 |
|
جامع الزيتونة |
أطل
القرن الثالث عشر الهجري على العالم
الإسلامي، وهو في حالة شديدة من التخلف
والإعياء، والفقر والجهل في الوقت الذي
أخذت فيه أوروبا بأسباب التقدم والعلم،
ونفضت ما كانت عليه من قبل من تخلف
وهمجية حين غزت المشرق الإسلامي في
أواخر القرن الخامس الهجري.
تغير
الحال وأصبحت أوروبا هي التي تمسك بزمام
العلم والتقدم، والتفوق الحضاري، وكانت
صدمة المسلمين قاسية حين أدركوا الفرق
الكبير بين أوروبا وما هم عليه، وكان
العثمانيون أول الناس إدراكا لهذه
الحقيقة، فبعد فترة من الفتوحات
والانتصارات على الجبهة الأوروبية توقف
كل شيء، وانحسر المد الإسلامي في
أوروبا، ومنيت الدولة العثمانية بهزائم
وانكسارات مدوية، وحاولت الدولة النهوض
واللحاق بركب الحضارة ولكنها لم تفلح
تماما.
وجاءت
الحملة
الفرنسية على مصر لتؤكد التفوق
الأوروبي الحضاري، فقد كانت مصر أول
ولاية إسلامية تتعرض للاحتلال الأجنبي
في العصر الحديث، وكان عجزها عن هزيمة
الحملة الفرنسية كما كانت تفعل قبل مع
الحملات الصليبية، هو محصلة الفارق
الحضاري بينها وبين المحتل الغازي.
في
هذه الفترة الحرجة التي مر بها العالم
الإسلامي تداعت أصوات كثيرة للنهوض
والإصلاح والأخذ بأسباب التقدم
والاستفادة من الحضارة الغربية. وكانت
تونس من أسبق الدول الإسلامية في سلوك
سبيل الإصلاح، وبدأت مشروعها قبل
دخولها تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي
سنة 1881م، وكان محمود قابادو واحدا من
أبرز أصوات النهوض والتجديد في تونس في
هذه الفترة.
النشأة
والتكوين
ولد
محمود بن محمد قابادو في تونس سنة (1230هـ=1815م)،
ونشأ في أسرة أندلسية الأصل لجأت إلى
تونس في بداية العهد العثماني في أوائل
القرن السابع عشر الميلادي، ثم نزح
والده إلى العاصمة تونس حيث كان يعمل في
صناعة الأسلحة.
تلقى
محمود قابادو تعليمه الأول مثل غيره من
الأطفال في أحد كتاتيب الحي الذي كان
يسكن فيه، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم
مبادئ القراءة والكتابة. ولفت قابادو
الأنظار إليه وهو في هذه السن المبكرة
بحافظته القوية وذكائه الوقاد. فهم من
الكتاب مبادئ النحو والصرف وهو ما يزال
صبيا لم يتجاوز الحلم، وفي سن المراهقة
توقف عن مواصلة الدراسة وانشغل بقراءة
كتب المتصوفة، وأخذ نفسه بطريقة
المجاهدة والسياحة والخلوة، ولم يكن له
شيخ يوجهه أو يصوب خطأه أو يرشد من
غلوائه، فراح يمشي في أسواق العاصمة
حافي القدمين، مكشوف الرأس يعترض طريق
المارة واعظا ومرشدا أو مهللا ومكبرا!!
وساقته
قدماه وهو في سياحته الصوفية إلى مصراتة
في ليبيا، واتصل هناك بالشيخ محمد ظافر
المدني، صاحب الطريقة المدنية أحد فروع
الطريقة الشاذلية، واستقر في زاويته
مدة طويلة بلغت ثلاث سنوات، كان يختلط
خلالها بالطلبة الوافدين على الزاوية
من جميع أنحاء شمال إفريقيا، وتلقى معهم
الدروس وشاركهم في الأعمال والرياضة
والأذكار. وفي هذه المدة استعان قابادو
توازنه النفسي وشخصيته المعتدلة التي
افتقدها في فترة المراهقة.
عاد
قابادو إلى تونس سنة (1251هـ=1835م)، وواصل
طلب العلم بجامع الزيتونة وتتلمذ على
كبار علماء عصره، من أمثال محمد بيرم
الثالث المتوفى سنة (1259هـ=1843م)، وأحمد بن
الطاهر اللطيف المتوفى سنة (1273هـ=1857م)،
ومحمد بن صالح بن ملوكة المتوفى سنة (1276هـ=
1860م) وغيرهم.
علم
وتعلم بإستانبول
لم
تطل مدة إقامة قابادو بتونس بعد عودته
من ليبيا، بل تاقت نفسه على السفر وطلب
العلم، ولم تقعد به همته أن يكتفي بما
حصل عليه من علم، بل رغب في المزيد، فعقد
العزم على السفر إلى إستانبول عاصمة
الدولة العثمانية ومقر الخلافة، فرحل
إليها في سنة (1254 هـ= 1838م) وكان عمره
آنذاك أربعة وعشرين عاما.
