 |
|
أبو الكلام آزاد
|
"إنه
ليس هناك ما هو أدعى للخزي والمهانة من
أن يحني المسلمون رؤوسهم أمام أفكار
غيرهم السياسية، إن الإسلام لا يسمح لهم
بأن يكونوا ذيلا لغيرهم في أفكارهم، بل
عليهم أن يدعوا غيرهم إلى مشاركتهم
واتباعهم، ولو أنهم خفضوا رؤوسهم لله
تعالى لخفض العالم رأسه أمامهم.
إن
الإسلام قد وضّح لهم طريقهم الخاصة،
فلماذا يستعيرون من غيرهم الطرق؟! وإذا
كان الله قد رفع رؤوسهم فينبغي لهم ألا
يخفضوها أمام غيرهم، هذه إرادة الله،
وغيرة الله لا تسمح لمن أسلم أن يستسلم
لغيره {إن الله لا يغفر أن يشرك به}".
كلمات
للمصلح الهندي الكبير مولانا "أبو
الكلام آزاد" الذي عاش قرابة السبعين
عاما، قضاها في إيقاظ العقول والضمائر
والهمم، وقد اجتمعت في الرجل صفات
الزعامة الدينية والسياسية، فكان
لعظمته وروعته أكثر من وجه، إلا أن أهم
ما تميزت به هذه الشخصية النادرة
المغيبة عن حياتنا الثقافية والفكرية،
هو إدراكه العميق للأمور، وقدرته
الفائقة على استشراف المستقبل، وبعده
عن جمود التعصب، ورغبته الدفينة في
الإصلاح، ناهيك عن غزارة علمه، وملكته
النادرة في البيان، وسجيته النقية التي
كانت تنظر إلى بعض بني جلدته الذين
يرشدون الاستعمار الإنجليزي عليه،
ويشهدون ضده في المحاكمة قائلة: "إني
أعلم أن صوت الضمير يوبخكم في أعماق
سرائركم على ما تعملونه، ولكنكم
اضطررتم إليه اضطرارا؛ لأنكم لا تملكون
ما تسدون به عوزكم، وترزقون به أهليكم،
وليس فيكم قوة لتحمل البأساء والضراء في
سبيل الحق؛ فلذا لا أحنق عليكم، بل أعفو
عنكم، وأستغفر الله لكم".
هذه
الكلمات قالها من خلف القضبان، لإدراكه
أن الضعف الإنساني قد يتسلط على بعض
الناس، فيطمس ضمائرهم، وهو لا يطلب من
الحياة أن ترتفع بالناس جميعا إلى هذا
المستوى الكريم الذي ارتفع هو إليه
بالتضحية والاحتمال؛ لذا فهو يعذر
ويغفر، بل تظل صلته بالضالين من قومه
قائمة يعالجها بحكمته، ويداويها
بتسامحه.
بين
الهند ومكة
ولد
أبو الكلام آزاد في مكة المكرمة سنة (1306هـ=1888م)،
واسمه "محيي الدين أحمد بن خير الدين"،
أما أبو الكلام آزاد فهي كنية ولقب
اتخذه لنفسه، وكلمة آزاد تعني في اللغة
الأردية: الحر، أما أبو الكلام فهي كنية
لكونه كان خطيبا بارعا.
أسرة
أبو الكلام لم تكن هندية الأصل، بل وفدت
إلى الهند من بلاد الأفغان أيام الإمبراطور
الهندي "بابر" الذي أسس
الدولة المغولية في الهند سنة (932هـ=1526م)،
وقد نشأ والده "خير الدين" يتيما،
فكفله جده لأمه ورباه تربية دينية
صوفية، ثم ما لبث الجد أن اصطحب حفيده
إلى مكة المكرمة عندما رأى الإنجليز
يمزقون دولة الإسلام في الهند، لكن
أميرة إمارة "بهوبال" الإسلامية
"سكندر جيهان بيكم" استوقفته
وأبقته سنتين في إمارتها، ثم أذنت له
باستكمال رحلته، لكن الجد توفي في "بومباي"
وأكمل الحفيد خير الدين الرحلة فوصل مع
بقية أفراد أسرته إلى مكة، وقد تجاوز
عمره حينها الخامسة والعشرين.
