|
تطرح
حياة العالم المجدد محمد الطاهر بن
عاشور وأعماله الفكرية والإسلامية
إشكالية كبيرة تتعلق بطبيعة العلاقة
بين المؤسسات الدينية في عالمنا
الإسلامي والمجتمع، وأسباب الغياب
الملحوظ لعلماء الدين عن الريادة
الفكرية والتجديد والإصلاح في حياتنا
الثقافية والفكرية، ثم علاقة ودور
المؤسسة الدينية في إيقاظ الوعي
الثقافي، وإثارة الإفهام والضمائر بما
تمتلك من مكنون الكتاب الحكيم.
فقد
غابت الزعامات الدينية عن الحضور
الثقافي والفكري في واقعنا المعاصر -مقارنة
بفترات سابقة- وعن قيادة دفة التجديد
الثقافي والإصلاح السياسي والاجتماعي،
وإيقاظ العقل المسلم الذي علاه الصدأ من
قلة الاستعمال، وعن تقوية الإرادة التي
تحكمت فيها مشاعر الخور، رغم أن رواد
الإصلاح في الشرق الإسلامي كان
غالبيتهم من خريجي المؤسسات الدينية
ومن علمائها، مثل جمال الدين الأفغاني
ومحمد عبده ورشيد رضا والطاهر بن عاشور؛
إذ كان هؤلاء وغيرهم يرتبطون بالمؤسسة
الدينية التقليدية، ويدعون إلى إصلاحها
وإصلاح المجتمع، وهو الأمر الذي أخذ في
التراجع مع بدء الاستقلال وظهور الدولة
القومية والقطرية وسيطرة ما يسمى
بالقيادات الوطنية والثورية على مقاليد
الحكم، وتنحيتها للأفكار التجديدية
ولمن بقى من روادها عن قيادة الحياة
الثقافية والفكرية أو التفاعل معها،
وتطلع هذه القيادات الثورية عبر البحار
لاستيراد الأفكار والأيدلوجيات.
وقد
برزت عقب الاستقلال وفي فترة استيراد
الأفكار والأيدلوجيات قيادات ثقافية
وفكرية -منفصلة إلى حد كبير عن تراثها
الثقافي والديني- أخذت تناقش قضايا
المجتمع ومشكلات إصلاحه من خلال
المنظومة الفكرية المستوردة، وحلولها
السابقة التجهيز؛ فنقلت تجارب من بيئات
مختلفة، وزرعت -قسرا- في مجتمعاتنا،
وتمت محاولات فاشلة للتزاوج بين تجارب
وأنظمة متنافرة؛ فسارت دول المنطقة بلا
هوية واضحة في نظامها السياسي
والاقتصادي والاجتماعي، وغابت بوصلة
التوجيه التي تجيب على السؤال الهام: من
نحن وإلى أين نتجه؟.
وفي
المقابل اقترنت النوايا الحقيقية
لتنحية القيادات ذات الثقل الإسلامي عن
ساحة التجديد الثقافي والفكري مع ضعف في
المؤسسات الدينية التقليدية، وكذلك
انسحابها من الحياة السياسية والفكرية،
وترك الساحة خالية للآخرين ليمارسوا
فيها أدوارا تفوق أحجامهم وأوزانهم.
ومع
هذا الانسحاب والانزواء خلف جدران
معاهدها العلمية فقد لعبت المؤسسة
الدينية التقليدية وبعض كبار علمائها
دورا في تبرير ما تقوم به السلطات من
سياسات، وأضافت الشرعية الدينية على
توجهاتها السياسية؛ فنبذت المكانة التي
كانت تتمتع بها هذه المؤسسات بين الشعوب.
ومع
غياب التفاعل الثقافي والفكري،
والاستمرار في ممارسة التبرير لأعمال
السلطة، أصاب كثيرا من علماء وشيوخ هذه
المؤسسات التحوصل والجمود، وأصبح من
النادر أن ترى عالما دينيا من المهتمين
بالشأن العام، أو المدافعين عن الحقوق
المدنية، أو المتابعين للحركة الثقافية
والفكرية العالمية والمحلية، وهذا مما
صرف أنظار الناس وطبقة المثقفين عن هذه
المؤسسات وكثير من رجالها.
إن
مجتمع المسلمين في حاجة إلى العلماء
المجددين الذين يقفون على أرض إسلامية،
ويناقشون قضايا المجتمع وحلولها بأفكار
تجديدية إصلاحية، ويخوضون غمار الحياة
الثقافية برؤى معاصرة وخطاب جريء عميق.
|