اشتغل
قابادو في العاصمة العثمانية بالعلم
والتعليم معا، فهو يواظب على حضور مجالس
العلماء، وفي الوقت نفسه يقرأ كتب
التفسير في بعض مساجد العاصمة شأنه في
ذلك شأن المتطوعين في ذلك العهد.
وإلى
جانب ذلك كان مواظبا على المطالعة، ونسخ
الكتب من مكتبات المدارس والزوايا،
وكان له شغف كبير باقتناء المخطوطات
النادرة. وطالت إقامة قابادو حتى بلغت
نحو أربع سنوات، ثم قرر العودة مرة أخرى
إلى الوطن، وكان وراء عودته المؤرخ
الكبير أحمد بن أبي الضياف، الذي تكفل
له بحمل صناديق كتبه على نفقة الدولة،
وكان ابن أبي ضياف في مهمة رسمية لدى
الباب العالي كلفه بها حاكم تونس المشير
الأول أحمد باشا باي.
في
باردو الحربية
وبعد
أربع سنوات من الإقامة في إستانبول عاد
قابادو إلى تونس سنة (1258هـ=1842م)، وعينه
أحمد باشا باي مدرسا بمدرسة بارود
الحربية، وهى مدرسة عسكرية أنشئت سنة
(1256هـ= 1840م)، وتقوم بتخريج ضباط للجيش
التونسي النظامي، وكان برنامج المدرسة
يشتمل على تدريس القرآن الكريم وعلوم
العربية والفرنسية وعلم الحساب وعلم
الجبر والمقابلة، وعلم المساحة وعلم
الجغرافيا، وعلم الأماكن، والعلوم
العسكرية والصناعات الحربية.
قام
قابادو في هذه المدرسة بتعليم تلاميذه
اللغة العربية وآدابها، وهو يعد أول من
تولى التدريس من التونسيين في هذه
الأكاديمية العسكرية.
ولما
رأى قابادو تقدم التلاميذ النابهين في
الدراسة، وتمكنهم في الوقت نفسه من
إتقان العربية والفرنسية، أخذ يحبب
إليهم الترجمة باعتبارها وسيلة لا غنى
عنها لمعرفة علوم الغرب المتقدم، ولم
يكتف بهذا بل أشرف على بعض هذه الترجمات.
وقد
تخرج على يديه عدد من الضباط المشهود
لهم بالكفاءة والقدرة، ومنهم: الجنرال
حسين الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للمعارف
والأشغال العمومية، والجنرال رستم الذي
صار وزيرًا للداخلية ثم وزيرًا
للحربية، ومحمد بن الحاج عمر وقد تولى
إدارة المدرسة الحربية بعد وفاة مديرها
دي تافرن.
في
ساحة الزيتونة
ظل
قابادو مدرسا في مدرسة باردو حتى سنة (1271
هـ= 1855م) وانتقل بعدها إلى جامع
الزيتونة، حيث عينه محمد باشا باي مدرسا
من الطبقة الأولى بالجامع العريق. وقام
قابادو بتدريس كتابي "المطول" و"المختصر"
وهما في البلاغة، وكتاب "القطب" في
المنطق، وهذه الكتب بالغة التعقيد
وتحتاج إلى معلم بصير بأسرار الكتب
القديمة قادر على فك طلاسمها حتى يتسنى
للطلاب الوقوف على ما في الكتاب من
قضايا ومسائل، ولم تكن مثل هذه الكتب
تدرس إلا لكبار الطلاب.
وتطوع
قابادو إلى جانب عمله الرسمي بتدريس
التفسير والنحو والصرف وغيرها من
العلوم التي كان بارعا فيها.
تجمع
الطلاب حول قابادو ووجدوا فيه ضآلتهم
وتتلمذ على يديه كثيرون نبغ منهم من
قامت على أيديهم النهضة الفكرية في
تونس، وحسبه أن يكون فيهم سالم همربو
حاجب المتوفى سنة (1342 هـ= 1924م) الذي وصل
إلى رتبة شيخ الإسلام وكبير أهل الشورى
في أواخر أيامه، ومحمد بيرم الخامس
المتوفى سنة (1307 هـ=1900م) أحد دعاة
الإصلاح في تونس.
ولم
ينقطع قابادو عن إلقاء دروسه في جامع
الزيتونة حتى بعد توليه منصب القضاء
بباردو سنة (1277هـ=1861م)، ثم منصب الإفتاء
سنة (1285هـ=1868م).
علم
وعدل= نهضة
كان
محمد قابادو رجلا واسع المعرفة، كثير
الاطلاع عميق الثقافة دائب التفكير هيأ
له عمله معلما في مدرسة باردو الحربية
أن يقف على آفاق رحيبة من الفكر وأن
يخالط المعلمين الأجانب وأن يقترب من
علوم الغرب؛ الأمر الذي جعله يلمس عوامل
نهضة العالم الأوروبي، وفي الوقت نفسه
أمدته سياحاته في بعض بلدان العالم
الإسلامي بأسباب تدهور المسلمين وتخلف
في ركب الحضارة.