استقر
خير الدين في مكة، وتزوج من ابنة أحد
كبار العلماء وهو الشيخ "محمد طاهر
الوطري" التي أنجبت له أبو الكلام
آزاد. كان خير الدين عالما صوفيا ذا
مكانة عند مسلمي الهند يقصدونه في
زيارتهم، وشاءت الأقدار أن يتعرض لحادث
فتكسر ساقه ويضطر إلى السفر إلى "كلكتا"
للعلاج، واستقر بها سنة (1308هـ = 1890م)
استجابة لرغبة مريديه، بعدما قضى في مكة
نحو 30 عاما.
وفي
هذه البيئة الدينية الصوفية العاشقة
للحرية الكارهة للاستعمار نشأ أبو
الكلام يظله حرص والده على تعليمه
تعليما دينيا، فأخذ في تعليمه بنفسه،
ولم يرسله إلى المدارس، واستقدم له
العلماء المتخصصين ليتولوا تعليمه
وتوجيهه، ولم يأت عام (1322هـ=1904م) حتى
استطاع أبو الكلام أن يحصّل كثيرا من
العلوم وهو في السادسة عشرة من عمره.
كان
والده خير الدين يرغب في أن يراه وهو
يعلم الطلاب ويدرس لهم، فجمع له خمسة
عشر طالبا ليعلمهم الفلسفة والمنطق
والحساب، لكن آزاد كان يرغب في الخروج
عن دراسته التقليدية، فأتقن اللغة
الإنجليزية، وقرأ الإنجيل بثلاث لغات،
وأتقن الفارسية، ودارت في نفسه في تلك
السن الباكرة معركة كبيرة بين القديم
الموروث والحديث والعلوم الجديدة التي
أضاءت بعض جوانب عقله، فوقف حائرا على
مفترق الطرق، لا يدري إلى أين يتجه، لكن
نفسه الثورية الرافضة للسكون والركود
جعلته يتحرر من قيود الموروث، ويدرس
الجديد بعقلية ناقدة فاحصة ليصل إلى
الحق، وسبب ذلك له أزمة مع والده الذي
أقصاه عنه، فانتقل هذا الشاب الصغير
الباحث عن الحقيقة بين كلكتا وبومباي
متصلا بأهل الرأي والفكر من العلماء،
واختار في هذا الوقت لنفسه لقب آزاد.
كانت
رحلة الوصول إلى الحقيقة شاقة ذات
معاناة؛ لأن الحقيقة ليست سلعة تشترى
ولكنها تحتاج إلى حرارة المعاناة حتى
تصفو من الشوائب، وامتدت عناية الله له
فأنقذته من هذه الحيرة التي استمرت
سنوات أربعا، أكمل بعدها العشرين عاما.
الرحلة
والتغيير
كانت
الهند في مطلع القرن العشرين الميلادي
تموج بالغليان والسخط على الاحتلال
الإنجليزي، وأدرك المستعمرون الإنجليز
ضرورة شق الصف بين الشعب الهندي بإحداث
فتنة بين المسلمين والهندوس حيث أخذوا
يظهرون التقرب للمسلمين. وفي عام (1323هـ =
1905م) أعلن الإنجليز تقسيم منطقة البنغال
إلى قسمين أحدهما للمسلمين، والآخر
للهندوس، فاعتبر المسلمون ذلك إنصافا
لهم، أما الهندوس فامتلأت نفوسهم بالشك
تجاه المسلمين، إلا أن الإنجليز ألغوا
قرار التقسيم سنة (1331هـ = 1911م).
وفي
هذه الفترة حاول أبو الكلام الاتصال
بكبار الثوار الهندوس، وفتح قنوات
اتصال معهم لإزالة شكوكهم تجاه
المسلمين وإقناعهم بقبوله في صفوفهم،
وكان يقول للهندوس: "إن المسلمين
بطبيعتهم ضد الاستعمار، فهم طلاب حرية
وعزة واستقلال".
قام
آزاد برحلة إلى البلاد الإسلامية
للتعرف على أفكارها وأحوالها عن قرب سنة
(1326هـ = 1908م)، وكان العالم الإسلامي في
تلك الفترة قد بدأ في التفاعل مع
الأفكار الثورية لجمال
الدين الأفغاني، والدعوة
الإصلاحية للإمام
"محمد عبده" وتلميذه "رشيد
رضا". فجاء آزاد إلى القاهرة
ودعوة الأفغاني ومحمد عبده و"مصطفى
كامل" تجد صداها في المصريين،
واتصل برجال الأزهر، ووقف على مناهجه
وطرق الدراسة فيه، لكنها لم تستهوه، ثم
زار "تركيا" و"فرنسا"، لكنه لم
يكمل زيارته إلى أوروبا وعاد إلى الهند
بعدما تلقى نبأ مرض والده.
