصلته المباشرة بربه.
  • التخفيف والتيسير في التشريع:تجلى التيسير في مراجعة النبي لربه في فرض الصلوات (من خمسين إلى خمس صلوات في العمل، مع بقاء أجر الخمسين في الميزان) بنصيحة من موسى عليه السلام؛ دلالةً على سماحة الشريعة ورحمتها بالمكلفين.
  • مكانة القدس والمسجد الأقصى في العقيدة:أكدت الرحلة التلازم العقدي بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى؛ فصارت القدس بقعة مباركة في وجدان الأمة، بوصفها القبلة الأولى ومسرى النبي ومستقر معراجه.
  • وحدة الرسالات وإمامة النبي الخاتم:صلّى النبي إماماً بالأنبياء والرسل في بيت المقدس، وفي ذلك إعلان صريح لوحدة الدين الإلهي في أصوله، وتكريم للنبي بوصفه خاتم الأنبياء، وإيذان بانتقال القيادة الروحية إلى أمته.
  • الإيمان بالغيب واختبار صدق اليقين:كانت الرحلة -بخرقها لقوانين الزمان والمكان- تمحيصاً للقلوب واختباراً لإيمان المسلمين بالغيب؛ وتجلى في هذا الموقف ثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله الخالد: «إن كان قال ذلك فقد صدق»، فسمي بالصديق.
  • إثبات القدرة الإلهية المطلقة:أظهرت الرحلة أن أسباب الكون وقوانين الفيزياء خاضعة لإرادة الخالق سبحانه؛ حيث قطع النبي مسافات الأرض والسماء في جزء من الليل ليرى من آيات ربه الكبرى.
  • عناية النبي بأمته ورحمته بها:ظهرت الشفقة النبوية بالأمة في حرصه على طلب التخفيف في الصلاة، وفيما أُريَه من مشاهد النعيم لأهل الطاعة والعذاب لأهل المعاصي، تحذيراً للأمة وترغيباً لها في أسباب النجاة.
  • قدسية الأماكن والمقدسات في الإسلام: إن الرحلة أكّدت على شرف البقاع المقدسة ورسخت تعظيمها؛ إذ ربطت العبادة بالمسجدين الحرام والأقصى، وأمرت الأمة بصيانة هذه الأماكن ورعايتها مع استحضار أن التوجه والعبودية بالكلية هي لله وحده.

معجزات ليلة الإسراء والمعراج

كانت ليلة الإسراء والمعراج حافلة بالمعجزات والآيات الباهرات التي أراها الله عز وجل لنبيه محمد ؛ تثبيتاً لقلبه، وتأييداً لدعوته، وإظهاراً لمنزلته ورفيع مقامه عند رب العالمين. وفيما يلي تدقيق لأبرز هذه المعجزات كما وردت في أمهات المصادر الحديثية والتاريخية:

  • الإسراء إلى المسجد الأقصى: انتقال النبي ليلاً من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس في جزء يسير من الليل، على ظهر “البراق” (وهو دابة بيضاء يضع حافره عند منتهى بصره)، في مسافة كانت تُقطع قديماً في مسيرة شهر كامل. وقد خلد القرآن هذه المعجزة في مطلع سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
  • الصلاة بالأنبياء إماماً: جمع الله تبارك وتعالى لنبيه الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى، فصلى بهم إماماً. وكانت هذه الصلاة إعلاناً لصدارة النبوة المحمدية، وتأكيداً على وحدة الدين الإلهي ووراثة الرسالة الخاتمة لجميع النبوات السابقة.
  • المعراج عبر السماوات السبع: صعود النبي بصحبة جبريل عليه السلام عبر طبقات السماوات، ولقاؤه بالأنبياء في كل سماء: (آدم في الأولى، وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة عليهم الصلاة والسلام)، وصولاً إلى مستوى لم يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
  • الوصول إلى سدرة المنتهى وجنة المأوى: بلوغ النبي سدرة المنتهى في أقصى السماء السابعة، وهي شجرة عظيمة ينتهي إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوقها. وقد جاء في وصفها في الصحيحين: “فَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا كَأَنَّهُ قِلاَلُ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفِيَلَةِ”، ورأى عندها جنة المأوى وما أعده الله للمؤمنين من النعيم المقيم.
  • رؤية جبريل عليه السلام على صورته الأصلية: رأى النبي جبريل عليه السلام في هذه الرحلة على هيئته الملكية التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح سادّاً بها الأفق، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يراه فيها على صورته الأصلية بعد المرة الأولى بأجياد في مكة.
  • فرض الصلاة والتخفيف رحمة بالأمة: فرض الله تعالى الصلاة مباشرة دون واسطة جبريل، مما يدل على محوريتها في الإسلام. وفُرضت أول الأمر خمسين صلاة في اليوم والليلة، فما زال النبي يراجع ربه يسأله التخفيف بأمر من موسى عليه السلام، حتى خُففت إلى خمس صلوات في العمل مع بقاء أجر الخمسين في الميزان، فضلاً من الله ورحمة بهذه الأمة.
  • الاطلاع على مشاهد من الغيب والنعيم والعذاب: كشف الله لنبيه عن بعض معالم الغيب؛ فرأى البيت المعمور في السماء السابعة، ونهر الكوثر، واطلع على مشاهد من نعيم أهل الجنة، وعذاب بعض أهل المعاصي والكبائر (كأهل الغيبة والنميمة وآكلي أموال اليتامى)، لتكون زجراً للأمة وتحذيراً لها.