ولذلك
تركزت أفكاره الإصلاحية حول توجيه
أبناء الأمة شطر العلم الذي من شأنه أن
يغير الحال ويصلح المفاسد، وينهض
بالدولة، وقد فصل مذهبه الإصلاحي في
مقدمة كتاب ترجمه أحد تلاميذه تحت
إشرافه بعنوان "التعبئة الحربية"
للجنرال الفرنسي "جُمنى"، وقال: إن
العلوم الحكمية والرياضية التي أصبح
علماء الإسلام عنها بمعزل، والتي عرفها
هو وعانى في تحصيلها هي مدار التفوق
الذي نالته أوروبا، وهذه العلوم كانت
مزدهرة متقدمة عند المسلمين وكانوا في
الذروة لما كانت هذه العلوم رائجة فيهم،
وعزا قابادو تخلف المسلمين إلى شيء خارج
عن جوهر الدين؛ لأن الإسلام بذاته كفيل
بأن يجعل المجتمع القائم على أصوله في
حالة من التقدم والرقي التي لا مثيل لها.
وكان
يحث المسئولين إلى الأخذ بأسباب التقدم
ومحاذاة الدول الأوروبية في نهضتها
العلمية والصناعية، فلا عزة للأمة
الإسلامية ما لم توفر لنفسها المناعة
والرقي، وإنه لا مناعة ولا رقي إلا
بانتشار العلم وتطور الصنائع وازدهار
العمران، ولا يتحقق ذلك في بلد ما لم
تتحقق فيه شرائط العدل.
والعدل
عند قابادو لا يكون إلا في ظل حكم دستوري
قاعدته الشورى، وأساسه رعاية الحقوق
العامة، وبدون ذلك يظل صرح الدولة مقوضا
وبناؤها ضعيفا، لا يصمد للأعاصير،
ويعبث فيه كل سارق وناهب.
والنهضة
الإسلامية لا يمكن أن تتحقق للأمة
الإسلامية إلا إذا استعادت روح أمجادها
التاريخية الرائعة، وأحيت تراثها
العلمي.
وقد
اجتهد في رد كل فضيلة عرفها الأوروبيون
في عصره إلى أجداده المسلمين الذين كانت
حياتهم جدية في طلب العلم، ودأب في
تحصيله، ومثابرة في تعليمه.
آثاره
ووفاته
كان
قابادو إلى جانب تمكنه من العلوم
العقلية والرياضية والفلكية والشرعية
متمكنا في اللغة العربية وآدابها،
ومعرفة التاريخ، وفوق ذلك كان شاعرا
موهوبا طويل النفس قوي القريحة، غلبت
عليه الأغراض الشعرية القديمة ولكنه في
الوقت نفسه يعد أول شاعر تونسي يخرج من
هذه الأغراض إلى ميدان الحياة العامة.
وقد
جمع محمد
السنوسي ديوان
قابادو ونشره بعد وفاته في جزأين سنة
(1294-1295هـ= 1877-1878م)، ثم نشرت آثار قابادو
سنة (1404هـ=1984م) في مجلدين، تضمن المجلد
الأول أشعاره، في حين ضم الجزء الآخر
الآثار النثرية له، ومعظمها رسائل
صغيرة وديباجات لكتب.
عاش
قابادو حياته مكرما بين العامة والخاصة
حتى آخر حياته التي كللها بتوليه مصب
الإفتاء تأكيدًا على نبوغه في العلوم
الشرعية إلى جانب العلوم الأخرى، وظل
متوليًا هذا المنصب ثلاث سنوات حتى أصيب
بدمل خبيث بين كتفيه عجز الأطباء عن
علاجه، وكان سبب وفاته،
حيث
لم يمهله المرض طويلا فتوفي يوم الأحد
الموافق (3 من رجب 1288هـ= 7 من سبتمبر 1871م) .
اقرأ
أيضا:
أهم
مصادر الدراسة:
-
محمد
محفوظ – تراجم المؤلفين التونسيين –
دار المغرب الإسلامي – بيروت – 1405هـ=
1985م.
-
حنا
الفاخوري – تاريخ الأدب العربي في
المغرب – المكتبة البوليسية – بيروت
1982م.
-
خليل
مراد بك – أعيان القرن الثالث عشر في
الفكر والسياسة والاجتماع – لجنة
التراث العربي – بيروت – 1971م.
-
محمد
الفاضل بن عاشور – أركان النهضة
الأدبية بتونس – تونس – 1962م.
-
مجموعة
مؤلفين – دائرة المعارف التونسية –
بيت الحكمة – قرطاج – الطبعة الأولى
– 1990م. .
|