وخرج
من رحلته هذه بضرورة إحياء الروح
الدينية واتخاذها أساسا للنهوض والتحرر
من الاستعمار دون تعصب ديني، ومن ثم
اتخذ وسائل علنية لإحياء الروح الدينية
للمسلمين بدلا من العمل في الجمعيات
السرية، يقول عن ذلك: "وبعد رجوعي إلى
الهند فكرت بعض الوقت فيما يكون منهاجي
للعمل في المستقبل، وانتهيت إلى ضرورة
تربية الرأي العام، وتحقيقا لهذه
الغاية لم يكن بد من إصدار مجلة".
بين
الهلال والبلاغ
تأثر
آزاد بمنهج الشيخ رشيد رضا ومجلته
"المنار"، وأدرك دور مجلة
"العروة الوثقى" التي أصدرها جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده في إلهاب
شعور المسلمين ضد الاستعباد
والاستبداد، فقام بتأسيس جماعة دينية
سماها "حزب الله"، ثم أسس مدرسة
سماها "دار الرشاد"، ثم أخذ يعد
العدة لإصدار مجلة "الهلال" التي
اتخذها منبرا لدعوة المسلمين إلى
التحرر العقلي والسياسي، وترجمة معاني
القرآن الكريم إلى اللغة الأردية حتى
يفهمه المسلمون في الهند، ولا يعيشوا في
عزلة عن معانيه.
وصدرت
الهلال أسبوعية، وصدر عددها الأول من
كلكتا في (26 جمادى الآخرى 1330هـ = 12 يونيو
1912م) وأنشأ مطبعة خاصة لها، وحققت قبولا
واسعا في أوساط المسلمين، وبلغت كمية
توزيعها (25) ألف نسخة أسبوعيا، وهو عدد
ضخم جدا في تلك الفترة، وطيرت الهلال
اسم أبو الكلام آزاد في أرجاء الهند،
وظنه الناس كهلا كبيرا حنكته الحياة
والتجارب حتى أخرجت منه هذا الرحيق من
الأفكار البديعة البيان، ولم يعلموا
أنه شاب في مقتبل العمر.
كانت
الهلال نقطة تحول في تاريخ الصحافة في
الهند، وفي واقع المسلمين؛ فكانت مدرسة
في التدين القويم والوطنية والحرية،
يقول عنها أحد كبار علماء الهند وهو "محمود
الحسن": "كدنا ننسى مهمتنا فذكرتنا
بها الهلال".
لم
يستطع الإنجليز أن يسكتوا طويلا على
النهضة الفكرية والروحية التي أحدثتها
الهلال فقرروا إغلاقها في (شعبان 1333هـ=
يونيو 1915م)، لكن آزاد لم يحطم قلمه، ولم
ينكسر قلبه العاشق للحرية، فلم تمض إلا
شهور قليلة حتى أصدر مجلة "البلاغ"
في (4 محرم 1334هـ= 12 نوفمبر 1915م)، لكنها
سرعان ما أغلقت بقانون الطوارئ بعد عدة
أشهر من صدورها، ثم أبعد عن كلكتا ومنع
من دخول ولايات "البنجاب" و"دلهي"
و"بومباي"، فقصد البنغال، واستقر
بمدينة "رانشي" التي كتب فيها
تفسيره للقرآن الكريم، وترجم معانيه
إلى اللغة الأردية.
ولم
يمض وقت طويل حتى اعتقل وزج به في غياهب
السجن، وقضى به 3 سنوات ونصف حتى أخرج في
(ربيع آخر 1338هـ = يناير 1920م).
العصيان
المدني
 |
|
آزاد في إحدى جولات المفاوضات مع الإنجليز
|
خرج
آزاد من السجن، وكانت الأجواء معبأة ضد
الاستعمار الإنجليزي؛ فالمسلمون
غاضبون لدور بريطانيا في هزيمة دولة
الخلافة العثمانية في الحرب
العالمية الأولى، وأسسوا "جمعية
الخلافة" برئاسة "محمد علي جوهر"
لمساندة الدولة العثمانية في محنتها،
ونشأ "حزب المؤتمر الوطني" الذي
جمع في عضويته بين المسلمين والهندوس،
وفي تلك الفترة أصدر الإنجليز قانون "رولات"
الذي يبيح لهم الاعتقال والقمع دون
تحقيق فأثار هذا القانون غضب الهنود
بجميع طوائفهم.
انضم
آزاد إلى "حزب المؤتمر" الذي
يتزعمه "غاندي" وتربطه علاقات قوية
بزعماء المسلمين، ونشطت حركة مقاطعة
المستعمر من قبل المسلمين والهندوس
وتلاقت فكرة غاندي التي سماها بالهندية
"ساتيا جراها" وتعني: الحق المنطوي
على المحبة والصلابة، أو "المقاومة
السلبية" مع سياسة المسلمين في عدم
طاعة المستعمرين أو التعاون معهم؛ لذا
نشأت حركة عصيان مدني واسعة في الهند.
ودعا
آزاد المسلمين الهنود وغيرهم في
خطاباته الثورية إلى عدم طاعة
الإنجليز، وطاف أرجاء الهند وهو يدعو
إلى "الحرية للهنود واللاتعاون مع
الإنجليز"، فقبض عليه في (9 ربيع آخر
1340هـ= 10 ديسمبر 1921م) ضمن 50 ألف معتقل في
كلكتا وحدها، وقدم للمحاكمة بتهمة
إلقاء الخطب التي تثير المشاعر وتحرض
الشعب على كراهية الحكومة، وحكم عليه
بالسجن عاما واحدا.
يقول
الشيخ
"محمد الغزالي" عن محاكمة
آزاد: "وتظهر عظمة آزاد ويتجلى إيمانه
الوثيق بالله وفهمه الصحيح للإسلام حين
قدمه الإنجليز للمحاكمة بتهمة التحريض
على الثورة، وآزاد في بقية من شباب يحرص
المرء عليها أشد الحرص، ويضن بها أن
تذهب في مجال الحياة الجافية المظلمة
داخل السجون، إن المرء في هذه المرحلة
من العمر يقف عادة وقفة المشفق على
شبابه المتأهب للرحيل، ووقفة الخائف من
شبح الشيخوخة المقبلة. فهو من هذا ومن
تلك مقبل على متعه، مشغول بنفسه.
ولو
وقف آزاد هذا الموقف قبل ذلك بسنوات،
لقلنا: إنها فورة الشباب وثورة الصبا
التي تدعوه إلى المغامرة وتحمله على
التهور.
ولو
وقف آزاد هذا الموقف بعد ذلك بسنوات،
لقلنا: إنه يأس الشيخوخة ومرارة الهرم،
حملته على أن يخرج من الحياة من هذا
الباب في صورة بطل من أبطال التاريخ،
ولكن شاء القدر أن يتخير لـ آزاد هذا
الموقف بالذات، أراد القدر ذلك ليثبت في
سجل الإنسانية آية من آيات السمو
البشري، ومثلا من أمثلة الإنسانية
الرفيعة في الإيمان بالحق والقيام به في
وجه الظالمين الطغاة.
على
حين اشتدت نوازع النفس وقويت رغبتها في
الحياة، وفي وقت استغلظ فيه بأس
الظالمين".
التقى
آزاد بالإمبراطورية البريطانية التي لا
تغرب عنها الشمس، بمفرده وهو يقف خلف
القضبان، وسجل أشهر مرافعة في تاريخ
الإنسانية في وجه محاكم الاستعمار،
صدرت بعد ذلك في كتيب صغير لعمق أفكارها
وروعة بيانها، والشجاعة النادرة التي
تحلى بها آزاد، ومما جاء في هذه
المرافعة:
حزب
المؤتمر
كانت
حركة التحرر التي قادها غاندي وآزاد
تقترب من أن تحقق الاستقلال للهند،
واعترف بذلك "لورد لويد" حاكم
بومباي الذي أكد أن غاندي كان في سنة 1922م
قاب قوسين أو أدنى من تحرير الهند، لكنه
أعلن فجأة وقف حركة الكفاح السلمي، وهو
موقف انتقده الزعيم الهندي "نهرو".
أما آزاد فقد خرج من سجنه ليجد البناء
المتماسك الذي أقامته الزعامات الهندية
من أجل التحرر قد اهتز، ودخل الشعب في
معارك طائفية، ونسي مهمته الأساسية في
التحرير، وامتدت الخلافات إلى حزب
المؤتمر الذي انقسم إلى تيارين
رئيسيين، أحدهما يرى دخول المجالس
التشريعية ومحاربة الحكومة من داخلها،
والآخر يرى المحافظة على الخطة السابقة
في مقاطعة الحكومة والعصيان المدني،
فلم ينحز إلى أي من الفريقين وحاول
توجيه اهتمام الأعضاء إلى الكفاح
السياسي، فتم اختياره رئيسا للحزب
بإجماع الفريقين.
وأكد
آزاد في خطابه أن الهدف الحقيقي هو
تحرير البلاد، مع إعطاء حرية لكل فريق
في أن ينفذ البرنامج الذي يراه مناسبا
للهدف، وبذلك استطاع الحفاظ على تماسك
الحزب من خلال تحديد إستراتيجيته مع
إعطاء مساحة واسعة لتحقيق هذه
الإستراتيجية، لكنه لم ينجح هو وكبار
زعامات الهند في تطويق الانقسام
الطائفي بين المسلمين والهندوس، فنشأت
الجماعات الدينية في كلتا الطائفتين،
ونشأت معها الشكوك، فبدأت كثير من
الزعامات المسلمة في حزب المؤتمر تنفصل
عنه لعدم إخلاصه لقضايا المسلمين، حسب
اعتقادهم، إلا أن آزاد رفض أن يكون حزب
المؤتمر مؤسسة هندوسية يتحكم فيها
متطرفو الهندوس، ويمثلون من خلاله
الشعب على اختلاف طوائفه، ولهذا قرر أن
يبقى في الحزب، كأحد زعاماته البارزة،
وظل متمسكا بوجهة نظره حتى بعد تحرير
الهند سنة (1367هـ= 1947م)، ثم انفصال
المسلمين في البنجاب والبنغال وتشكيلهم
دولة باكستان المسلمة.
وشارك
آزاد في حركة العصيان الثانية سنة (1349هـ=
1930م)، وتعرض للسجن وقضى فيه أكثر من عام،
وشارك في انتخابات (1354هـ= 1935م) التي جرت
على أساس قانون الحكم الذاتي، وحقق فوزا
كبيرا، وكان يرى ضرورة المشاركة في هذه
الانتخابات وعدم التجاوب مع الدعوات
الحماسية لمقاطعتها.
وكان
أحد أعضاء لجنة ثلاثية عليا مهمتها
الإشراف على أعمال الوزارات واختيار
الوزراء.
سنوات
المصير
كانت
سنوات الحرب
العالمية الثانية وما بعدها من
أخطر السنوات في تاريخ الهند، فقد أعلن
الحاكم البريطاني في الهند الحرب على
ألمانيا دون مشورة مع زعامات الهند، وهو
ما أربك هذه الزعامات في موقفهم حيال
هذه الحرب، وفي بداية الحرب اختير آزاد
رئيسا لحزب المؤتمر، فقبل الرئاسة بعد
ضغوط من غاندي، واستمر في رئاسة الحزب 10
سنوات متتالية كانت من أخطر السنوات في
تاريخ الهند، أعيد انتخابه للرئاسة كل
سنة، وتولى المفاوضات مع الإنجليز باسم
الهند حتى ظفرت باستقلالها، وكان يرفض
التحدث بالإنجليزية رغم تضلعه فيها،
واستمر في رئاسة الحزب حتى عام (1370هـ-1950م).
وظهرت
في المؤتمر، في تلك الفترة نظريتان
مختلفتان، الأولى يمثها آزاد وترى أن
بريطانيا إذا وافقت على منح الهند
استقلالها فإنه في هذه الحالة يمكن
مناقشة دخول الحرب إلى جانبها، ويقول هو
عن ذلك: "... وكانت مهمتي بصفتي رئيسا
للمؤتمر أن أقود الهند إلى المعسكر
الديمقراطي بشرط أن تنال حريتها...".
أما
الثانية: فيمثلها، غاندي وكانت تنطلق من
عقيدتها في مبدأ "اللاعنف" مهما
يكن السبب الذي من أجله يكون العنف
وإراقة الدماء؛ لذا كان "غاندي"
يرفض الحرية في سبيل إيمانه باللاعنف،
يقول: آزاد: "... لكن غاندي نظر إلى
القضية غير نظرتنا، وكانت القضية لديه
هي: قضية اللاعنف لا قضية حرية الهند...".
ولم
يكن الصدام مع غاندي سهلا، أو خلافا
جزئيا، بل خلافا في الفلسفة التي تحكم
الحركة السياسية، وفي عام (1361هـ= 1942م)
بدأت تتغير آراء غاندي نسبيا، ويرفع
شعار "ارحلوا عن الهند"، ثم بعث
برسالة إلى "آزاد" يطلب منه
الاستقالة من رئاسة الحزب، لكنه تراجع
بعدما نصحه أحد خلصائه بأن إقالة "آزاد"
ستؤدي إلى تدمير حزب المؤتمر، وقال
غاندي لمولانا آزاد أمام اللجنة
التنفيذية للحزب: "هاكم المذنب يعود
تائبا لمولانا".
وتعرض
"آزاد" وغاندي وبقية زعامات
المؤتمر للاعتقال، فثار شعب الهند وحطم
كل ما له صلة بالحكومة، وأفرج عن "آزاد"
في (شعبان 1364هـ=1945م)، وقد قضى في السجون
أحد عشر عاما من أجل حرية بلاده.
وعارض
"آزاد" تقسيم الهند إلى دولتين هما
"باكستان" بشقيها الغربي التي تضم
جزءا كبيرا من المسلمين، و"الهند"
الدولة الكبرى، وكان يردد مقولته
المشهورة "أنا أريد وحدة الشعب، لا
أريد الحرية، فإن التأخير في نيل الهند
الحرية خسارة على الهند وحدها، ولكن
الحرمان من الاتحاد خسارة على العالم
والإنسانية". وبعد الاستقلال شغل
منصب وزير المعارف مدة 10 سنوات، ووصف
بأنه أحد الأعمدة الأربعة للهند.
وقد
صدر له في حياته كتاب عن حياته، وعن
الشخصيات التي اشترك معها في حركة
الكفاح من أجل الاستقلال، وكانت له آراء
وملاحظات على بعض هؤلاء الأشخاص،
فسجلها حتى لا تضيع بعد وفاته، وأودعها
خزانة خاصة، وأوصى بألا تفتح إلا بعد
مرور 30 سنة على وفاته محافظة منه على
العلاقات الشخصية، وقد توفي آزاد في (3
شعبان 1377هـ=22 فبراير 1958م). وكان الزعيم
الهندي " نهرو" يسميه "صاحب
الإمامتين: إمامة الدين وإمامة السياسة".
ترجمان
القرآن
فسر
"آزاد" القرآن الكريم باللغة
الأردية، في كتابه "ترجمان القرآن"،
ووصل إلى سورة المؤمنون"، ولم تنقطع
علاقته بالقرآن الكريم طوال سنوات
حياته، وكان يرى أن من ضرورات الإصلاح
الديني العمل على تعليم القرآن وفهمه
بأسلوب عصري، وطبقا لمقتضياته، ودعا
إلى فهم القرآن بعيدا عما أحاط به على مر
القرون من تفسيرات أضافت إلى النبع
الإلهي كثيرا من الآراء والأهواء
والحشويات.
واستطاع
في تفسيره أن يحقق شخصية "ذي القرنين"
الواردة في سورة الكهف تحديدا تاريخيا
عميقا، وخلص إلى أنه هو "كورش الثاني"
الملك الفارسي استنادا إلى التاريخ
اليهودي والفارسي، كما استطاع تحديد
مكان سد "يأجوج ومأجوج"، وحوى
تفسيره بعض الخرائط والصور الأثرية
والتوضيحية.
مصادر الدراسة:
-
عبد
المنعم النمر ـ مولانا أبو الكلام
آزاد ـ الهيئة العامة للكتاب ـ
القاهرة ـ 1993.
-
أنور
الجندي ـ أعلام القرن الرابع عشر
الهجري ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ
القاهرة.
-
محمد
الغزالي ـ مع الله ـ دراسات في الدعوة
والدعاة ـ دار القلم دمشق ـ الطبعة
الرابعة ـ 2000.
-
دائرة
سفير للمعارف الإسلامية ـ دار سفير ـ
القاهرة ـ بدون تاريخ.
|